تقارير

"مسرح اللاجئات".. حين يصير الجرح فرحا

 

حسن العدم

أن تكوني في عداد الناجين من الحروب وويلاتها، فهذا يعني أنكِ بخير، رغم آلاف الجراح، ورغم النُدَب التي لا تزول، فأنتِ ما زلتِ على قيد الحياة.

ولكنني أسير على قدمَيّ دون أن أتقدم للأمام، وأجلس بينهم وهم لا يحسون بوجودي، وأتكلم ولكنني لا أسمع صوتي، يبدو أنني ميتة دون أن أدري.

المسي وجهكِ، أحبي جِيدك، امسحي سائر أنحاء جسدك، إنك تغتسلين، وتتطهرين، هذا سينعشك، سيجعلك تشعرين بالحياة، فقطرات الماء التي تتساقط على جسدك سوف تأخذ معها أقذار السنين، ها أنتِ تعودين طاهرة من جديد.

نعم، ها أنا تحملني قدماي إلى الغد المشرق، إنني أتحدث فتنبعث الموسيقى من بين شفتيَّ، إنهم يتمايلون طرباً، يرقصون على أنغامي، لقد عدتُ إلى الحياة من جديد.

تحكي قصة فيلم "مسرح اللاجئات" عن أربع فتيات من أفريقيا شردتهن الحروب وويلات الفقر والجهل، ولجأن إلى أستراليا، كل واحدة منهن تحمل في قلبها مأساة لا تُمحى وجرحاً لا يلتئم، أو هكذا كانت تعتقد.

التقت بهنَّ روز هورين المخرجة المسرحية، وكان في خيالها أن تصنع من معاناة هؤلاء النساء نجاحاً ليس له نظير، وصرحاً من الأمل تتحطم عند قاعدته كل أمواج اليأس والقنوط المتلاطمة.

 

فريق العمل

يحسن في البداية أن نقدم لكم فريق العمل الرائع الذي أتحفنا على مدى أسابيع في تقديم عملٍ مسرحيٍ باهر مميز، استطاع من خلاله خلْق مفهوم مغاير للفنون، وللمسرح على وجه الخصوص:

روز هورين مخرجة مسرح.
لوسيا ماسترانتون، مخرجة حركة.
أميناتا من سيراليون، جاءت إلى أستراليا عام 2000، تعمل الآن في محل ألبسة.
روزميري جاءت من كينيا عام 1999، تعمل الآن ضابطة في الشرطة الأسترالية.
يوردي جاءت من أريتريا عام 2000، وهي أم عازبة لأربعة أطفال.
ياري جاءت من سيراليون عام 2004، وهي تواصل دراستها في أستراليا الآن.
منظمة "ستارتس/مركز تأهيل اللاجئين"، للدعم وللحصول على المشورة.
أدريانا سيفيرتوفا، مستشارة نفسية في ستارتس.
جاسمينا باغراكاتريفيك، منسقة خدمة مجتمع في ستارتس.

كما وتنضم بعض الممثلات المحترفات لمساعدة اللاجئات (آيشا كايتا، راقصة ومغنية).

التقت بهنَّ روز هورين المخرجة المسرحية، وكان في خيالها أن تصنع من معاناة هؤلاء النساء نجاحاً ليس له نظير

 

ورشة.. قصص اللاجئات

كانت "روز" تتواصل مع منظمة "ستارتس/مركز تأهيل اللاجئين" للحصول على المشورة بشأن تقديم عمل مسرحي يحكي قصص هؤلاء المعذبات، وفيما إذا كان هناك نساء أخريات في المركز عندهن معاناة مشابهة.

أثمرت مجهوداتها، وها هي الآن في مارس/آذار 2011 تنجح في عقد ورشة العمل النسائية الأولى، وجميع المشارِكات يبدأن في سرد قصصهن.

لم يكن سهلاً أن تتحدث فتاة عن حوادث الاغتصاب المتكررة التي حدثت لها، إنه أمرٌ مفزع، نوبات البكاء المتكرر وفترات الصمت الذاهل أجبرت روز على التوقف، على أمل أن يستأنفن العمل في الأسبوع التالي.

