تقارير

محمد صلاح.. "فخر العرب" الذي هزم الإسلاموفوبيا في ليفربول

 

الوثائقية-ليفربول

هل تعلم أن أغلى لاعب في أغنى دوري لكرة القدم في العالم سيكون لاعبا عربيا مسلما؟! والأكيد أن عددا من قراء المقال سيذهب ذهنهم مباشرة نحو لاعب دون غيره، هو المصري محمد صلاح نجم فريق ليفربول الإنجليزي الذي دخل في مفاوضات جديدة مع ناديه بطل أوروبا لتجديد عقده، وعرض عليه الفريق راتبا سنويا يبلغ 22.4 مليون جنيه إسترليني بمعدل 430 ألف جنيه إسترليني أسبوعيا، مما يجعله صاحب أعلى راتب في تاريخ الدوري الإنجليزي.

كثير من التحليلات الرياضية بررت هذا العرض المغري برغبة الفريق في تحصين لاعبه ضد أي احتمال لانتقاله إلى أي نادٍ ثانٍ، وذلك للنتائج الجيدة التي قدمها اللاعب، ليس فقط داخل الملعب وإنما خارجه من خلال ارتفاع مبيعات منتجات اللاعب المصري، وتحوله لبوابة مهمة نحو الجماهير العربية والمسلمة في بريطانيا والعالم.

التأثير الإيجابي لمحمد صلاح -أو الملك المصري كما يلقبه أنصار نادي ليفربول- انسحب على جعل المدينة قبلة للسياح العرب، وساعدها على تقليص جرائم الكراهية بحق المسلمين حسبما أظهرت دراسات علمية بريطانية.

وفي هذا المقال سنستعرض رأي عدد من مسؤولي المدينة عن الدور الذي قدمه محمد صلاح في محاربة الكراهية والتطرف، ونرى بأعين الجاليات العربية في المدينة ما قدمه اللاعب المصري لهم، وما الفرق بين مرحلة ما قبل محمد صلاح وما بعد وصوله للنادي البريطاني.

صلاح يهزم الإسلاموفوبيا

هل يمكن للشهرة أن تساهم في الحد من الأحكام المسبقة؟ كان هذا السؤال هو موضوع دراسة أجراها معهد سياسة الهجرة البريطاني، وركزت على النجوم الذين ينتمون لخلفيات ثقافية تعاني من الصور النمطية، وسلطت الضوء على تأثير محمد صلاح في تصحيح الصورة الخاطئة التي يحملها كثيرون عن الإسلام، لتصل إلى تراجع جرائم الكراهية والإسلاموفوبيا في مقاطعة ميرسيسايد حيث توجد مدينة ليفربول.

وقالت الدراسة إن سلوك محمد صلاح أثر بشكل كبير في المواقف المعادية للإسلام، واستندت الدراسة إلى رصد 936 جريمة كراهية على مستوى مقاطعة ميرسيسايد، و15 مليون تغريدة لمشجعي كرة القدم في المملكة المتحدة، ودراسة استقصائية شملت 8060 مشجعا لليفربول.

ووفق نتائجها، كان لافتا أن انتقال صلاح إلى ليفربول عام 2017 لم يؤثر إيجابا فحسب على أداء النادي الذي فاز بدوري أبطال أوروبا السبت الماضي، بل ترك أثرا إيجابيا أيضا في المنطقة التي انتقل إليها بأكملها، إذ انخفضت جرائم الكراهية في ميرسيسايد منذ انتقال صلاح إلى ليفربول بنسبة 18.9%، كما انخفضت التغريدات المعادية للمسلمين لدى جماهير ليفربول إلى النصف من 7.2% إلى 3.4%.

ويقول تقرير "مخبر سياسة الهجرة" إنه "ربما أدى صعود صلاح إلى تناقص التحيز ضد المسلمين، وبأن صلاح يقدم صورة إيجابية عن المسلمين والإسلام، وأدى ضمه إلى نادي ليفربول لرفع النادي ومشجعيه إلى أعلى النقاط التي لم يروها منذ عقود، وهناك قلة من المسلمين البريطانيين الذين عبّروا عن هويتهم الإسلامية مثلما فعل صلاح".

