تقارير

مراكش المغرب.. لؤلؤة يوسف بن تاشفين التي تشع حضارة وجمالا

 

خاص-الوثائقية

تعددت أسماؤها، فسميت بالمدينة الحمراء نسبة للون بيوتها، ومدينة الرجال السبعة أي رجال الصوفية، وهي كذلك مدينة النخيل، إنها مدينة السحر والجمال الممزوجين بالعراقة والتفرد، مراكش تلك المدينة الصاخبة التي تزخر بآثارها وجمال بيوتها ورياضاتها وحدائقها وقصورها ومساجدها.

هذا الفيلم -الذي تبثه الجزيرة الوثائقية ضمن سلسلة قلب مدينة- ينقلنا إلى عبق تلك المدينة الضارب في التاريخ، لنتعرف على المدينة وأهلها بعاداتهم وتقاليدهم وحرفهم المتوارثة التي ما زالت حاضرة حتى يومنا هذا.

تعددت أسباب تسميتها بهذا الاسم إلا أن الكاتب عبد العزيز الطاهري يرجح سبب التسمية عائد لسورها ذي الأبواب السبعة الذي بناه مؤسسها يوسف بن تاشفين، بينما تنقل موسوعة الويكيبيديا أن كلمة مراكش أمازيغية، وتعني أرض الله.

كان نهار المدينة قديما مزدحما بأسواقها وحدائقها، ولكن عند المساء يصعد الحراس على أسوارها ويطلقون طلقات، معلنين بذلك غلق الأبواب، ويرابطون فوق السور طوال الليل لحماية المدينة من الغزو ولا تفتح الأبواب إلا مع الشروق.

 

عربات الكوتشي.. وسائل نقل القرون الغابرة

لدى زيارة المدينة تلفت انتباه الضيوف تلك العربة "الكوتشي" التي تقودها الدواب، فإذا أراد الزائر التمتع بأجواء المدينة والتعرف عليها فعليه أن يأخذ جولة في تلك العربات التي تُعد تقليدا وجزءا من مدينة مراكش.

يرافقنا حسن عبد الله وهو سائق إحدى هذه العربات، يتحدث عن مهنته بشغف ويقول إنها مهنة شريفة ومحببة إلى قلبه، ويشير إلى أن الناس في القدم كانوا يركبون هذه العربات للتنقل من مدينة لأخرى.

وعن كيف يقضى يومه، يقول حسن إنه ينهض باكرا مع صلاة الفجر، "يصلي ويتوكل على الله لتبدأ رحلة البحث عن الرزق"، ويعتبر أن الاهتمام بالهندام والتأنق من متطلبات هذه المهنة.

كذلك فإن نظافة العربة تجلب الزوار، أما حسن المعاملة ونشر المرح أثناء توصيل السائح فإنه من العناصر المهمة في هذه المهنة، إضافة إلى المعرفة الجيدة بالمدينة وتاريخها وآثارها.

في ساحة جامع الفنا تُقدم عروض الفرجة كالرقص والحكواتي وترويض الأفاعي والقرود

 

ساحة جامع الفنا.. تراث شفوي للإنسانية

تنقلنا الكاميرا إلى ساحة جامع الفنا التي تعد أحد أهم معالم المدينة الرائعة، وهي ساحة سياحية بامتياز تخضع للنظام، حيث تبدأ المطاعم عملها بعد أذان العصر، وبعد وقت وجيز يصبح المكان جاهزا لاستقبال الزوار.

في الساحة توجد العديد من عروض الفرجة كأهل السير والمداحين ومروّضي الأفاعي والقرود، وهي مهن متوارثة منذ تأسيس المدينة، كان يؤمها الناس من جميع مدن المغرب ومن كافة طبقات المجتمع، وحتى أن المثقفين يحضرون لسماع الحكايات والروايات والموروث الشعبي من أهل السير، وقد اعترفت بها اليونسكو بها كتراث شفوي غير مادي للإنسانية، فاعترفت بالحكواتيين والموسيقيين والبهلوانات.

يقول أحد القصاصين: تقدم الفرجة مقابل كرم الزوار-ما يقدمونه من نقود مكافأة على العرض- وهي ليست تطفلا وإنما هي مهنة عاش عليها الأجداد.

وهناك في الساحة حكواتيون كثر، كل منهم مختص في مجاله منهم أهل السير ومنهم من يسرد غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة، حتى أنهم لا يفوتون الفرصة فيتحدثون عن كيفية الوضوء والصلاة وغيرها من أمر الدين.

