تقارير

"من باليرمو إلى نيويورك".. أسطورة المافيا الإيطالية التي أرهقت الدول العظمى

 

خاص-الوثائقية

"لم تكن ذبابة تدخل بستانا دون إذنها". عبارة تلخص سطوة المافيا الأمريكية "كوزا نوسترا" التي صنعت سمعة إجرامية على مستوى العالم كله، حتى باتت توصف بأنها المنظمة الإجرامية الأشد غموضا وتطورا وعنفا وسرية.

وفي فيلم "المافيا.. من باليرمو إلى نيويورك" الذي عرض على "الجزيرة الوثائقية" بجزأين، نسترجع التاريخ المذهل للرابط بين "كوزا نوسترا" الأمريكية ونظيرتها الصقلية، وهما المنظمتان اللتان صنعتا أسطورة الجريمة منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، وتعد النموذج الأمثل لكل مجرمي العالم.

يأخذنا الفيلم إلى عام 1871، تاريخ توحيد إيطاليا بعد حرب أهلية استمرت أكثر من 20 عاما، ولكن لاستقلال البلاد ثمنا على الأرض وانعكاسات على الشعب، فتوحيد البلاد سلط الضوء على التفاوت الهائل بين شمال إيطاليا الغني وجنوبها الفقير، فالثورة الصناعية في ميلانو وتورينو قابلتها مشاهد بؤس وحرمان في الجنوب.

دفع الفقر في الجنوب ملايين الإيطاليين للبحث عن فرصة أفضل للعيش والهجرة لتحسين ظروف عائلاتهم، والوجهة المفضلة كانت الولايات المتحدة، إذ هاجر بين 1880 و1920 نحو 4 ملايين إيطالي معظمهم من الجنوب وأغلب هؤلاء توجهوا إلى جزيرة إيليس قبالة نيويورك على مقربة من تمثال الحرية.

 

شواطئ نيويورك.. مئات الآلاف من الإيطاليين حول تمثال الحرية

لم يكن الوصول إلى بلاد العم سام بالنسبة للمهاجرين الإيطاليين مفروشا بالورود، فقد عانى هؤلاء الفقراء البائسون الأمرّين منذ صعودهم للسفن تجسدت في طريقة معاملة السلطات الأمريكية معهم وفصل الأطفال عن أمهاتهم وإجراء فحوصات صحية وإعادة ترحيل من كان مصابا بمرض عضال.

وأكثر من ذلك كان هناك تمييز ضد المهاجرين من جنوب إيطاليا لأن بشرتهم كانت داكنة أكثر من نظرائهم القادمين من الشمال وكان الصقليون (القادمون من جزيرة صقلية) أصحاب البشرة الأكثر سمرة بينهم، وبسبب لون بشرتهم أطلق عليها لقب "الإيطاليون الجنوبيون المثيرون للشغب".

بات الشعب الأمريكي يخاف من الصقليين بسبب عاداتهم وأسلوب حياتهم الغريب على الأمريكيين وإصرارهم على عيش حياة بائسة لتوفير أكبر قدر من المال وإرساله إلى عائلاتهم الفقيرة في جنوب إيطاليا وخاصة في جزيرة صقلية.

ولكن هذه القوة العاملة كانت ضرورية لأمريكا في أوج الثورة الصناعية، فهؤلاء المهاجرون كانوا يقبلون العمل في مهن خطيرة لساعات طويلة، وتتحدث دعابة قديمة تقول إن المهاجرين يأتون إلى أمريكا لأن الأرصفة معبدة بالذهب، فيرد المهاجرون الإيطاليون بأنهم وجدوا الأرصفة غير معبدة أصلا وهم من فعلوا ذلك.

وما كان يميز الإيطاليين عن غيرهم من المهاجرين هو تجمعهم في مناطق محددة أطلق عليها أسماء مثل "إيطاليا الصغيرة" و"مدينة إيطاليا" حتى وصلت تسمية بعض المناطق بأسماء القرى الأصلية التي جاؤوا منها، وكان يميل هؤلاء للعزلة وعدم الاختلاط أو التأقلم بالمجتمع الأمريكي، وحافظوا على نمط حياتهم القروي الجنوبي (جنوب إيطاليا).

