تقارير

مسلمو فرنسا.. بين أمواج التغريب وشواطئ الوطن

 

حسن العدم

"حين كان جيمس براون يقول: أنا أسود وأفتخر، كنا نسمعه وكأنه يقول: أنا عربي وأفتخر". ويضحك عبد الرؤوف ضفري وهو يروي هذه القصة عن بدايات طفولته في فرنسا.

وكان جد الأستاذ المتقاعد محمد زناف يروي له قصة "بوفالو بيل" وقصصا أخرى عن الهنود الحمر، ويقول "إن هؤلاء جميعا يشبهوننا"، ثم يتساءل: بماذا كان الجزائريون يشبهون هؤلاء؛ بقصص النجاح والاندماج التي كانت تتمثل في بوفالو بيل، أم بقصص القهر والتهميش والإبادة التي عاشها الهنود الحمر؟ ما الرابط في هذا التشبيه؟ ويضحك حتى القهر ثم يقول "كانت الجزائر في بدايات القرن العشرين محتلة مقهورة، ثم ها نحن في القرن الحادي والعشرين فرنسيون ونحِنُّ إلى الوطن الأم".

البدايات

الصورة بالأبيض والأسود، وتشير إلى شارع في مرسيليا، وهؤلاء الرجال مَن هم؟ تبدو سحنتهم عربية شرقية، نعم إنهم جزائريون، ووجودهم في هذا المكان والقرن التاسع عشر يلفظ آخر أنفاسه كان أمرا عاديا، فرجال المستعمرات الفرنسية يتنقلون بشكل طبيعي في أراضي الجمهورية الواسعة طلبا للرزق، وسعيا لتحسين ظروف عيشهم، ولم يكن أكثر المتشائمين في ذلك الوقت يظن بأن هؤلاء سيوصفون يوما ما بالمهاجرين أو المتجنسين أو الأفارقة، أو أي اسم يفرقهم عن الفرنسيين.

ما معنى أن تكون مسلما في فرنسا؟ إن الأمر لا يتعلق بالإيمان وأداء الشعائر الدينية بقدر ما يتعلق بتوارث تاريخ دُوِّن على أيدي السود والعرب والبربر الذين تركوا بلادهم الأصلية؛ تلك المستعمرات الفرنسية في أفريقيا، وجاؤوا هنا من أجل العمل.

لقد كانوا يسمونهم السكان الأصليين قبل قرن من الزمان، وفي ستينيات القرن العشرين أصبحوا مهاجرين، أما اليوم فهم فرنسيون، وربما حان الوقت لكتابة تاريخهم طالما أنه جزء من تاريخنا.

الهجرة ليست حظا أو مصادفة، وهي كذلك ليست خيارا، إنها قدر، كما يقول محمد زناف الأستاذ المتقاعد، ويضيف أن العائلة عندما كان يضيق عليها الرزق تدفع بواحد أو اثنين من أبنائها إلى ما وراء البحر من أجل المساهمة في إطعام العائلة، بإرسال جزء مما يجنونه من أجر لقاء عملهم في المنفى. إن المرء لا يختار منفاه.

كانوا يعملون في مصانع الصابون ومناجم الفحم، كنت تجدهم في كل مصانع التعدين وورش السباكة، ينتشرون في كل أرجاء فرنسا، من الشوارع الضيقة في مرسيليا جنوبا إلى ساحات باريس، إلى مناجم الفحم في منطقة ليل شمالا، تكاد ظروف معيشتهم في تلك الأيام لا تختلف عن حياة العامل الفرنسي، كان لا يزال بضع مئات منهم يلتزمون بأداء شعائر الإسلام، يذكر مهندس الوردية الفرنسي أن كثيرا من المسلمين كانوا يستأذنونه في أن تكون ساعة استراحتهم تتوافق مع غروب الشمس لتناول طعام الإفطار، لقد كانوا يصومون وهم يعملون في مناجم الفحم.

الحرب العالمية الأولى

في أغسطس/آب من عام 1914 انطلقت شرارة الحرب العالمية الأولى، واستقدمت فرنسا مئات الآلاف من سكان أفريقيا وشمالها ليكونوا وقودا للمدافع. في الحقيقة هذا ليس شأن الفرنسيين وحدهم، فلقد دأَبَ المستعمرون من ذوي البشرة البيضاء على استخدام السكان الأصليين في الحروب، كما كانت أمريكا تستخدم اللاتينيين والزنوج في أرض المعركة، لقد مات عشرات الآلاف منهم، حصدت الحرب أرواحهم، ولم يعد لأهلهم من ذكرياتهم إلا بعض الشارات والرتب العسكرية.

