تقارير

"مدمنو باكستان".. الموت القادم من الشمال

 

حسن العدم

طوفان المخدرات يجتاح باكستان كلها دون أن يفرق بين صغير وكبير أو حتى شاب وفتاة، جميع الأصناف متوفرة بكثرة في كل أنحاء البلاد تحت تصرف الجميع، بدءا من الحشيش إلى الهيروين مرورا بالمخدرات الصناعية، والسلطات تقف عاجزة أمام هذا السيل الجارف، وإمكانياتها المتواضعة التي توفرها لمحاربة هذه الآفة الفتاكة لا تقوى على المواجهة، فضلا عن استئصالها.

ترزح باكستان تحت وطأة المخدرات التي تغزوها من الجارة المتاخمة أفغانستان، أما مراكز إعادة التأهيل القليلة والمتواضعة الإمكانات، فإنها لا تقوى على إصلاح ما تفسده هذه النبتة الشيطانية.

في فيلم بعنوان "شباب باكستان يغرقون في بحر المخدرات" ضمن سلسلة عالم الجزيرة، يحاول فريق الفيلم الوقوف على هذا الجانب المظلم من حياة الشباب الباكستاني الذي أرهقه عالم الجريمة والمخدرات، كما يسلط الضوء على الجهود المتواضعة المبذولة لمواجهة هذه الآفة.

 

المخدرات.. ذلك الغول البشع

في كراتشي، عاصمة إقليم السند، وأكبر مدن العالم الإسلامي من حيث عدد السكان، حيث يقطنها أكثر من 20 مليون إنسان، يعيش أكثر من 20% منهم تحت خط الفقر، وتتفشى البطالة بينهم بنسبة كبيرة، ونصفهم تقريبا لم يتلق أي نوع من التعليم؛ في بيئة كهذه تعشش الجريمة والمخدرات، وتسيطر عصابات التهريب ومروجو المخدرات على أحياء بأكملها.

هناك حيث ينتشر المرض والموت والحشرات والقاذورات، ترى العيون الزائغة تدور في محاجرها، تبحث عن اللاشيء، والأجساد الهزيلة التي افترستها الأمراض والحشرات والقوارض، والأطراف المتعبة التي لا تقوى حتى على هش الذباب، هناك عند مصبات الصرف الصحي، وحول أكوام القمامة، وتحت الجسور المهجورة يجلس ملوك المخدرات على عروشهم.

إن توفر المخدرات بكل أصنافها، وانخفاض أسعارها يجعلها في متناول الكبار والصغار، فنصف دولار كفيل بتأمين النشوة طوال ليلة كاملة، ما يجعل وجود حوالي 6 ملايين مدمن في باكستان أمرا طبيعيا، ناهيك عن العائلات المكلومة المدمَّرة التي تفقد أطفالها في نتيجة طبيعية لهذه السموم القاتلة.

في كراتشي، عاصمة إقليم السند، يعيش أكثر من 20% من السكان تحت خط الفقر

 

الأطفال.. وقود نار المخدرات

"محمد شهازاد" طفل لم يتجاوز الرابعة عشر من عمره، وهو يخضع الآن لبرنامج تأهيل تَعقِده إحدى المنظمات الأهلية لانتشال هؤلاء الأطفال والشباب من حمأة التعاطي.

يقول عن نفسه: بدأت تناول الخمر والتدخين وتعاطي المخدرات في التاسعة من عمري.

ويتابع وهو يصطحب مقدمة البرنامج إلى جسر مهجور حيث كان يمارس هذه الموبقات: التعاطي مؤشر على دخول عهد الرجولة ومغادرة الطفولة، ولذلك فنحن نتسابق على إثبات رجولتنا، كنا نسرق أي شيء من أي مكان حتى نؤمن ثمن الجرعة.

يقول الطفل "شاهزاد": بعد أن اكتشفت عائلتي الأمر، أصبح والدي يعاملني بقسوة، كان يضربني ضربا مبرحا، ويحبسني في البيت ويربطني بالحبال، وكان يشتم والدتي ويتهمها بأنها كانت تعطيني النقود لشراء المخدرات، لقد كان بنيان أسرتي مهددا بالانهيار.

ويضيف: بعد أن فشلت كل هذه المحاولات اتصلت العائلة بمركز لإعادة تأهيل الأطفال، وهي من المصحات القليلة جدا في باكستان، وتقدم الخدمات مجانا، على أن يلتزم المدمن الذي يقبل العلاج بالمُكث في المركز طيلة فترة العلاج وهي ثلاثة أشهر.

الطفل "محمد شهازاد" أحد المتعافين من الإدمان

 

مراكز إعادة التأهيل.. واحد من كل مئة مدمن

لقد كان "محمد شاهزاد" محظوظا لقبوله في هذا المركز، فإحصاءات منظمة الصحة العالمية تقول إن واحدا فقط من كل 100 مدمن باكستاني تتاح لهم فرصة الاستشفاء في مثل هذه المراكز.

يعترف شاهزاد بأن الأمر كان صعبا للغاية في البدايات، فقد كان يبكي ويتوسل إلى المشرفين للسماح له بالعودة إلى منزله، وعندما يرفضون كان يشتمهم ويتعارك معهم.

يقول: صرت أفكر كيف أنهم يتركون عائلاتهم من أجلي، فرقَّ قلبي لهم، وصرت أتعاون معهم واعتذرت لهم عن كل ما بدر مني.