تجمع الطليان في مناطق محددة من نيويورك أطلق عليها أسماء مثل "إيطاليا الصغيرة"

 

"اليد السوداء".. وحش الأحياء الصغيرة المرعب

في بداية القرن العشرين أصبحت نيويورك أكبر مدينة إيطالية في العالم، ومن بين نحو 400 ألف إيطالي هناك، كان قسم كبير منهم لديه تاريخ إجرامي في بلدهم الأصلي وسيكون العمال وعائلات "إيطاليا الصغيرة" البريئة أولى ضحاياهم، فقد نظم هؤلاء الأشخاص أنفسهم في عصابات إجرامية، وأسسوا منظمة أطلقوا عليها اسم "اليد السوداء" وكان نشاطها الرئيس يقوم على الابتزاز.

يقول الأمريكي "سيلوين راب" مؤلف كتاب "العائلات الخمس": هاجمت هذه العصابات مواطنيها وأجبرت التجار الخائفين على الدفع لهم لحمايتهم وسرقوا واختطفوا وقاموا بكل الموبقات في الأحياء التي تعيش فيها هذه العصابات.

لم تتوقف الأمور هنا، بل إنهم اختطفوا الأطفال وزرعوا الرعب في قلوب أفقر الناس، ومن هنا كانت بداية السجل الإجرامي لمنظمة "اليد السوداء" ولكن ليس مؤكدا أنها ارتبطت منذ ذلك الحين بالمافيا الإيطالية أو انضم أعضاء من هذه المنظمة إلى المافيا.

وبعد تزايد أفعالها الإجرامية تدخلت شرطة نيويورك وحاولت توقيف أعضاء هذه المنظمة، وأرسلت السلطات الأمريكية أفرادا منها إلى إيطاليا وخاصة إلى جزيرة صقلية التي تنشط فيها المافيا منذ عشرات السنين، وكانت المافيا وقتها قروية تستغل المزارعين والزراعة والتي كانت مصدر الدخل الوحيد للبلاد.

مع وصول "بينيتو موسوليني" إلى السلطة هاجمت حكومته المافيا بشدة

 

صعود الفاشية.. سباع الديكتاتورية تشتت شمل ذئاب المافيا

يشرح المؤرخ الإيطالي "سالفاتوري روبو" كيف تحولت المافيا في نهاية القرن العشرين إلى منظمة تجارية إجرامية وسيطرت على الزراعة والسلامة العامة والنقل، وكيف تعاونت مع الشرطة وسيطرت عليها في بعض الأحيان لحماية الأملاك الخاصة والشركات، وبات أصحاب الشركات يعتمدون على المجرمين لحماية أنفسهم من مجرمين آخرين.

وفي السياق نفسه يشير الصحفي الإيطالي "فرانشيسكو لا ليكاتا" إلى أن "النبلاء الصقليين فقدوا امتيازاتهم لصالح أعضاء من المافيا، فالمافيا الصقلية لا تخاف، فهي من هاجم السلطات التي حاولت قمعها.

في أوائل عشرينيات القرن العشرين، وصل الديكتاتور "بينيتو موسوليني" إلى السلطة بنظام فاشي كان ينوي السيطرة على البلاد، ولهذا هاجمت الحكومة الفاشية المافيا، وكان سلاح "موسوليني" في ذلك عمدة مدينة صقلية "سيساري موري" الذي كان يلقب بالعمدة الحديدي، لأنه كان صلبا ولا يرحم، وقد قام بدهم مناطق المافيا واعتقل قادتها وعقد محاكمات صورية وأدان 1200 من أعضائها لكن سيطرة "موري" حملت عواقب أخرى غير متوقعة.

وعن هذه العواقب يقول عمدة مدينة "باليرمو" الإيطالية "ليولوكا أورلاندو": واجهت الفاشية المافيا كغيرها من الديكتاتوريات، فالديكتاتور لا يقبل بوجود حاكم بديل، هذا الأمر دفع بعض قادة المافيا لمغادرة صقلية لأنهم غير قادرين على ممارسة سلطتهم، ولهذا صدروا أفعالهم الإجرامية إلى العالم وتحديدا إلى الولايات المتحدة.

حظر بيع الكحول في الولايات المتحدة في عشرينيات القرن الماضي كان ازدهارا لعلم المافيا

 

"إيطاليا الصغيرة".. هجرة ثانية تحمل رجال المافيا إلى أمريكا

من الملفت -بحسب الأمريكي "سيلوين راب" مؤلف كتاب "العائلات الخمس"- أن المافيا الصقلية لم تخطط لإنشاء فرع لها في أمريكا، بل جاء الأمر بالصدفة، وأحد الأسباب كان "موسوليني".