وتقدم الدراسة تفسيرا لهذه النتائج التي أحدثت ضجة في بريطانيا؛ بأن اللاعب المصري يحرص دائما على إظهار هويته الإسلامية في الملعب من خلال السجود بعد تسجيله لأي هدف، والحرص على الحديث عن هويته العربية والمسلمة، والظهور إلى جانب زوجته المحجبة، وكلها رموز تجعل المشاهد الغربي يطبّع مع الإسلام ويغير الكثير من الصور السلبية عن هذا الدين ومعتنقيه.

يقوم محمد صلاح بالسجود بعد تسجيل الأهداف لصالح فريقه

ليفربول تحب صلاح

مدينة ليفربول التي كانت تضم في السابق أكبر ميناء في العالم، مما جعلها من أهم حواضر المعمورة، وذاع صيتها أيضا مع الفرقة الموسيقية الأسطورية "بيتلز"، وكل زائر للمدينة سيصادف الكثير من شواهد هذه الفرقة من تماثيل ومقاه تضج بصورهم وفنادق تحمل أسماء بعض أغانيهم، وصور ألبوماتهم تملأ الشوارع.

ولا عجب في ذلك فقد أعادوا المجد لهذه المدينة التي تحولت لقبلة موسيقية عالمية، واليوم تصبح المدينة قبلة لعشاق كرة القدم، باحتضانها لنادي ليفربول الذي يعد من بين الأعرق والأقوى في العالم، خصوصا بعد فوزه بدوري أبطال أوروبا السنة الماضية.

عودة التألق للفريق الكروي انعكس على مدى حب ساكنة المدينة للاعبين ومن بينهم محمد صلاح، وكل زائر لملعب أنفيلد الشهير ستصادفه صورة عملاقة لمحمد صلاح هي الأكبر من بين كل لاعبي النادي، وفي محيط النادي كذلك العديد من ملصقات "مو صلاح" كما يناديه ساكنة المدينة، وبالدخول إلى متجر النادي الموجود في محيط الملعب، ستجد عددا من المنتجات المتعقلة باللاعب المصري، وحجم الإقبال عليها من طرف السياح العرب وكذلك من طرف الأجانب.

وغير بعيد عن الملعب في شارع محاذٍ، تمتلئ النوافذ بأعلام النادي، وبصورة هي التي تتكرر بكثرة، ويوجد محمد صلاح في القلب منها، إلى جانب اللاعب السنغالي ساديو ماني، وهما اللذان يقودان خط هجوم النادي ومن تم ترشيحهما ضمن قائمة عشرة لاعبيين للفوز بجائزة أفضل لاعب في العالم لهذه السنة.

صلاح وزميله في الفريق السنغالي ساديو ماني

وحتى وإن كنت بعيدا عن الملعب، فمن المؤكد أنك ستصادف فئات من مختلف الأعمار والجنسيات ترتدي قميص محمد صلاح، كما اجتهد عدد من ساكنة المدينة في رسم صور للاعب المميز بتسريحة شعره على العديد من الجدران حيث تتنشر صور الغرافيتي، ويبقى الرسم الأشهر للاعب هو ذلك الذي يجسد تحية السلام التي قام بها محمد صلاح بعد تسجيله هدفا رائعا بمرمى نادي تشلسي الإنجليزي، وذلك ردا على الهتافات العنصرية التي تعرض لها من طرف الجماهير التي اتهمته بالإرهاب وبإهانات مسيئة للإسلام، فقد حاز رد اللاعب بتلك الطريقة المسالمة على احترام الجميع، وخُلدت الصورة كواحدة من أفضل لقطات الموسم الكروي 2019.