شكرا لرئيس الأركان الذي تنبه في بدايات الحرب إلى الطقوس الخاصة بدفن القتلى من المسلمين، فأصدرت السلطات الصحية تعميمات على كافة جبهات القتال تحدد مراسم الدفن عند المسلمين بشكل واضح ودقيق، وينتهي بحجرين محفورٌ على أحدهما "هنا يرقد من لبى نداء ربه".

وزادت أهمية احترام شعائر المسلمين عندما دخلت ألمانيا على خط الدعاية المضادة والتحريض المبرمج للجنود المسلمين في الجيش الفرنسي، مما دفع السلطات إلى بناء المساجد والمشافي الخاصة بالمسلمين على جبهات القتال المختلفة، وما يرافق ذلك من ضرورة وجود المصورين والصحافة وحتى السينمائيين الذين ما فتئوا يذكّرون بوحدة الهدف والمصير للمسلمين والفرنسيين على حدٍ سواء.

يمكن تشبيه الجزائريين بقصص القهر والتهميش والإبادة التي عاشها الهنود الحمر

استراحة محارب

وعلى الرغم من المحاولات الجادة لإبقاء جنود المستعمرات بعيدين ما أمكن عن حياة الفرنسي الأصيل، سواء أكان مجندا أم مدنيا، فإن هذه المحاولات لم يكن أكثرها ناجحا، كانوا يخشون أن تتسلل إليهم عدوى الحقوق السياسية والمدنية التي يتمتع بها الفرنسيون.

وكما يقول المؤرخ بنجامين ستورا فإن أحداثا مثل الثورة البلشفية في روسيا وسقوط الخلافة العثمانية وظهور الثورة الكمالية كان لا يمكن إخفاؤها عن القادمين من المستعمرات مما رفع من وتيرة الوعي السياسي لديهم.

وضعت الحرب أوزارها، وبدا أن الهوة تزداد اتساعا بين المهاجرين والسكان الفرنسيين. ورغم الحاجة المتزايدة للقوة العاملة من أبناء شمال أفريقيا لإعادة إعمار فرنسا، فإن هذا لم يشفع لهم كي يتمتعوا بأدنى الحاجات الأساسية مثل السكن والغذاء والتعليم.

وهذا ما دفع كثيرا من أهل الشمال الأفريقي إلى إعادة التموضع المجتمعي والتسلل شيئا فشيئا إلى خارج فوهة حلم الاندماج الزائف، وأصبحت المقاهي المقامة على أساس مناطقي -كما وصفتها المؤرخة ليندا أميري- هي الملاذ الأخير للعمال الجزائريين.

اعتاد العمال على تتبع أخبار الوطن والأهل، وأصبحت تتبلور أفكارٌ مثل الاستقلال والعودة إلى الوطن الأم والمشاركة السياسية، كانت هناك بيئة خصبة لظهور شخصيات سياسية من أمثال عبد القادر حاج علي الذي برع في لعبة السياسة الفرنسية في الوقت الذي كان يقاوم فيه الاستعمار. كما نافس حاج علي تحت مظلة الحزب الشيوعي على مقاعد في المجلس البلدي والبرلمان، وخسر بفارق أصوات معدودة في ظل حرمان السكان الأصليين من حق التصويت.

كان العمال الجزائريون يعملون في مصانع الصابون ومناجم الفحم

سجن كبير في المنفى

وفي ظل حالة الاستقطاب هذه، ساهمت الصحافة المنحازة في تعميق صورة المهاجر البدائي المجرم في اللاوعي الفرنسي، وكانت أحداث فردية مثل ما جرى في شارع "روفونداري" في باريس عام 1923 تشجع الصحافة على المتاجرة وبشكل رخيص في صورة مكررة لخنجر يلمع في الليل لتتهم الجزائريين جميعهم بالاصطفاف خلف هذه الجريمة الفردية، ولا تتردد في وصفهم بالقتلة العنيفين.

مثل هذه الحوادث وطريقة تسويقها دفعت السلطات إلى اتخاذ إجراءات أمنية أشد صرامة مما مضى في حق أهل الشمال الأفريقي في فرنسا، وبخاصة الجزائريين منهم، واستحدثت مراكز الأمن في كل نواحي فرنسا، ومثلها في المستعمرات من أجل مراقبة النشاط السياسي والاجتماعي للمهاجرين والسكان الأصليين، ومن أجل منع انتشار الأفكار التحررية عبر شواطئ المتوسط.