لم يكن سهلاً أن تتحدث فتاة عن حوادث الاغتصاب المتكررة التي حدثت لها

 

قصة يوردي.. فرار من الحرب والاغتصاب

أجهل كثيرا من التفاصيل المتعلقة بحياتي، لا أعرف كيف أتيت إلى هنا، بل إنني لا أعرف كم عمري على وجه التحديد، أذكر أنهم قالوا لي إن أمي قتلت، قتلها أبي، كان ذلك منذ زمن، كان عمري حينها ثلاث سنوات، ثم أخذ معه أخويَّ وتركني وحيدة في الشارع، لقد تربيت في الشارع، كنت أدرك منذ ذلك الوقت أن ليس لي عائلة تحميني ولا أحد أستند إليه.

أذكر أن أحد الرجال أخذني إلى بيته، كان يفعل معي أشياء غريبة، كان يلعب بي، هربت منه كي أحمي نفسي، كنت أهرب من مكان إلى آخر خشية على نفسي، إلى أن وجدت نفسي في المكان الخطأ في توقيت خاطئ؛ الجنود يحيطون بآلاف الأطفال من كل جانب، ويأمرونهم بالاصطفاف، أخذوني معهم ثم اقتادونا إلى معسكرات الجيش، كانت حرب الاستقلال الإريترية على أشدها، ولكنني لم أفهم وقتها لماذا أنا هناك، كان الجنود يتناوبون على اغتصابنا أنا وبعض الفتيات، لم أكن أبكِ، كان فقط جسدي مخدراً، لم أعد أحس بشيء، كنت أحاول الهرب بين الفينة والأخرى ولكن دون جدوى.

كان عمري حوالي 14 عاما حين حملت وأنجبت طفلة، ولكنني لم أرها، هربت بعيدا لأنجو بحياتي، لقد عبرت الصحراء الكبرى في ستة أسابيع، وأخيراً نجحت في اجتياز الحدود، لقد بقيت في صفوف الجيش الإريتري لمدة عشر سنوات، وها أنا ذا هنا لأبدأ حياتي من جديد.

يوردي إحدى أبطال المسرحية والفيلم

 

قصة أميناتا.. في أيدي المتمردين

أترون ذلك المنزل الكبير ذا اللون الأصفر؟ إنه هناك على تلك التلة المرتفعة، هذا هو بيتي، أنا وإخوتي نسكن مع أبينا في ذلك القصر الفسيح، إنه أكبر بيت في فريتاون، أمي لم تكن هناك، لقد انفصلت عن أبي منذ كان عمري سنتين، ولكن أبي كان لنا بمثابة الأب والأم، كان يعتني بنا ويرعانا، كان صارما جدا في عدم خروجنا من البيت وحدنا، ولذلك استأجر لنا سائقاً يوصلنا إلى المدرسة ويعيدنا إلى البيت بعد انتهاء اليوم الدراسي.

لكن يوم السادس من يناير/كانون الثاني 1999 حمل معه ما غيّر مجرى حياتي إلى الأبد، لقد اقتحم المتمردون فريتاون، كان عمري حينها 17 عاماً، كنت أنا الفتاة الوحيدة التي اقتادوها معهم، اغتصبني دارومي، لا زلت أتذكره، كأنني أراه الآن أمامي، لا تزال رائحته النتنة تزكم أنفي، كان المتمردون لا يغتسلون إلا نادراً، كان فرحاً ويشعر بلذة عارمة إذ عرف أنني لم أقدم جسدي لرجل من قبله، ثم نادى على بضعة من الرجال تناوبوا على اغتصابي، غير أنني لم أشعر بهم، لقد كنت فاقدةً للوعي.

هربت بعيدا، ورميت بنفسي بين يدي كولود، لقد كان أقوى من دارومي، ظننت أنه سيحميني، ولكنه كان مجرما وقاسيا وشريرا، كان القتل عنده مجرد لعبة، اغتصبني هو الآخر دون رحمة، أصبحت أكره نفسي، لماذا الحياة قاسية هكذا؟ أمي لم تخبرني بذلك.

لاحقاً، ارتبطت أميناتا بأنتوني، وشاركته قصتها بالتفصيل، ليقرر بعدها أن يبقى معها، وها هي الآن تتلقى التهاني والتبريكات من صديقاتها بمناسبة حملها.

أميناتا من سيراليون، جاءت إلى أستراليا عام 2000، وتعمل الآن في محل ألبسة

 

عرض تمهيدي.. في مواجهة الذات

مضى على ورشة العمل هذه أكثر من ستة أشهر، وأصبحت الفتيات أكثر انطلاقا وإشراقا، أصبحن كالشقيقات، فالمعاناة واحدة والقصص كلها متشابهة، صرن يتشوقن إلى يوم الخميس، موعد الاجتماع الأسبوعي للفريق.

