تقارير

"مستعمرات فضائية".. معادن الكواكب تحفز الإنسان على غزو الفضاء

 

مراد بابعا

لم يتوقف العقل البشري يوما عن التفكير في وجود بدائل للعيش بعيدا خارج كوكب الأرض، وألهم هذا الأمر مخيلة كاتبي القصص والروايات وأفلام الخيال العلمي، فأطلقوا العنان لأفكارهم لتسرح بعيدا بين الكواكب والمجرات، وتفننوا في كتابة سيناريوهات لاندلاع الحروب في النجوم البعيدة، وقيام الحضارات في منشآت تسبح في الفضاء.

وبدأت هذه الفكرة بإقامة مستعمرات فضائية تخرج في السنوات الأخيرة من بوتقة الخيال التي حشرتها فيها الأفلام السينمائية، إلى رحاب العلم والأبحاث الفضائية الجدية التي تقودها مؤسسات حكومية كبرى في أبحاث الفضاء، مثل وكالة "ناسا" ووكالة الفضاء الأوروبية.

ويجد هذا الاهتمام المتزايد بالمستعمرات الفضائية تفسيره في الصعوبات التي تواجهها الطبيعة في الصمود أمام تدهور المناخ وارتفاع درجات الحرارة التي يحذر علماء من أنها ستحول الأرض تدريجيا إلى كوكب تستحيل فوقه الحياة.

الفيلم الوثائقي "مستعمرات فضائية"

 

ونجد هذه الفكرة حاضرة في الفيلم الوثائقي "مستعمرات فضائية" الذي عرضته الجزيرة الوثائقية، وتطرق إلى فرص البشرية في إيجاد بدائل لكوكبنا الأزرق، يمكن أن تكون على شكل مستعمرات فضائية مدارية أو على كوكب آخر مثل القمر أو المريخ، وإنشاء منازل جديدة في مستعمرات الفضاء البديلة والبعيدة.

فإلى أين وصلت الأبحاث الجارية لبناء مستعمرات خارج كوكب الأرض؟ وما هي التحديات التي تقف أمام هذا الطموح؟ وهل يمكن للتطور التكنولوجي أن يجعل مستحيل الحاضر ممكنا في المستقبل؟

محطة الفضائية الدولية.. نجاح يلهم الحالمين بالعيش خارج الأرض

جسدت محطة الفضاء الدولية نسبيا حلم الإنسان بالعيش خارج الأرض، فهي تعتبر أعظم منشأة أقامتها البشرية خارج الغلاف الجوي، وتساهم فيها جميع وكالات الفضاء العالمية، من "ناسا" إلى وكالة الفضاء الأوروبية، مرورا بوكالة الفضاء الروسية وحتى اليابانية والكندية. وبلغت تكلفة بناء هذه المحطة حتى اليوم 300 مليار دولار، وشكل الهدف الرئيسي منها هو إجراء التجارب والأبحاث، ومراقبة الفضاء الخارجية والتحولات التي تطرأ عليه.

محطة الفضاء الدولية على ارتفاع 400 كيلومتر فيها ست غرف وحمامان ويرتادها على الأكثر ست رواد فضاء

 

تستقبل هذه المحطة البحثية على الدوام 6 رواد فضاء، ويمكثون فيها 3 إلى 6 أشهر، وهي تشكل نموذجا لإمكانية تحقيق حلم العيش خارج الأرض، خصوصا أن المحطة توفر منذ إنشائها سنة 1998 مساحة عيش تعادل منزلا مكونا من 6 غرف وحمامين، وقاعة للألعاب الرياضية. وقد استطاع رواد الفضاء الذين تناوبوا عليها تحقيق إنجازات غير مسبوقة، وصلت إلى حد زراعة الفلفل الأخضر وإنضاجه في الفضاء. ومنذ 2015 نجح رواد الفضاء في زراعة نحو عشرة أصناف نباتية مختلفة في المحطة الفضائية، وقاموا باختبار مذاقها بأنفسهم.

الإشكالية الكبرى حاليا في هذه المحطة الدولية وسابقتها تكمن في قدرتها على الصمود أمام الظروف الصعبة في الفضاء الخارجي، إذ أنها تدور على ارتفاع 400 كيلومتر فوق سطح الأرض، وتكمل دورة واحدة حول الأرض كل 90 دقيقة، أي بمعدل 16 دورة يوميا. بالإضافة إلى تكلفة تشغيلها العالية التي تبلغ سنويا نحو 10 مليارات دولار، وهو ما كان سيؤدي إلى إنهاء العمل بها سنة 2020، قبل الاتفاق بين الدول الممولة على إبقائها في الخدمة مبدئيا حتى العام 2024.