الخطوة الأولى لإنشاء الفرع الأمريكي للمافيا الصقلية كان وصول المئات من رجالها إلى "إيطاليا الصغيرة" بحجة أنهم ضحايا النظام الفاشي، لكنهم كانوا يندمجون سريعا في العالم الإجرامي هناك، ويعززون دور المافيا في الولايات المتحدة.

بعد الرجال كانت الخطوة التالية هي الأموال، وقد حصلت عليها المافيا من بيع الكحول الذي حُظر في الولايات المتحدة في عشرينيات القرن العشرين، إذ اتفقوا مع أصحاب الحانات على تأمين الكحول وحققوا ثروات طائلة من بيعه بأضعاف سعره العادي.

هذه الأموال كانت مغمسة بالدماء والصراعات بين رجال المافيا، إذ تصارعت رجالاتها على تجارة الكحول، وتحولت نيويورك إلى ساحات تصفيات دموية ومعارك مسلحة أدت لمقتل المئات.

وبعد الصراعات والاغتيالات والتحالفات، ولدت المافيا الإيطالية-الأمريكية تحت اسم "كوزا نوسترا" (Cosa Nostra) أي "ملكُنا" أو "شيء لنا"، وهي منظمة سرية تحكمها "أومرتا" أي قانون الصمت وعدم التعامل مع السلطات.

كما عينت قيادة للمنظمة، وكانت عبارة عن لجنة تضم ممثلين عن عائلات من كل المدن الأمريكية الكبرى و5 أعضاء من نيويورك مسقط رأس المافيا والمكان التي انطلقت منه، وقد أرسى هذا الاتفاق سلاما وهدنة بين أعضاء المافيا استمر ثلاثين عاما، ولم تشهد أي حروب أو صراعات داخلية.

ومع اقتراب رفع الحظر عن بيع الكحول آنذاك وخسارة المافيا للأموال الطائلة جراء هذه التجارة، قررت تطوير نفسها والبحث عن مصادر دخل أخرى وتنويع أنشطتها، فدخلت مجالات الربا والمراهنات غير الشرعية كما تغلغلت في البناء والقطاع العقاري إضافة إلى النقل والمنسوجات، ثم تسللت لمعظم القطاعات مستخدمة طريقة جديدة متمثلة باختراق النقابات العمالية.

وأوصل هذا الاختراق إلى شبه سيطرة على النقابات التي تحولت لسلاح بيد المافيا بدلا من استخدام المسدسات، بحسب "إدوارد ماكدونالد" المدعي العام السابق لمدينة نيويورك الذي يقول: هددت المافيا بالإضرابات العمالية، وكانت اتحادات النقابات تقول للشركات إننا سندعو لإضراب عام، وإذا كنتم لا تريدون ذلك فعليكم الدفع أي ابتزاز من نوع آخر وبهذه الطريقة سرقوا المال من الشركات.

خفف الحكم على "لوتشيانو المحظوظ" بسبب "خدماته الوطنية" وبشرط مغادرته إلى إيطاليا وعدم الرجوع للولايات المتحدة

 

"لوتشيانو" المحظوظ.. "أحد الفاعلين البارزين في القرن العشرين"

أصبحت "كوزا نوسترا" الأمريكية-الإيطالية أقوى منظمة إجرامية في الغرب، وتحول اللصوص السابقون وزعماء المافيا إلى رجال محترمين ومقبولين من المجتمع الأمريكي، حتى وصل الحال بمجلة "تايمز" الأمريكية إلى تصنيف "لوتشيانو" المحظوظ عبقري المافيا وعقلها المخطط، على أنه "أحد الفاعلين البارزين في القرن العشرين".

ولكن هذا التصنيف والأموال الطائلة التي جناها والطائرة الخاصة التي اشتراها لم تحمِ "لوتشيانو المحظوظ" من الاتهام بإدارة شبكة دعارة وحكم عليه بالسجن 30 عاما.

وبعد انطلاق الحرب العالمية الثانية في أربعينيات القرن الماضي والخسائر الكبيرة التي تكبدتها القوات الأمريكية، ولحماية واجهتها البحرية في ميناء نيويورك التي كانت تسيطر المافيا على أرصفته وتفرض قانون الصمت، أُجبرت المخابرات الأمريكية على عقد اتفاق مع "لوتشيانو المحظوظ" -الذي كان قد أمضى 10 سنوات من محكوميته في سجن شديد الحراسة- يتعهد فيه بـ "ضمان السلام في الواجهة البحرية وقتال الجواسيس، ويحذر الأجهزة الأمنية من أي أخطار محدقة، فأعطى التعليمات ونفذ الجميع" وفقا للكاتب "سيلوين راب" مؤلف كتاب "العائلات الخمس".