والآن، وبعد سنة على تجمع فريق النساء، دعت المخرجة روز بعض أصدقائها من الوسط الفني، وبعض المهتمين بالشأن الإنساني لحضور عرض تجريبي لمسرح اللاجئات، ولكن اعترضتها بعض العقبات، إذ إن يوردي تريد الانسحاب، تقول إنها ليست ممثلة، وإنها تواجه صعوبة في أن تطرح قصص معاناتها المختلفة على الملأ، ولكن بعد حين تمكنت روز -وبمساعدة منظمة "ستارتس"- من إقناعها بالاستمرار مع الفريق.

روزميري جاءت من كينيا عام 1999، تعمل الآن ضابطة في الشرطة الأسترالية

 

قصة ياري.. جسد جريح بدأ يتعافى

في عام 2004 وصلتُ إلى مطار سيدني، وقتها اعتقدت أنني قد انتقلت إلى الجنة، كنت أقول للحزن وداعاً، طويت صفحات مأساتي سريعاً، لا أريد أن أتذكر أي شيء من الماضي.

لكنني كنت أستيقظ أثناء الليل وأنا أصرخ: براءتي، أعطوني براءتي، أيها المجرمون، يا لكم من أشرارٍ لا تعرفون الرحمة، كنت أبكي كثيراً، ولكنني في الصباح حين أغسل جسدي كنت أحس بالانطلاق والحرية، كنت أكسر بالماء قيود الكابوس الذي كان يخيفني بالليل.

أحب عنقي، أحب جسدي، لقد كان جريحاً ولكنه الآن يتعافى، لن تزول آثار الجراح ولكنني أخطو إلى الأمام فوقها، وأتناساها".

جزء من ورشة عمل المسرحية

 

قصة روزميري.. قاصر حامل

جرحي موجود لا يختفي، ولكنه لا يؤثر علي، أنا أعمل في هذا المسرح لأتظاهر، أريد أن أقول للناس: هنالك في مكان ما من هذا العالم امرأة تعاني الآن مثل ما عانيت سابقاً، أدركوها، أنقذوها، حتى لا تحمل جرحاً يبقى معها طول حياتها، مثلي.

كنت في الرابعة من العمر حين انتقلنا إلى المزرعة، كان عددنا كبيراً، كبيراً جداً، أبي وزوجتاه وأنا وإخوتي وبعض أقاربي، كنا بحدود الأربعين أو الخمسين فرداً في مكان واحد، لم يكن أحد يوجهنا إلى الصواب أو يحذرنا من الخطأ، كان أبوانا مشغولين عنا طول الوقت، لم أكن أعلم وقتها ما معنى العلاقة الجنسية، ولم يكن أحد يحمينا من الأولاد الكبار حين يتحرشون بنا.

كنا نحن البنات نعلم أن هناك خطأ ما يحدث، ولكننا كنا نخاف أن نخبر أهلنا، حملت وأنا صغيرة ولم أكن أعلم بذلك، ولولا أن إحدى قريباتي أشارت إلى بطني وقالت إنك حامل لما عرفت، بعدها طردني أهلي وتبرؤوا مني.

ربما يكون التحدي الأكبر لهؤلاء النساء هو أن أبناءهن سيعرفون للمرة الأولى قصص أمهاتهم

 

عروض احترافية.. قفز فوق الجراح

في يونيو/حزيران من العام 2012، نجحت روز في الحصول على عروض من مسرحين منفصلين في سيدني، الأول من مسرح بيلفوار، والثاني من ريفرسايد. سيكون العرض الأول في مايو/أيار من العام القادم، النساء يقمن بعمل جبار، ولكنهن لا يخفين بعض الألم عند قراءة النصوص، إنهن يعشن الأحداث المؤلمة في كل مرة يقرأن فيها النص، كيفية التحكم بالمشاعر هي التحدي الأكبر الذي يواجه الفتيات، تقوم أدريانا بما يلزم من التحفيز وإسداء النصح والمشورة لكل فتاة على حدة، وللفريق بشكل عام.

نحن الآن في أبريل/نيسان 2013، موعد العرض الأول يقترب بسرعة، وخلال فترة سنتين من العمل الجاد أنجبت أميناتا طفلين، إنها سعيدة حقاً ولكن تبدو عليها مظاهر الإرهاق والتعب.