ورغم ذلك تستمر الحياة، ويكثر الارتباط بين الشباب الجزائري -وخصوصا المحاربين منهم- والفتيات الفرنسيات، وتبدو قصة الثائر الناشط "مصالي الحاج" ورفيقة دربه "إيميلي بيسكون" الناشطة في حركة الفوضويين مثلا صارخا على هذا الاندماج الاجتماعي، حيث أسس مصالي الحاج حزب نجم شمال أفريقيا، وكان مثل كل الجزائريين المهاجرين يوفق بين عمله لكسب المال وشغله بالسياسة.

ويقف على النقيض من مصالي الحاج في الجهة المقابلة رجل الدين سي قدور بن غبريط، أو عبد القادر بن غبريط، الموظف في دائرة الشؤون الخارجية في الحكومة الفرنسية وإمام مسجد باريس ومدير معهدها الديني، فقد كان رجلا مواليا للفرنسيين بامتياز، وكافأه الفرنسيون بافتتاح مهيب لمسجد باريس الذي أصبح إمامه فيما بعد.

كان لتدشين المسجد رمزية تشير إلى اعتراف فرنسا بفضل الجنود المسلمين في الحرب الأولى، كما أنه إشارة إلى وقوف الفرنسيين على أرضية مشتركة مع نظرائهم من المسلمين، هكذا وصف الحدث المؤرخ ميشال رونار.

في الثلاثينيات من القرن الماضي بدا هناك تمايز ملحوظ في صفوف الجزائريين، تفاوتت على أثره نظرة السلطات الفرنسية لهم، فهناك حركة مصالي الحاج التي كانت تنادي بالاستقلال عن فرنسا، وترى أن الجزائر أرض ووطن له تاريخ عميق وليس مجرد مستعمرة فرنسية، وهذه الحركة لقيت نصيبها من القمع والاستئصال، لدرجة اعتقال زعيمها مصالي بأمر من رئيس الحكومة آنذاك "مسيو بلوم" وحل حزب "نجم أفريقيا" الذي كان يمثله.

وفي وسط الخارطة السياسية كنت ترى القوميين الذين اختاروا الجبهة القومية مظلة لهم، وباتوا يطالبون من خلالها بالمساواة في الأجور والحقوق السياسية والمدنية مع الفرنسيين، وهنالك الجموع النفعية التي كان بن غبريط يعتبر أشهر أمثلتها، وهاتان المجموعتان تعاملت معهما السلطات بحذر وشيء من العطاء الباذخ أحيانا.

فمن جهة هي لا تريد أن يصاب الجزائريون بعدوى الحقوق والحريات، ومن جهة أخرى فقد أغدقت عليهم بعض العطايا مثل التأمين الطبي والمستشفيات والشقق السكنية المناسبة. وهكذا أصبح المسجد والمستشفى والمقبرة علامات فارقة في التاريخ والجغرافيا الفرنسيَّيْن على وجود مواطنين مسلمين في فرنسا.

أصبح المسجد والمستشفى والمقبرة علامات فارقة في التاريخ والجغرافيا الفرنسيَّيْن على وجود مواطنين مسلمين في فرنسا

الحرب مرة أخرى

في سبتمبر/أيلول عام 1939 نشبت الحرب مرة أخرى بين ألمانيا النازية وفرنسا، وعمت النداءات جميع أرجاء فرنسا والمستعمرات من أجل حماية "الوطن"، وهذه الكلمة لها مدلولات مختلفة في نفوس الناس حسب مكان وجودهم، ففي أفريقيا السوداء كانت معسكرات التجنيد تنتشر في كل مكان وتجلب كل من يقدر على حمل السلاح من أجل نقلهم لاحقا إلى ميادين القتال.

أما في بلاد مثل تونس والمغرب فكان لا بد من استشارة حكّام الولايات هناك. وقد أمر محمد الخامس بمساعدة فرنسا ولبى المغاربة النداء، "ليس جميعهم بداعي حب فرنسا" كما يقول طارق أوبرو إمام مسجد بوردو، ولكن لأن الدولة أمرتهم بذلك.