وفي ستينيات القرن الماضي استقرت الأوضاع وخفف الحكم على "لوتشيانو المحظوظ" بسبب "خدماته الوطنية" ولكن بشرط مغادرته إلى إيطاليا وعدم الرجوع للولايات المتحدة، وإلا فسيقضي السنوات العشرين الباقية من محكوميته.

عملية "هاسكي".. جسر المافيا الذي أدخل الحلفاء إلى صقلية

يقول "سيلودن راب": حاول بعض الأشخاص ترويج أن "لوتشيانو" لم ينقذ الواجهة البحرية فقط، بل ساعد في غزو صقلية خلال الحرب العالمية الثانية.

وعن هذا الموضوع يشير القاضي الإيطالي "فيتوري تريسي" إلى أنهم وجدوا في المحفوظات العامة أن جنرالات أمريكيين تواصلوا مع زعماء في "كوزا نوسترا" الإيطالية والأمريكية، وكلفوهم بتهيئة الأرض لاستقبال الإنزال الأمريكي في صقلية وتسهيل دخولهم والطلب من السكان المحليين عدم مقاومة قوات الحلفاء.

بينما ينفي "أومبيرتو سانتينو" المتخصص في دراسة المافيا والمؤرخ الإيطالي "سالفاتوري روبو" هذا الكلام جملة وتفصيلا، ويؤكدان أن المافيا لم تساهم أو تساعد في الإنزال الأمريكي في صقلية أو ما يعرف بعملية "هاسكي".

ومع تضارب الآراء سيكون من الصعب التيقن من دور المافيا في عملية "هاسكي" ولكن ما يؤكده التاريخ أن الأمريكيين عينوا بعض زعماء المافيا في منصب عمدة للمدن والمناطق التي سيطروا عليها في صقلية.

"فرانك كاستيلو" الملقب بـ"رئيس الوزراء" اللجنة يدلي بشهادته حول دور الجريمة المنظمة في إدارة البلاد

 

"المافيا وصمة لا يمكن لأي أمريكي من أصول إيطالية محوها"

بعد انتهاء الحرب الساخنة وبدء الحرب الباردة كانت صقلية إحدى ساحات المواجهة، فقد كان الأمريكيون يريدون وقف المد الاشتراكي والشيوعي في الجزيرة، فأيدوا المافيا التي أصبحت أقوى بعد الإنزال الأمريكي فيها وشكلت قوة سياسية، بحسب الصحفي الإيطالي "فرانشيسكو لا ليكاتا".

بدورها تشرح "ماريا لورينو" الصحفية الأمريكية من أصل إيطالي، كيف شهد الإيطاليون في أمريكا ازدهارا بعد الحرب العالمية الثانية، وباتوا يندمجون أكثر في المجتمع الأمريكي عقب إثبات ولائهم كجنود في الجيش.

ولكن كل ما تقدم لا ينفي المقولة الشهيرة وقتها "المافيا وصمة لا يمكن لأي أمريكي من أصول إيطالية محوها"، ففي 1950 تشكلت لجنة في مجلس الشيوخ للتحقيق بدور الجريمة المنظمة في إدارة شؤون البلاد، وقد استدعي 600 شخص للشهادة، وبثت الجلسة مباشرة على الشاشات، وتسمر نحو 30 مليون أمريكي على مقاعدهم لاكتشاف أسرار المافيا.

وقد رفض أغلب أعضاء المافيا الإدلاء بشهاداتهم متسلحين بالتعديل الخامس في القانون الأمريكي، لأن شهادتهم ستجرمهم فأفلتوا من العقاب. وتحدى رجل واحد يدعى "فرانك كاستيلو" الملقب بـ"رئيس الوزراء" اللجنة ووافق على الشهادة، فقد كان مشهورا بمهاراته التفاوضية وعلاقاته الواسعة في السياسة الأمريكية، بل إنه كان يعد الزعيم الأول في المافيا الأمريكية.