تقوم المخرجة روز بعمل خارق حقاً، تتعامل مع الجميع كأم لهن، أو كأخت كبرى، إنها تستخرج طاقاتهن الكامنة باحتراف، من يصدق أن هؤلاء النساء المكلومات يقفن الآن بكل جرأة وشجاعة على خشبة المسرح وأمام الجماهير الغفيرة من الناس ليحكين مأساتهن ويحذرن من أن آلاف النساء الآن يعانين في أمكنة متعددة من العالم.

ربما يكون التحدي الأكبر لهؤلاء النساء هو أن أبناءهن سيعرفون للمرة الأولى قصص أمهاتهم، إنه لأمر مخزٍ حقاً، "ماذا يقول عني أبنائي" تقول يوردي، تحاول روز أن تخفف عنها، ولكنها هي أيضا لا تسطيع أن تخفي بعض التوتر، المسرح ممتلئ، والحاكم العام لأستراليا السيدة كوينتن برايس في مقدمة الحاضرين.

سيداتي سادتي، أقدم لكم الآن يوردي، ياري، أميناتا وروزميري.. بهذه الكلمات بدأ الحفل، وتظهر الممثلات الحقيقيات بأزيائهن الأفريقية التقليدية الزاهية، ويقمن بأداء بعض الرقصات الفلكلورية، ووسط تصفيق الحضور وصيحات الإعجاب تواصل هؤلاء النسوة سرد قصصهن، إنهن يتفوقن على أنفسهن ويتعالين على الجراح، أستطيع أن أرى دموع الحزن والفخر في عيون أبنائهن بين الجمهور، ولكنهن يواصلن السير.

ينتهي العرض الأول بنجاح منقطع النظير، الأولاد يعانقون أمهاتهم وهم يثنون على شجاعتهن في مواجهة الظلم. تحدثت السيدة "برايس" الحاكم العام عن الفنون والمسرح بشكل خاص، وكيف أنها أدوات قوية لحقوق الإنسان التي بواسطتها يستطيع أن يوصل رسالته إلى فئة كبيرة من المجتمع.

بعد النجاح الباهر في بيلفوار تلقى الفريق دعوة لتقديم المسرحية في مركز ساوث بانك في لندن

 

إلى مسرح بيلفوار

تتواصل العروض في ريفرسايد لستة أسابيع متتالية، وتمتلئ المقاعد عن آخرها بالحضور، وعندما يجيء أغسطس/آب 2013 يكون الفريق قد انتقل إلى مسرح بيلفوار ليقدم عروضه على مدى خمسة أسابيع متواصلة.

وحدها يوردي كانت متوترة وأصابتها وعكة نفسية أبعدتها عن العروض بضعة أيام، ولكنها عادت برفقة مستشارتها النفسية، لتفاجئ الجميع بعودتها بعد أن تلقت جرعات من الثقة بالنفس كانت تحتاجها.

العروض تواصلت في ريفرسايد لستة أسابيع متتالية

مركز ساوث بانك.. قصة نجاح

وبعد النجاح الباهر في بيلفوار يتلقى الفريق دعوة لتقديم المسرحية في مركز ساوث بانك في لندن، ثم في السنة القادمة على مسرح دار الأوبرا الرئيسية في سيدني.

ترددت يوردي كثيراً قبل أن توافق على مرافقة الفريق إلى لندن، بذل أبناؤها جهدا خارقا في تشجيعها وإقناعها بالذهاب، كان سماعها لقصص رفيقاتها الثلاث الأخريات دافعاً محفزاً أيضاً، فقررت الاستمرار.

تعكف يوردي الآن على تأليف كتاب عن حياتها، وتواصل دراستها، ودعمها ورعايتها لأبنائها الأربعة.

أما أميناتا فقد أسست دارا لرعاية الأمهات وأبنائهن في سيراليون، وأصبحت سفيرة أستراليا لدى مفوضية دعم اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، وتواصل روزميري عملها ضابطة الروابط المجتمعية لدى الشرطة الأسترالية.

وكانت ياري تواصل حياتها ونجاحاتها في إنقاذ براءتها التي طالما أحست أنها كانت مهدرة على أيدي شرذمة من الأشرار.

ذات صلة

"هذا بيتُنا".. قصة لاجئ سوري في أمريكا
نقد سينمائي

"هذا بيتُنا".. قصة لاجئ سوري في أمريكا

يرصد الوثائقي حياة متنازعة لعوائل سورية وصلت إلى الولايات المتحدة ومع ذلك لم تشعر بالاستقرار التام، وذلك بفعل القرارات التي أصدرها الرئيس الأمريكي ترامب، وبسبب الحنين إلى ماضٍ ما زال حاضرا في وجدانهم.