تقارير

مدارس الأئمة والخطباء.. من هنا مّر مندريس وأربكان وأردوغان

 

حبيب مايابى

كناطح صخرة يوما ليوهنها
فلم يُضرها وأوهى قرنه الوعل

وفي محكم التنزيل "يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ".

"لم نقم بتعبيد الطرق وإنشاء السدود فقط، وإنما قمنا بتوفير الغذاء المعنوي، وفتحنا مدارس الأئمة والخطباء".

كان هذا جزءا من خطاب رئيس وزراء تركيا عدنان مندريس الذي أعدمه العسكر بعد الانقلاب على حكومته عام 1960.

شهدت الخلافة العثمانية ازدهارا ملموسا على جميع الأصعدة كان له أثر كبير على عدة حضارات. وكدولة عالمية لها امتداد في جميع الأقاليم حظي التعليم فيها بنهضة سمحت له بمواكبة تطلعات الدولة وتوسعها وحمل لواء هويتها.

ولقرن من الزمان، ظلت الدولة العثمانية تعتمد على مدارس الخطباء في إعداد العظماء والقادة وأصحاب الفكر ورجال الدين.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وتفكيك الخلافة العثمانية، قامت دولة تركية جديدة أراد مؤسسوها القطيعة مع الماضي وثقافته، فأغلقوا المدارس الدينية التي تعتبرها الغالبية من المواطنين جزءا من هويتهم.

وبعد إعلان الجمهورية التركية عام 1920 بدأت محاولات لتغيير ملامح الدولة الإسلامية وإضفاء طابع حضاري جديد.

كان الأتراك يكتبون لغتهم بأحرف عربية، لكن ذلك لم يرق لقادة الدولة العلمانية الناشئة ففرضوا استخدام الأحرف اللاتينية، وحولوا أذان الصلاة من اللغة العربية إلى التركية.

عملت الدولة العلمانية التي رسم طريقها مصطفى كمال أتاتورك على مدى ثمانية عقود على محو آثار الإسلام واعتباره فكرا رجعيا يعوق تقدم البلدان، فحاربت مؤسساته العلمية والإرشادية وقللت من شأن العاملين في حقله.

لكن الشعب لم ينسجم مع قرار إغلاق المؤسسات الدينية، فقامت جولات من المواجهة بين العسكر والحكومات المدنية بسبب تباين الأفكار إزاء تلك المدارس.

هذه المؤسسات هي محور فيلم أنتجته الجزيرة الوثائقية بعنوان "مدارس الأئمة والخطباء" سلطت فيه الضوء على تاريخ عطائها العلمي وإشعاعها الثقافي، والتغييرات والمضايقات الكبيرة التي طالتها إبان قيام الجمهورية التركية.

 

مكانة في المجتمع

مدارس الأئمة والخطاء عبارة عن مؤسسات تربوية للتعليم الأساسي والثانوي يتلقى فيها التلاميذ رعاية خاصة ودروسا جيدة في شتى العلوم مع التركيز على تعاليم الشريعة الإسلامية، ويحظى الخريجون منها باهتمام وتعطى لهم الأولوية في ولوج الجامعات وشغل الوظائف.

وتعتبر الثانويات الدينية طريقا لمن أراد أن يتصدر لإمامة الناس والوقوف على المنابر الوعظية وإرشاد المسلمين.

وفي الخلافة العثمانية كان الإمام محورا خاصا في المجتمع يرجع له الناس في كل مسألة، ويتمتع بصلاحيات واسعة في القضايا الأسرية ويقوم بحل النزاعات الضيقة التي تقع بين عامة المسلمين.

وفي حديثه بوثائقي الجزيرة يقول الإمام مزكّى غوربوز "للإمام فضائل كثيرة في خدمة الأمة بأفعاله وخدماته التي يقدمها للناس".

 

جمهورية العداء

في مارس/آذار 1924 أصدر كمال أتاتورك قانونا يقضي بتوحيد جميع المدارس، وجعلها تحت رعاية وزارة التربية.

وبعد صدور القانون قام وزير التربية واصف شينار بإغلاق المؤسسات التعليمية الدينية مدعيا أن روادها لا يقومون بالخدمة العسكرية.

وفي عام 1927 أُغلقت مدارس تحفيظ القرآن الكريم، وأصدرت الحكومة تعميما يمنع نشر وطباعة الكتب الدينية بحجة محاربة الرجعية والتخلف الفكري.

وفي سنة 1932 تم تغيير الأذان والإقامة من العربية إلى اللغة التركية، واستمر ذلك قرابة عقدين من الزمان.

وبعد دستور 1937 أصبحت العلمانية مذهبا رسميا للجمهورية، وتم الإعلان عن فصل الدين عن الدولة، وأغلقت كلية الشريعة، وتم إلغاء الدروس الدينية من برامج مدارس تكوين المعلمين، ومنع الناس من الذهاب للحج حتى عام 1948.

 

مندريس.. انتصر للدين فأُعدم

بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، تغير المناخ السياسي وأصبحت الحاجة ملحة للخروج من أحادية الحكم إلى تعددية الأحزاب.

شارك الحزب الديمقراطي وفاز في الانتخابات سنة 1950 وأصبح عدنان مندريس رئيسا للوزراء.