فخر المسؤولين في ليفربول

"محمد صلاح فخر العرب".. العبارة التي تتردد كثيرا في صفوف المشجعين العرب للاعب المصري، بالنظر إلى الإنجازات الكبيرة التي حققها مع ناديه، والجوائز الكبيرة التي حازها خلال مشواره الكروي في مدينة ليفربول.

هذه العبارة التي باتت دارجة في الألسن وفي التعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي، انتقلت حتى للمسؤولين داخل المدينة، وفي مقدمتهم عمدة مدينة ليفربول بيتر برينان، الذي ما إن وجهنا له السؤال عن محمد صلاح وتأثيره على المدينة حتى ابتسم ابتسامة رضا، مؤكدا أن اللاعب المصري تحول إلى مفخرة في المدينة، وتحول لقصة نجاح ملهمة في كل البلاد.

وقال المسؤول البريطاني إن محمد صلاح قدم الكثير لهذه المدينة العظيمة، ومنحها دينامية جديدة، وذلك عبر تحفيز الجاليات العربية والمسلمة على الظهور أكثر والمشاركة في إنماء محيطهم والمساعدة في تحسينه، وهذا الظهور أدى إلى تغيير الكثير من الصور النمطية عن الإسلام.

وأكد العمدة أن التقارير التي تصله تؤكد بالملموس تراجع البلاغات عن اعتدءات العنصرية والكراهية على المسلمين في المدينة، وهو ما جعل مدينة ليفربول من أقل مناطق بريطانيا تسجيلا لمظاهر الإسلاموفوبيا، وجعلها نموذجا في كل البلاد. "نحن نحمل شعار مدينة مفتوحة للجميع، والآن نظهر بالفعل أننا جديرون بهذا الشعار".

وأكد العمدة أنه سبق والتقى بمحمد صلاح وأعجب بشغفه من أجل مواجهة الكراهية والعنصرية بحق المسلمين، "ولهذا أنا فخور جدا بوجود لاعب مثله في المدينة التي أُشرف عليها لأنه يقدم صورة مذهلة عن هذه المدينة العظيمة ويشجع على العيش المشترك".

أما مسؤولة الخدمات الاجتماعية في مجلس مدينة ليفربول سو ميتشل، فحسب طبيعة عملها مع كل الجاليات المقيمة في المدينة، فإنها أكدت في تعليقها على الدور الإيجابي الذي يقدمه محمد صلاح للمدينة، وكيف أنه يسهل عملهم في المجلس، قائلة "هذا اللاعب الذي لا أحد يختلف على موهبته يقدم نموذجا رائعا للأطفال والشباب من خلال سلوكه خارج الملعب، ولذلك فقد نجح في إعادة التلاحم بين مختلف الجاليات العربية أولا ثم إعادة الوئام بين الجاليات العربية وغيرها، ووجوده أمر إيجابي للمدينة".

وتؤكد المسؤولة البريطانية أنها لاحظت من خلال عملها أنه منذ وصول محمد صلاح كيف بات الشباب المسلم والعربي متحفزا من أجل الظهور والمساهمة في الحياة العامة بشكل أكبر، وتفسر ميتشل هذا الأمر بحجم الإعجاب الذي حازه من طرف ساكنة المدينة، "لقد ساعدَنا على تجنب الكثير من المتاعب في زمن تنتشر فيه خطابات الكراهية والعنصرية، وقدم وجها مشرقا عن الإسلام".

عمدة مدينة ليفربول بيتر برينان

هذا الارتياح الذي عبر عنه مسؤولو المدينة مرده إلى الدور الذي قام به محمد صلاح، حيث اختصر عليهم الاستثمار في الجهد والمال من أجل مواجهة الإسلاموفوبيا والكراهية، فقد قام اللاعب المصري بهذا الدور دون أن يكلفهم أي شيء، ولهذا يتشبث به المسؤولون عن المدينة، وقد أعاد لها بريقها وباتت نموذجا جيدا يُذكر في صفوف الجاليات المسلمة في بريطانيا، بعد أن كانت العاصمة لندن هي من يحتكر نموذج التعايش بين مختلف الديانات.