يسمح المركز لعائلات الأطفال بزيارتهم والاطمئنان عليهم في عطلة نهاية الأسبوع، وهذا يخلق جوا إيجابيا للأطفال المستهدَفين بالعلاج، ولكن تكون له آثار سيئة على الأطفال الذين ليس لهم أهل، أو لا يحضرون لزيارتهم، فتكون هناك نوبة من الصراخ والشتائم وتكسير مقتنيات المركز بعد كل زيارة، وما يرافق ذلك من إيذاء الأطفال لأنفسهم كنوع من الانتقام.

لكن مشرفي المركز يتمتعون بقدر وافر من سعة الصدر، ويتفهمون ظروف الأطفال وحالتهم النفسية، وهذا يجعلهم يوما بعد يوم أقرب لقلوب الأطفال، ويسهل مهمتهم في تأمين العلاج التأهيلي اللازم للفئة المستهدفة.

هناك 6 ملايين مدمن في باكستان

 

"لقد كنتُ مثلكم يوما ما".. التوعية في مواجهة غول المخدرات

"أفتاب علّام" أحد مشرفي مركز التأهيل، شاب في نهاية العشرينيات من عمره، وقد كان ضحية المخدرات في بدايات مراهقته، ولكنه تعافى منها بعد التحاقه بهذا المركز.

يتحدث "أفتاب" عن تجربته مع هذه السموم القاتلة التي تعرف عليها للمرة الأولى وهو في التاسعة من عمره، وفي سن الخامسة عشرة تمكنت منه حتى صار عبدا لها، وصار يسرق كل شيء في البيت، ويسطو على المحلات والبيوت المجاورة من أجل أن يحصل على جرعته.

كانت تصيبه حالة من التشنجات والصرع والآلام المبرحة إذا لم يأخذ جرعته في الصباح الباكر. وها هو اليوم يصبح أحد أنجح الحالات التي أنتجتها المصحة، ويزاول عمله فيها كمشرف ميداني.

يفتتح "أفتاب" يومه بالتجول على المدمنين في أماكن تشردهم، ويرفع شعار "لقد كنتُ مثلكم يوما ما".

يقول "أفتاب" للمدمنين: لقد جربت كل أنواع المخدرات التي تتعاطونها، وأنا أعرف بالتفصيل ماذا تسبب لأحدكم، ماذا تستفيدون منها، ساعة نشوة وتزول، ثم تصحون على آلام وكوابيس، لماذا نصنع بأنفسنا هكذا؟

حينها يطمئنون إليه ويشعرون بالثقة تجاهه، فيبدأ يشرح لهم عن مراكز إعادة التأهيل، وأنها البوابة الوحيدة للنجاة من براثن هذا الوحش القاتل.

باكستان ترزخ تحت وطأة المخدرات التي تغزوها من الجارة المتاخمة أفغانستان

 

الفساد.. حليف المخدرات الأقوى

يتحدث العميد "محمد أبوزار" من قوة مكافحة المخدرات عن أرقام مهولة لكميات المخدرات التي تعبُر من أفغانستان إلى باكستان عبر الحدود الرخوة بينهما، فهناك ما يقارب 150 طنا من مادة الهيروين وحدها تعبر الحدود سنويا، وتقدر قيمتها بمليارات الدولارات.

يُستهلَك ما يعادل 45 طنا في الباكستان، بينما تجد الكمية الباقية طريقها إلى معظم بلدان العالم، ما يستدعي وقفة حازمة من دول المنطقة، بل ودول العالم جميعها للحد من تدفق هذه المواد المهلكة التي تشكل خطرا، ليس على باكستان وحدها، ولكن على كل دول العالم، وعلى الجنس البشري كافة.

يستعرض العميد "أبوزار" من قوة مكافحة المخدرات إنجازات العام الماضي، فيقول إنهم صادروا أكثر من 250 طنا من مختلف أصناف المخدرات، بلغت قيمتها حوالي 750 مليون دولار، ولكن مع الأسف الشديد فإن أضعاف هذه الكمية قد مرت دون اكتشافها، ويعزو ذلك إلى الإمكانيات المتواضعة لدى رجاله، وإلى قلة عدد القوات التي ترابط على الحدود لاكتشاف العصابات المهربة واعتقال أفرادها.

لا يخفي العميد "أبوزار" استياءه من الفساد الذي ينخر في مرافق الدولة كلها؛ بدءا برجال الجمارك وليس انتهاء بالحكام الإداريين ورجال الأمن وأحزاب السياسة.

يقول الباحث في شؤون المخدرات "محمد طارق خان": كلهم متورطون حتى آذانهم، لا أستثني أحدا، لا يمكن لهذه اللعبة الضخمة أن تمر دون مباركة السلطات على أعلى مستوى.

هناك ما يقارب 150 طنا من مادة الهيروين وحدها تعبر الحدود مع أفغانستان سنويا

 

ضوء خافت في نهاية النفق

وبالعودة إلى الجانب المشرق من هذه المادة الوثائقية، فإن "أفتاب علام" ما زال يحاول مع المدمن "أمجد خان" حتى يقلع عن هذه العادة السيئة ويعود إلى عائلته. لقد استجاب أخيرا، وها هو يصطحبه إلى المنزل، حيث أمه وأخواته في انتظاره بلهفة وشوق كبيرين.

وها هو الطفل "شاهزاد" يعود إلى حضن أمه بعد أن تعافى إلى حد كبير من مرض الإدمان، صحيح أنه يحن أحيانا إلى طفولته الشقية، ولكن سرعان ما عاد إلى حنان أمه وحرص معلمته وحماية "أفتاب" ومركز إعادة التأهيل، فيما بقي ملايين المدمنين الباكستانيين ينتظرون الفكاك من أسر هذا السجن المظلم.