وبعد شهر واحد من انتخابه رجع الأذان لحالته وبدأت المساجد تستعيد دورها، فسمح بتعليم القرآن وإلقاء المحاضرات.

كان رئيس الوزراء مندريس مهتما بالتعليم الديني، ورغم أن برلمانه لم يساعده في منع مضايقة الناس في ممارسة شعائرهم، فإنه عمل بمفرده واعتبر نفسه مسؤولا عن حماية الدين من العابثين، ورأى أنه لا إكراه في السياسة ولا في الدين.

طلب مندريس من الشيخ جلال الدين أوكتان تقديم تصور عن تفعيل المدارس الدينية من جديد، وفي سنة 1951 أعيد فتح مدارس الأئمة والخطباء.

وقد زاد هذا الإجراء من شعبية رئيس الوزراء وأكسبه حبا في قلوب الجماهير، وأقبل الناس من جديد على هذه المؤسسات وبدأت تستعيد ألقها.

وفي خطابه بأحد المهرجانات السياسية قال مندريس "لم نقم بتوفير الغذاء للمحتاجين وإصلاح المزارع، ولم نقم بشق الطرق وإنشاء السدود فقط، وإنما قمنا بتوفير الغذاء المعنوي وفتحنا مدارس الأئمة والخطباء".

وخلال رئاسته للحكومة فتحت كلية الشريعة أبوابها بعدما أوصدت سنين عديدة، لكن الاهتمام بالدين والعمل على استعادة دوره في المجتمع لم يرق لقادة الدولة العميقة التي أسسوها على قواعد من المبادئ العلمانية، فقام أصحاب النياشين في 27 مايو/أيار 1960 بأول انقلاب عسكري في تاريخ الجمهورية التركية.

اعتقل مندريس والعديد من شخصيات الحزب الديمقراطي، وفي 17 سبتمبر/أيلول 1960 نُفذ حكم الإعدام بحقه.

وصف الانقلابيون الدين بالعقلية الرجعية، وأغلقوا مدارسه ومراكزه في ظل جو من تخويف الناس وإشاعة الفوضى.

 

أربكان.. رجوع حذر فانقلاب

وبعد مشاركة حزبه في حكومة ائتلافية سنة 1974 استطاع نجم الدين أربكان أن يفتح مدارس الأئمة من جديد، ولكن لم يُسمح لطلابها بالالتحاق بالجامعة، فخرجوا في مظاهرات حاشدة مدعومة من القوى الحية في الشارع، فتراجعت الحكومة عن قرارها وسمحت للخريجين بمواصلة مسارهم الدراسي في مؤسسات التعليم العالي.

وفي 12 سبتمبر/أيلول 1980 قام الجيش بعملية انقلاب جديدة، وبهدف إرضاء الشعب سكت الجنرالات عن المؤسسات الدينية.

واصلت مدارس الخطباء نهجها في إعداد الأجيال، فأقبل عليها الناس وحقق طلابها نجاحات باهرة في المسابقات الوطنية وخصوصا في كليات الطب والهندسة.

وفي الفترة الممتدة بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي، اختلف حال تلك المدارس باختلاف الحكومات التي حكمت البلاد، فتارة تتوسع وتزدهر، وتارة تتوقف وتختفي.

وبعد حكومة أربكان 1996 اشتدت الضغوط على الإسلاميين وكل مظاهر التدين وانتهت تلك المضايقات بانقلاب عسكري عام 1997.

أصدر قادة الانقلاب قرارات تستهدف مدارس الأئمة وتصفها بالرجعية، فخرج الناس في مظاهرات كل يوم جمعة خصوصا من مسجد "بايزيد" في إسطنبول.

قادة حزب العدالة والتنمية تُعيّن الخريجين من المدارس الدينية في مواقع مهمة من الدولة

 

أردوغان.. رد الاعتبار

بعد حكم العدالة والتنمية سنة 2002 أطلقت مشاريع تنموية جديدة تنقذ البلاد من التردي الاقتصادي الذي عرفته البلاد عقودا من الزمن بفعل التجاذبات السياسية والانقلابات العسكرية.

كان إصلاح التعليم محورا أساسيا في رؤية الإسلاميين للنهوض بالبلاد، فتبنت تركيا نظاما تعليميا إلزاميا في الرباعيات الثلاثة التي تنتهي بالحصول على الثانوية يهدف إلى نقلة نوعية وفهم للإسلام يبتعد عن الخرافة، ويزرع في قلوب المبتدئين قيم العدالة.

عين قادة حزب العدالة والتنمية الخريجين من المدارس الدينية في مواقع مهمة من الدولة وبدأت إعادة رد الاعتبار.

وفي سنة 2006 تطورت مدارس الأئمة والخطباء ليصبح لها طابع دولي تستقطب في صفوفها 71 جنسية بفعل حسن الأسلوب وجودة التعليم والمناهج.

وفي عام 2010 قال رئيس الوزراء حينها رجب طيب أردوغان إنه فخور بتخرجه من ثانوية مدارس الأئمة والخطباء وسيظل معتزا بذلك ما دام حيا.

وقد تميز النظام التعليمي في عهد العدالة والتنمية بأنه أصبح إلزاميا حتى التخرج من الثانوية، كما أن زيادة البرامج الدينية في المراحل الأساسية كان له دور كبير في خلق جيل يتمسك بهويته الثقافية ومرجعيته الدينية.

ذات صلة