تعقيدات الفضاء.. صعوبات قد تنسف الحلم

لا شك أن تجربة محطة الفضاء الدولية فتحت الباب على مصراعيه أمام تطوير تجربة المحطات المدارية التي تحوم حول كوكب الأرض، وهو ما يمكن أن يشكل بديلا في ظل صعوبة إقامة مستعمرات فضائية فوق سطح القمر أو المريخ أو كوكب آخر.

لكن تطوير مثل هذه المحطات لتصبح مكانا صالحا لعيش الإنسان ليس بالبساطة التي يمكن تخيلها، ففي الفضاء الخارجي يكون الإنسان في حالة فراغ في غياب الأوكسجين والضغط، وعرضة بشكل مباشر للأشعة الشمسية الضارة والإشعاعات الكونية الأخرى التي يقينا منها الغلاف الجوي، وعليه فإن أي مستعمرة فضائية تلزمها طبقة حماية قد يصل سمكها إلى عدة أمتار للحد من دخول هذه الإشعاعات.

لطالما فكر الإنسان باستيطان المريخ، لكن البيئة هناك قاسية بسبب نقص الماء والهواء والتدفئة

 

ينضاف إلى ذلك مشكلة انعدام الجاذبية أو تدنّيها بشكل كبير، وهو ما يسبب مشاكل صحية تؤثر على الدورة الدموية وارتفاع الضغط وتدفق الدماء بشكل أكبر نحو الرأس، بالإضافة إلى هشاشة في العظام ومشاكل واضطرابات في البصر نتيجة ارتخاء عضلة العين. وقد ظهر مثل هذه الأعراض على عدد من رواد الفضاء الذين قضوا مدة طويلة في المحطة الدولية، وتسببت لبعضهم في مشاكل صحية، ويقول خبراء إن تأثير الجاذبية يزداد كلما طالت مدة المكوث في الفضاء.

ويحاول العلماء التغلب على هذه الإشكالية باقتراح خلق جاذبية مصطنعة، بواسطة تقنية الدوران، من خلال لف المستعمرة على نفسها باستمرار، بهدف الحصول على قوة طرد مركزي تطبّق على الأجسام الواقعة داخلها.

"برسيفرنس".. روبوت يصنع أنفاس الكوكب الأحمر

تبقى المحطات العائمة في الفضاء مشروعا محدودا لاستعمار الفضاء، وتعتبر الكواكب الخيار الأفضل لتأسيس قواعد يسكنها البشر، لأنها أولا توفر نوعا من الجاذبية، ويمكنها البحث والتنقيب عن معادن وصخور، كما يمكن استغلالها للحصول على الماء والأوكسجين.

ولأن الماء والأوكسجين يشكلان أساس حياة الإنسان، فإن رواد الفضاء عندما يغادرون الكوكب صوب محطة الفضاء الدولية مثلا، فإنهم يحملون معهم كميات كافية من الماء والأوكسجين، بقدر ما يضمن بقاءهم على قيد الحياة لفترة من الزمن، ويعقد هذا الأمر أي عملية استيطان خارج الكوكب، ويحد من فكرة توسيع المستوطنات البشرية في الفضاء.

جهاز فضائي يحول ثاني أكسيد الكربون إلى أكسجين صالح للتنفس

 

ويبدو أن هذا الإشكال في طريقه إلى الحل، بعد أن حقق الروبوت "برسيفرنس" (Perseverance) -الذي أرسلته وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) إلى سطح المريخ- إنجازا جديدا وغير مسبوق في كوكب غير الأرض، إذ نجح في تحويل ثاني أوكسيد الكربون الموجود في الغلاف الجوي للكوكب الأحمر، إلى أوكسجين نقي يمكن استنشاقه، بفضل جهاز تجريبي صغير استطاع إنتاج نحو 5 غرامات من الأوكسجين، أي ما يكفي لتنفس رائد فضاء لمدة 10 دقائق تقريبا.