أما مسؤولة التواصل في مجلس مدينة ليفربول كاميليا مانكبادي، وهي مصرية الأصل، فقد أكدت أنه حيثما وليت وجهك في المدينة ستجد اسم محمد صلاح، "في الجدران في الأعلام وفي الصور، وهو في الواقع لم يعد أيقونة للنادي فقط وإنما للمدينة وللديانة التي يمثلها". وتضيف المسؤولة التي سبق وتقلدت عددا من المناصب الإعلامية وتعي جيدا معنى الترويج لصورة المدينة أن "أداء محمد صلاح داخل الملعب وتواضعه جعلاه محبوبا من طرف جيل كامل من أنصار كرة القدم".

وتحدثت كاميليا عن حضور الرموز الدينية في يوميات محمد صلاح "ذلك أن دينه هو عنصر محدد في هويته، ونشاهد كيف أنه عندما يسجل هدفا يسجد شكرا لله، هذا الإيمان القوي وانفتاحه دفع أنصار النادي لأداء أغان مؤيدة للإسلام والمسلمين داخل الملعب"، وذلك ما لم يسبق تسجيله في أي ملعب بريطاني وربما حتى أوروبي.

وعن الأجواء داخل المدينة، أكدت كاميليا أنها أجواء من التسامح بين معتنقي مختلف الديانات، "وتبين لنا بالأرقام أن جرائم الكراهية ضد المسلمين في المدينة تضاءلت"، لتخلص للقول إن محمد صلاح أظهر أن كرة القدم هي رياضة عابرة للثقافات، وقادرة على مواجهة أجواء التعصب وعدم التسامح.

سلوك محمد صلاح أثر بشكل كبير في المواقف المعادية للإسلام

العرب مرحب بهم

دخول الهتافات المؤيدة لمحمد صلاح والتي تحتفي بالإسلام، كان لها أيضا وقع على المشجعين العرب في ملعب الأنفيلد العريق المعروف بصرامة مشجعيه، وحتى تعصبهم في الكثير من الأحيان، ومن ذلك ما يحكيه رئيس المركز الثقافي العربي في ليفربول عبد الرزاق موسى، وهو يمني الأصل، فمع بداية الأحداث المأساوية في اليمن كان يحاول حمل علم بلاده معه لرفعه داخل الملعب والتعريف بقضيته، ولسوء حظه فإن العلم اليمني يحمل نفس ألوان فريق مانشستر يونايتد الغريم التقليدي لنادي ليفربول، وهو ما جعل عبد الرزاق دائما تحت مضايقات مشجعي النادي الذين لا يريدون أي شيء في ملعبهم يذكرهم بالخصم التاريخي.

يقول عبد الرزاق "كدت مرة أتعرض لاعتداء من طرف بعض أنصار النادي بسبب ألوان العلم اليمني لولا تدخل أمن الملعب"، لكن عبد الرزاق يتحدث بكل اعتزاز أن الوضع تغير تماما مع وصول محمد صلاح، حيث باتت كل الأعلام العربية مرحبا بها في الملعب، "وأصبحتُ أتلقى التحية والترحيب من طرف المشجعين لأنني أتقاسم مع محمد صلاح نفس الخلفية الثقافية والدينية، خصوصا وأن محمد صلاح يحرص دائما على تحيتنا كلما شاهد علم دولة عربية".

محمد صلاح يحضر حفل أكثر 100 شخصية مؤثرة في العالم

وعلى الرغم من التأثير الإيجابي لمحمد صلاح على المسلمين في ليفربول وبريطانيا، فإن اللاعب المصري لم يَسلم في الكثير من المرات من ممارسات عنصرية في الملاعب، مما استدعى فتح تحقيقات مع عدد من مشجعي الأندية. ومع ذلك يحافظ محمد صلاح على هدوئه وتركيزه في الملعب وتقديم الكثير من الدروس الإنسانية والرياضية، وهو ما جعله من بين أكثر مئة شخصية مؤثرة في الشباب، حسب مجلة تايم الأمريكية.