دخل الغزاة باريس، واستباحوا كل شبر فيها، وسيق عشرات الآلاف من الجنود الفرنسيين من كافة الأعراق إلى معسكرات الاعتقال. كنت ترى الروح العنصرية في نفوس الألمان وهم يتعاملون مع الأسرى الملونين على أنهم من أجناس بشرية أدنى بكثير من الجنس الآري النقي.

ولكن هذه الروح العنصرية هدأت كثيرا عندما شاهدوا الجانب الآخر من حضارة باريس؛ عبق الشرق وروح الإسلام تنبعث من المساجد والقصور المراكشية والحمامات التركية، وهنا يظهر اسم "بن غبريط" ثانية، فقد كان الرجل لا يرى بأسا في أن يتحدث مع الألمان ويفاوضهم على أن يبقى المسجد مكانا دينيا آمنا، وأن هناك مسلمين وبعض اليهود يرتادون هذا المكان من أجل العبادة فقط، كانت تُحسب له هذه المواقف القومية حسبما يرى المؤرخ "بنجامين ستورا"، حتى إنه رفض طلبا للاحتلال بإصدار فتوى للمسلمين في فرنسا والمستعمرات بالتعاون مع الجيش الألماني المحتل.

في أواخر عام 1944 تم تحرير باريس، كان فيها نحو ثلاثة آلاف مقاوم من كل الألوان والأعراق. قد تسأل هل كان منهم مسلمون؟ لا توجد وثائق كافية عن هؤلاء المقاومين، ولكن بعض الصور النادرة والأسماء توحي لك أن المسلمين كانوا جنبا إلى جنب مع الفرنسيين في تحرير باريس وفرنسا كلها من بعد.

كان لتدشين المسجد رمزية تشير إلى اعتراف فرنسا بفضل الجنود المسلمين في الحرب الأولى

بعد الحرب

يمكن وصف الفترة من أوائل القرن العشرين وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية أنها فترة المهاجرين الأفراد، جاؤوا فقط لجمع المال على أمل العودة الى أرض الوطن، ولكن بعد الحرب تغير كل شيء، بعد هجرة العائلات يكون حلم العودة قد تلاشى، وصار لا بد من التعايش مع الظروف البيئية الفقيرة إلى حد العدم، ولكنها خالية من التعصب والعنصرية، وحين ينتهي العمل يذهبون بعائلاتهم إلى المقاهي، كانت موزعة على أساس مناطقي، فهناك مقاهٍ للقبليين، وغيرها للشاويين والزيموريين، كان المقهى وطنا صغيرا يجمعهم.

بعض المهاجرين كانوا تجارا ماهرين، جذبوا كثيرا من الزبائن الفرنسيين، تقول "باريزة خياري" -السيناتور في الحزب الاشتراكي- عن والديها إنهما أسسا نزلا سياحيا في باريس ثم توسعت تجارتهم وزادوا نزلا آخر، حيث كانت فرنسا تسمح للمتجنسين بالتملك والتجارة، نعم هي لم تكن بحجم الحلم الأمريكي، ولكنها كانت مناسبة وكافية.

اليوم هو 30 يونيو/حزيران 1954 ومشهد جنازة مهيبة تخرج من المسجد الكبير في باريس، مراسم عسكرية، وجموع غفيرة من شخصيات رسمية وشعبية جاءت لتودع الشخصية الأكثر جدلا في الشارع الباريسي والمجتمع الفرنسي، إنها الشخصية التي بنهايتها ستبدأ حقبة غير مسبوقة للوجود الجزائري في فرنسا.

بإسدال الستار على آخر مشهد من حياة سي قدور بن غبريط، يكون غريمه التقليدي مصالي الحاج قد أسس حركة جديدة هي الحركة الجزائرية الوطنية (إم إن آي) يستكمل من خلالها فصول المقاومة من أجل الاستقلال، وتقوم بالتوازي مع ذلك جبهة التحرير الوطني التي قامت باغتيالات منظمة وتحركات عنيفة كرد فعل على السياسة العدمية التي ينتهجها مصالي الحاج، حسب رأي أحمد بن بله ورفاقه في التنظيم الثائر الجديد.

وعلى مدى السنوات الأربع القادمة وحتى عام 1958 ثارت حرب أهلية جزائرية على أرض فرنسا، وكانت المقاهي والفنادق هي أرض المعركة، وكان فرسا الرهان فيها هما الحركة الوطنية وجبهة التحرير، كما كان الاستحواذ على قلوب الجزائريين بسلطة الدين تارة وبالترغيب والترهيب تارة أخرى.