وتفتح هذه التقنية الباب أمام مصراعيه أمام تطوير الأبحاث من أجل إرسال رواد فضاء إلى المريخ، دون الحاجة لحمل كميات كبيرة من الأوكسجين الذي يحتاجه الرواد للتنفس ودفع الصاروخ في رحلة العودة إلى الأرض، وهو ما كان يشكل عبئا كبيرا قدرته "ناسا" بحوالي 25 طنا متريا من الأوكسجين من أجل هبوط 4 رواد فضاء على سطح المريخ.

معادن الكواكب.. كنوز الثروة التائهة في السماء

ما زالت فكرة تشييد مستعمرة بأحد الكويكبات أمرا معقدا جدا في الوقت الراهن، لكن استغلال الموارد التي توفرها هذه الكواكب -وعلى رأسها المعادن- يبقى أمرا أقل تعقيدا بكثير، وهناك شركات قد بدأت الاستثمار في التعدين على الكويكبات القريبة من الأرض، مثل الشركة الأمريكية "بلانيتري ريسورسيز" (Planetary Resources) التي أنشئت عام 2009، و"ديب سبيس إندستريز" (Deep Space Industries) التي تطمح إلى استخراج معادن من الكواكب بحلول عام 2025. خصوصا أن القانون الأمريكي يبيح للشركات الأمريكية امتلاك ما قد يعثرون عليه خلال أنشطة التنقيب في الفضاء بما في ذلك القمر.

"ديب سبيس إندستريز" (DSI) واحدة من شركات التعدين الفضائي الكبرى التي ستشرع في تعدين الكويكبات

 

ويعتقد بحسب بعض الدراسات أن نحو 13 ألف كوكب صغير تمر بالقرب من الأرض كل عام، يمكن أن توفر ثروات غير مسبوقة للحضارة الإنسانية، بما في ذلك الذهب والبلاتين والنيكل والحديد. وتقدر وكالة "ناسا" الأمريكية نصيب الفرد الواحد من هذه الثروة الفضائية المعدنية الثمينة بـ100 مليار دولار بعد توزيعها على جميع سكان الأرض.

كما كشف باحثون عن ظواهر شائعة في المجموعة الشمسية تؤدي إلى تكون معادن ثمينة، كتفاعل الكربون مع الحرارة والضغط والغازات، وهو ما تنتج عنه الأمطار الماسية التي تحدث في كوكبي نبتون وأورانوس، ورجحت دراسات أن تحدث أيضا هذه الظاهرة في كوكب المشتري.

"سايكي 16".. سباق استغلال المعادن الكوكبية بين الدول

سيشكل استغلال المعادن الكوكبية إنجازا حقيقيا قد يكون بديلا مؤقتا عن استعمار الفضاء، بالنظر إلى التعقيدات الكبيرة والكلفة الضخمة للعملية مقارنة باستغلال موارد الكواكب، فعمليات التعدين لن تتطلب المكوث كثيرا في الفضاء، إذ يكفي –من الناحية النظرية- الوصول إلى الكويكبات من قبل فرق مختصة محملة بالآلات لاستخراج المعادن الثمينة والعودة بها إلى الأرض أو إلى مستودع مركزي فضائي في مكان ما بين القمر والأرض.

وتستعد وكالة "ناسا" لإرسال أولى مركبات التعدين إلى كويكب "سايكي 16" في صيف عام 2022، لتصل إليه بعد 4 سنوات، وترى الوكالة أن هذا الكوكب الموجود بين مداري المريخ والمشتري غني بالمعادن النفيسة والصناعية.

التعدين الفضائي خطة اقتصادية مستقبلية بين الشركات الكبرى والحكومات في مشروع سيدرّ مئات المليارات على اقتصاد تلك الدول

 

وأظهرت أيضا الشركات الفضائية الممولة من القطاع الخاص اهتماما غير مسبوق بمجال التعدين الفضائي، كما تقوم هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بعملية تقييم دائم للموارد الفضائية من أجل التعدين المستقبلي. ويعتبر علماء الفيزياء الفلكية أن القيمة السوقية لكوكب يستحق التعدين لا يمكن أن تقل عن مليار دولار.