وهناك فرج في الساحة غاية في الإثارة كترويض القرود والأفاعي التي تجلب من الصحراء المغربية، ويقوم مروض الأفاعي بتعريف الناس بكل نوع وأصله.

الطنجية.. أكلة مكونة من اللحم تُطهى بالفخار، وأحيانا يضاف لها بعض الخضروات

 

الطنجية.. سيدة الطعام في مراكش

الطعام في المغرب جزء مهم جدا من التراث، والناس في المغرب مدمنون على الطنجية والنزهات، فهم يتقاسمون الأدوار فمنهم من يغني ليطرب، ومنهم من يقوم بإعداد الطعام.

وكانوا في الغالب يعدون هذه الأكلة التراثية يوم الجمعة ويحملونها معهم إلى المنارة أو المتنزهات الطبيعية، وتطهى هذه الأكلة المكونة من اللحم بالفخار، وأحيانا يضاف لها بعض الخضروات، وتتميز الطنجية المراكشية باستخدام الثوم والليمون الحامض المملح والكمون والسمن المضاف إلى اللحم، وقد تكون بمرق أو بدونه.

ومن العادات المرتبطة بهذه الأكلة، أنها تفرغ في صحن أمام المدعوين بطريقة خاصة وسط أجواء من المرح.

وفي عام 1999 افتتحت أول مدرسة للطهي المغربي، حيث يتسنى للزائر تعلم الطبخ المغربي مثل تحضير بعض أطباق السلطة والطجين والكسكس وأنواع التحلية، ليصبحوا بعد ذلك سفراء للطبخ المغربي في بلادهم ويعد الطبخ جزءا من الثقافة المغربية، فلقد تحولت المغرب في السنوات الأخيرة إلى واحدة من أفضل الوجهات السياحية في العالم.

الرياضات هي بيوت تقليدية بفضاء خارجي تتوسطها نافورة مياه تحولت حديثا إلى مطاعم ومتاحف

 

الأمير "فابريسيو روسبولي".. إحياء بيوت مراكش العتيقة

شهدت مراكش العتيقة في بداية التسعينيات من القرن الماضي نهضة سياحية كبيرة، دفعت مجموعة من السياح للعودة إليها والاستقرار فيها وجلب الاستثمارات إليها، وقد اختاروا المدينة القديمة لتكون مستقرا لهم.

تُخفي تلك المدينة وراء جدرانها البسيطة وأزقتها الضيقة وأبوابها المتواضعة شكلا مبهرا من المنازل تثير الإعجاب لدى السائح الأجنبي، وهذا راجع للهندسة الفريدة التي تتمتع بها، وتسمى هذا المنازل بالرياضات (جمع رياض)، وهي بيوت تقليدية بفضاء خارجي تتوسطها نافورة مياه، بالإضافة إلى حديقة كل ما يحيط بها مزخرف بلمسات موريسكية بديعة، وهي لفئة ميسورة من أهل مراكش، وحينما اقتناها الأجانب رمموها وحولوها إلى متاحف، وأخرى إلى مطاعم ودور للضيافة، وقد لقيت إقبالا كبيرا في مراكش.

يقول توفيق غافولي -وهو مدير رياض- إن أول رياض فتح أبوابه سنة ١٩٩٧، وهو استثمار لأحد أمراء أوروبا يدعى الأمير "فابريسيو روسبولي" الذي عشق المغرب.

فعندما زار هذا الأمير مراكش أعجب بطقسها وقرر فتح رياض عائلي يمزج بين الفن والحرفية المغربية وجماليات الصناعة التقليدية المتعلقة بالزليج وخشب الأرز والعوارض الخشبية والصباغة (تادلاكت) والزرابي، فتلك الأشياء تجعل من المنزل العربي المغربي متحفا صغيرا تتيح للسائح اكتشاف أسرار السعادة وفن العيش المغربي.

مسجد الكتيبة، أحد معالم مراكش، بناه يعقوب المنصور الموحدي على الطراز الأندلسي

 

مسجد الكتيبة.. أعظم مآذن عصر الموحدين

من معالم المدينة الشهيرة قصر الباهية الذي يعود للقرن التاسع عشر، وهو قصر لرجل يدعى با أحمد، وإنما سمي بهذا الاسم نسبة لاسم زوجته الباهية، وهناك قصر أخيه سي سعيد الذي تحول إلى متحف.