وحصدت هذه الحرب أربعة آلاف قتيل وثمانية آلاف جريح، وعنفا ودمارا غير محدودين، ومضايقات ونقاط تفتيش من السلطات، وحركات مداهمة وتنكيل بكل الجزائريين، إلى أن حطت هذه الحرب الشرسة رحالها بهزيمة الحركة الوطنية.

بعد هذه الحرب تسيّدت جبهة التحرير الموقف، وباتت كابوسا يؤرق مضاجع السلطات الفرنسية التي زادت من قبضتها الحديدية وبطشها اللامحدود بكل أهل الشمال الأفريقي، وبخاصة الجزائريين منهم، حتى كانت ليلة 17 أكتوبر/ تشرين الأول 1961 المروعة التي قتل فيها نحو 100 شخص من المتظاهرين السلميين بدم بارد، كنت ترى الجثث الطافية على مياه السين، وبعضها على جوانب الطرقات، وكثير منها في مراكز الشرطة، كل هذا قوبل بصمت مريب من السلطات ووسائل الإعلام.

"بن غبريط" كان الرجل لا يرى بأسا في أن يتحدث مع الألمان ويفاوضهم على أن يبقى المسجد مكانا دينيا آمنا

الاستقلال

الثالث من يوليو/تموز عام 1962 كان يوما طوباويا، رأى فيه الجزائريون آمالهم وأحلامهم، كانت مظاهر البهجة والفرح لا توصف، سواء تلك التي كانت في كل أقاليم الجزائر أو التي في جميع مدن فرنسا، لقد مزقوا وثائقهم العسكرية الفرنسية، كان ذلك تعبيرا رمزيا عن الاستقلال، حتى وإن لم يفِ الاستقلال بتطلعاتهم في فرص العمل والتعليم وأسلوب الحياة الأفضل، فإن الشعور بالحصول على جنسية الوطن الأم كان شيئا عظيما.

حتى إن والدة عبد الرؤوف ظفري الكاتب الفرنسي من أصول جزائرية، كانت ترفض التجنيس الفرنسي، لقد كانت تكتفي بإذن الإقامة فقط، وكانت دائما تمني النفس وتوصي أولادها بأن يكون مثواها الأخير في الجزائر.

غير أنه لم يكن كل الجزائريين سعيدين بالاستقلال، فهناك "الحركيون" الذين عنى لهم الاستقلال مصيبة، والحركيون هم المسلمون الذين قاتلوا إلى جانب القوات الفرنسية، كان الفرنسيون يعتبرونهم متعاونين، في الوقت الذي كانت جبهة التحرير تصفهم بالخونة وأعداء الوطن.

وبعد الاستقلال غادر ما يقرب من تسعين ألفاً من الحركيين أرض الوطن متوجهين الى مخيمات اللجوء التي أعدتها لهم فرنسا على أرضها، لم يكن مرحّبا بهم على الإطلاق، كان الشعور بالخوف والمهانة والازدراء يلاحقهم، لم يكونوا يتخيلون أن فرنسا جاحدة لأبنائها إلى هذا الحد.

في تطور الستينيات الاستثنائي على أرض فرنسا، سيكون دور الحركيين هامشيا، وسيستمرون في عزلتهم وإقامتهم شبه الجبرية، وستستدعي فرنسا عشرات الآلاف من الأيادي العاملة، ولن يكون معظمهم من الجزائر بل من تونس والمغرب.

في هذه المرحلة، تشاهد في هذا الفيلم الوثائقي، وقد تغيرت ألوانه من الأبيض والأسود إلى الألوان التي تستطيع من خلالها تمييز العمال ذوي البشرة الحنطية أو الشقراء وهم يستلمون عقود عملهم، وتختم جوازاتهم للدخول إلى فرنسا للعمل في مناجم الشمال على نحو خاص.

هناك في شمال فرنسا عاش الجزائريون مع المغاربة والتوانسة جنبا إلى جنب، في أحياء منفصلة. أكثر الجزائريين استقدموا عائلاتهم للعيش معهم، في الوقت الذي كان فيه التونسيون والمغاربة يعيشون أفرادا، ولكن لم يكن هنالك أي صدامات بينهم، على الرغم مما يستقر في أذهانهم من ازدراء تجاه بعضهم البعض.