وقد أظهرت مملكة لوكسمبورغ الصغيرة الحجم -الواقعة في أوروبا بين فرنسا وبلجيكا وألمانيا- طموحات كبيرة في هذا الاتجاه، إذ أصبحت منذ سنة 2017 قبلة للشركات العالمية المهتمة بهذا القطاع بفضل قوانينها المشجعة. وتتوقع وكالة الفضاء في لوكسمبورغ أن يدر استثمار موارد الفضاء رقم معاملات يتراوح ما بين 73 مليار و170 مليار يورو مع حلول عام 2045، ولن يتضمن التعدين فحسب، بل أيضا رحلات مأهولة إلى القمر ورحلات إلى المريخ وإطلاق السياحة الفضائية.

سياحة الفضاء.. واقع الأثرياء ومستقبل البشرية القادم

راود حلم السفر إلى الفضاء الإنسان منذ الأزل، لكن هذا الحلم أصبح في صيف سنة 2021، حقيقة لأناس عاديين ولكنهم أثرياء، بعد أن كانت جميع الرحلات في السابق مقتصرة على رواد الفضاء، أو تشرف عليها وكالات حكومية، مثل وكالة الفضاء الروسية التي تلقت مبالغ مالية من سبعة أثرياء في بداية القرن الحالي من أجل زيارة الفضاء الخارجي، لكن هذه المغامرة توقفت عام 2009.

الملياردير الأمريكي "جيف بيزوس" صاحب شركة "بلو أوريجين"

 

وفي سنة 2021، شهد العالم ثلاث رحلات سياحية نحو الفضاء في ظرف ثلاثة أشهر فقط بين يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول، وقد نظمتها ثلاث شركات أمريكية هي "فيرجين غالاكتيك" (Virgin Galactic)، و"بلو أوريجين" (Blue Origin) و"سبيس إكس" (SpaceX).

انطلقت الرحلة السياحية الأولى شهر يوليو/ تموز 2021، حاملة "ريتشارد برانسون" كأول سائح وصل إلى الفضاء الخارجي على متن طائرة أسرع من الصوت، وكان هذا الملياردير البريطاني قد أسس شركته "فيرجن غالاكتيك" في الولايات المتحدة عام 2004، وكان يظن أن بإمكانه بدء خدمة تجارية بحلول عام 2007، لكن عقبات تقنية أخرت المشروع، وخصوصا بعد حادث تحطم قاتل خلال رحلة تطوير وقع عام 2014.

وبعد رحلة "برانسون"، جاء الدور على "بلو أوريجين" المملوكة للملياردير الأمريكي "جيف بيزوس" لإطلاق رحلتها السياحية الأولى في الفضاء على متن مركبتها "نيو شيبرد" المصممة لحمل ستة ركاب إلى ارتفاع أكثر من 100 كيلومتر فوق سطح الأرض. وتميزت الرحلة الأولى لـ" بلو أوريجين" بدفع أحد الأثرياء مبلغ 28 مليون دولار، لقاء تذكرة المشاركة في هذه الرحلة السياحية الفضائية إلى جانب "جيف بيزوس" وأخيه "مارك".

رحلة "انسبيريشن 4" التي استقلها الملياردير الأمريكي "جاريد أيزاكمان" بصحبة ثلاثة من رفاقه على متن مركبة "دراغون"

 

وتميزت الرحلة الثالثة التي قامت بها شركة "سبيس إكس" التابعة لرجل الأعمال "إيلون ماسك"، بإرسال أربعة سياح، كأول رحلة في تاريخ البشرية تحمل طاقما مدنيا كاملا إلى مدار الأرض، واستطاعت مركبة "دراغون" الوصول إلى ارتفاع 575 كيلومترا، أي أعلى بحوالي 150 كيلومترا من محطة الفضاء الدولية. ودفع تكاليف هذه الرحلة التي سميت "انسبيريشن 4" رجل الأعمال والملياردير الأمريكي، "جاريد أيزاكمان" الذي سافر بصحبة ثلاثة من رفاقه.

وأجمع المسافرون في هذه الرحلات السياحية، على بعث رسائل بكون غزو الفضاء وإقامة مستعمرات بشرية هو أمر قادم يوما ما، يمكن أن يتأخر 50 أو 100 عام، لكنه قد يصبح واقعا.

ولا شك أن التغيرات المناخية، وتراجع موارد الأرض التي أصبحت تضيق بساكنيها، يشكل حافزا إضافيا للتسريع بالأبحاث وزيادة الإنفاق على دراسة الكواكب، لعل أحدها يصبح يوما متنفسا أو ملجأ للبشرية.

ذات صلة