أما مسجد الكتيبة فقد بناه يعقوب المنصور الموحدي على الطراز الأندلسي زمن الموحدين في عهد الخليفة عبد المؤمن الكومي سنة 1132 ميلادي، وقد استخدمت الأدراج لتوصيل الحجر للأعلى وهو مسجد مدهش يتميز بصومعته العالية. يقول المؤذن أحمد الناميسي إن مساحة المسجد تبلغ ستة آلاف متر مربع، خُصصت خمسة آلاف منها لقاعة الصلاة، وألف لصحن الجامع.

وقد غُرست في المسجد أشجار البرتقال كما هو شأن جامع إشبيلية بالحمراء غرناطة، ويحوي المسجد خمس قباب مستديرة عالية في البلاط الأول، يتوسطها محراب، ويحتوي على ثمانية أبواب على كل جهة أربعة.

وقد بنى الصومعة أبو أيوب المنصور المولود بقرطبة، فتأثر برقّة الأندلس وحضارتها، وفرّ من خشونة الموحدين وتقشفهم، فبنى المساجد والقصور، ومن جملة ما بناه في حاضرة مراكش هذه الصومعة وهي المنارة الأعلى في زمن الموحدين، ويبلغ طول الفسيفساء 67 مترا دون الصومعة التي تتوسطها، والتي تسمى بصومعة الصومعة أو العزري بالعامية، وقد حوت زخارف تزينها كالكتف والدرج والخواتم السليمانية والفصوص "المقربصة" و"المقرصنة".

تجارة الزرابي تلاقي رواجا لدى السواح وأهل مراكش على العموم لأن الدرازين ما يزالون يحيكونها يدويا

 

حرفة الدرّازة.. مهنة الأجداد والأحفاد

تنتشر الحرف اليدوية في مدينة مراكش، فبالإضافة لكونها حرفا متوارثة لأهلها فهي باب رزق للكثيرين منهم، ومن تلك الحرف حرفة الصنّاع أو ما يسمون بالدرّازة، وهم صانعوا الزرابي (البُسط) التي يحيكونها بأيديهم، وتحتاج تلك الحرفة للكثير من الصبر والشغف وإيمان أصحابها البسيط العميق بأنهم ينالون الأجر من الله.

يعتبر محمد زادان -وهو أحد الصناع- تلك الحرفة خاصة بأهل مراكش ويشتغل بها النساء والرجال على حد سواء، وتساعد المرأة زوجها في تلك الصنعة وكذلك الأولاد، فهي باب رزق أتاح للكثيرين الحصول على التعليم العالي من خلالها، ويشتغل فيها ثلاثة أشخاص، وهم المكلف بإرجاع خشبة النسيج والصانع والمكلف بالتدوير، أي أنها تعيل ثلاثة أسر.

لم تتغير تلك الحرفة رغم التطور وبقيت محافظة على عراقتها ولها محبون كثر وسوقها رائج بين الناس، إلا أن الفرق الوحيد أنها أصبحت تشترى عبر وسيط أو بائع وليس من الصانع مباشرة كما في السابق.

الصناعة التقليدية عنصر قوي فالأغلبية من الناس في السوق المراكشي يكسبون قوتهم من صناعات تقليدية خاصة تحويها مدينتهم السياحية مثل الفخار والسيراميك والجلود والزرابي والنحاس والحقائب المصنوعة من جريد النخل.

ماشطي عبد اللطيف صانع ورث مهنته في صناعة النحاس عن أجداده وطورها بمعية أصدقائه وعائلته كي تستمر، وهذه هي جماليات مراكش بموروثاتها المتجددة والباقية من نقوش إبداعها التي لا يمل النظر إلى تفاصيلها.

فن الملحون الشعري الإنشادي تقليد يقام في حفلات الأعراس والعقيقة

 

فن الملحون.. إرث مراكش الغنائي

يشتهر في مراكش فن الملحون الذي يعتبر فنا شعريا وإنشاديا وغنائيا متميزا في المغرب، وقد نشأ في منطقة تافيلالت شرقي المغرب، وانتقل إلى مراكش، وكان قدومه إلى مراكش عبر أهم شعرائها الذين استوطنوا المدينة وهم متعددون، وتتلون مواضيعه بألوان التوسلات الإلهية والمدائح النبوية والربيعيات والعشق والهجاء والرثاء.

وقد غدا المراكشيون الجمهور الذي يجري الملحون على ألسنتهم، أما الصناع التقليديون تحديدا، فقد أصبح الملحون عنصر أنسهم الذي يستمتعون به ويرددونه في حفلات الأعراس والعقيقة.

هذه هي مراكش، إرث حضاري كبير ومدينة حافلة بما حوت في أرجائها، باذخة بتراثها وثقافتها تفوح من جنباتها رائحة ماض عريق، حل بها تاركا أثره العمي

ذات صلة