أما المسلمون السود من وسط وغرب أفريقيا فكانت لهم قصة أخرى مع البؤس والمعاناة، إنها حياة أكثر ازدراءً وسوداوية، عاشوا في أحياء مهمشة فقيرة وسط الجرذان والبهائم، وكانت الصدامات الحقيقية تقع بين العرب والسود، وتنتج عنها إصابات بليغة، بل والموت أحيانا.

نال أبناء الجزائريين قسطا من التعليم في المدارس الفرنسية، كانوا يسمعون الشتائم والإهانة من أقرانهم الفرنسيين، ولكنهم عندما يعودون لبيوتهم كانوا يشعرون بنوع من الزهو عندما كان آباؤهم يطلبون منهم قراءة ورقة ما، فقدسية العلاقة بين الابن ووالده الجزائري كانت تضفي على الأب بطولة أسطورية، وهيبة ووقار تحظر على ابنه أن يرفع عينيه في وجهه، فكيف هو إعجاب الابن بنفسه الآن وهو يساعد أباه في القراءة.

ولكن الهوة الثقافية ستزداد اتساعا بين الأبناء ذوي الثقافة الفرنسية وآبائهم الذين ما زال الحنين يشدهم إلى ماضيهم العربي، عبر الموسيقى والغناء والأفلام العربية المصرية، كان قدوم أم كلثوم لتغني في مسرح أوليمبية في العام 1967 حدثا عظيما.

ومرة أخرى، تفلح التحركات الاحتجاجية في أوائل السبعينيات، وبمشاركة الشخصيات اليسارية البارزة فيها من أمثال جان بول سارتر، في إقناع الحكومات بضرورة اتخاذ خطوات لتغيير هذا الواقع البائس، فكانت حملة إزالة مساكن الصفيح في أحياء باريس المختلفة، واستبدالها بالشقق السكنية ذات الكلفة المتواضعة عنوانا رئيسيا لهذه المرحلة، وأصبحت عائلات شمال أفريقيا تتمتع بهذه الرفاهية المفرطة في الاتساع والنظافة.

في تطور الستينيات الاستثنائي على أرض فرنسا، سيكون دور الحركيين هامشيا

الدين والثقافة وأشياء أخرى

يعترف جيل السبعينات من المسلمين في فرنسا أنهم لم يلتزموا الإسلام قط، كان الدين بالنسبة لهم تقليدا قادما من الماضي السحيق، لم يكن عندهم غضاضة في رؤية والديهم يقيمون شعائر الإسلام، كانوا أيضا ينتظرون مع أهلهم قدوم المناسبات المهمة مثل رمضان والأعياد والمولد النبوي، ولكنها لا تعني لديهم أكثر من طقسٍ يحيون قشوره ولا يلتزمون بجوهره، كان أكبر هَمِّ الشباب أن يجدوا أنفسهم في هذا المجتمع الغربي البعيد عن كل أشكال "التابوهات" والممنوعات الصارمة.

في ذات الوقت كان آباؤهم يخوضون معركة من نوع آخر داخل حجرات الصلاة في أماكن العمل، والتي يشاركهم فيها السود من الأفارقة، معركة التمذهب وتفوّق الجنس العربي الوارث لدين النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم.

وإذا تذكرنا الحركيين والتحديات التي واجهوها مع أنصار جبهة التحرير، فإن جميع هؤلاء والذين من قبلهم ما كانوا يفيقون من هذا الضياع الكبير إلا على جريمة عنصرية أخرى تسلبهم تلك التناقضات التي يتمتعون بها، فقد كان لمقتل 12 عربياً في أحداث عنصرية خلال أيام من عام 1973 صدمة عريضة في الشارع الفرنسي، رافقها نفس الصمت المريب من اليساريين ودعاة الحقوق.

ومرة أخرى تثبت لنا الأحداث أن الحقوق يجب أن تنتزع انتزاعا، ويجب أن نصارع من أجلها، فقد ثار الحركيون على مخيماتهم المعزولة، واتحد العرب والسود على المطالبة بتغيير الأوضاع البائسة، وهنا فقط انضم إليهم اليساريون وساندهم الإعلام.

فكان أن استجابت السلطات لكثير من مطالبهم، وعلى الرغم من أصوات كان تصدر من هنا وهناك تدعو إلى ترحيل المهاجرين إلى أوطانهم الأصلية، فإن المسلمين من الشمال وبقية أجزاء أفريقيا ظلوا إلى هذا اليوم رقما صعبا في المعادلة الفرنسية، يستحيل تجاهله.