"لوتشيانو المحظوظ" الذي حول المخدرات إلى تجارة دولية تدرّ أموالا طائلة على المافيا

 

قانون تجريم تجارة المخدرات.. اتفاق أباطرة اللعبة

رغم شهادة الألف صفحة والإثباتات على عمليات المافيا لم تتوصل اللجنة البرلمانية إلى شيء بسبب عناد "جون إدغر هوفر" رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (أف بي أي) الذي نفى وجود مافيا أمريكية، وهذا الإنكار سهّل لمنظمة "كوزا نوسترا" متابعة أعمالها والتغلغل أكثر في النقابات وتوسيع نشاطاتها نحو المخدرات التي حولها "لوتشيانو المحظوظ" إلى تجارة دولية تدرّ أموالا طائلة على المافيا.

ففي 1957، أصدر الكونغرس الأمريكي قانونا يعاقب من يتاجر بالمخدرات بالسجن لمدد تصل لـ30 عاما، الأمر الذي دفع بـ "لوتشيانو" لعقد اجتماع ضم كبار زعماء المافيا في أمريكا وإيطاليا وعقد اتفاقا معهم لإعادة تنظيم تجارة الهيرويين، وأن تقتصر الأخطار على الصقليين.

وينص الاتفاق على أن يأتي رجال المافيا الصقليون إلى أمريكا كأشخاص عاديين، ورجال المافيا في نيويورك يساعدونهم على فتح أعمال تجارية صغيرة كمطاعم البيتزا ويخبرونهم عن الذي يمكن رشوته من الشرطة، ولا يريدون سوى عمولة.

 

تأميم المافيا.. نظام عدلي ووظائف وخدمات تغني عن الدولة

بعد إعادة بناء المافيا الصقلية على يد شقيقتها الأمريكية، بدأ تنظيم تجارة المخدرات عبر استلام المواد الأولية من الشرق الأوسط وإيصالها لمدينة مرسيليا الفرنسية، حيث تصنع هناك وتكرر ثم ترسل إلى الولايات المتحدة للاستهلاك، الأمر الذي وطد العلاقات بين فرعي منظمة "كوزا نوسترا".

وبذلك وفرت المخدرات للمافيا الصقلية أموالا هائلة سمحت لها بالدخول بقوة في قطاع البناء وتحول أعضائها إلى رجال أعمال.

يقول "غاسباري موتولو" العضو السابق في المافيا: دخلت المافيا في كل شيء حتى بالنزاعات العائلية، فالزوجان لم يكونا يذهبان إلى الشرطة عند الخلاف بل للمافيا، وقد لعبت دور العدالة وساعدت الناس في توفير العمل، وباتت ملجأ لأي عاطل لإيجاد وظيفة، ولهذا أتحدث عنها بشكل جيد.

ورغم كل ما قاله "موتولو" -الذي أقر أنه قتل 20 شخصا خنقا- فإن المافيا تبقى منظمة إجرامية تقتل كل من يقف بوجهها أو يعارضها أو يقترب من مصالحها وأموالها.

وجه "جون كينيدي" ضربة للمافيا ما لبثت أن غاب أثرها بعد اعتياله

 

عصر "جون كينيدي".. ضربة هزت كيان المافيا ثم تلاشت

حمل وصول "جون كينيدي" إلى رئاسة الولايات المتحدة عام 1960 تحديات وجودية للمافيا الأمريكية، إذ عين شقيقه "روبرت" مدعيا عاما وكان "روبرت" يمتلك معلومات عن أن هناك علاقات بين المافيا والنقابات العمالية الكبرى وفتح تحقيقا بالأمر وأجبر "أف بي أي" على اتخاذ خطوات ضد المافيا.

وكان التحقيق الذي قاده "روبرت كينيدي" مثمرا ووافق أحد رجال المافيا على التعاون علنا مع السلطات والإدلاء بمعلومات خطيرة رغم أنه "لم يضطلع بمهمات كبيرة ولكنه كشف أمورا بينها حفل الانتساب وأدلة على وجود المافيا وهيكليتها التنظيمية"، وذلك وفقا للكاتب "سيلوين راب" مؤلف كتاب "العائلات الخمس".

يقول "راب": مع اغتيال "جون كينيدي" في 1963 استقال "روبرت" من منصبه لأنه كان يريد المنافسة على كرسي الرئاسة، بعدها عاد النظام العدلي و(أف بي أي) للركود ولم يفعلا شيئا لسنوات، ولم يعر المدعي العام الجديد الأمر أي اهتمام، ليستمر عصر المافيا الذهبي.

الرئيس الأمريكي "ريتشارد نيكسون" يعلن الحرب على وباء المخدرات واصفا إياه بأنه "عدو الشعب الأول"

 

"عدو الشعب الأول".. حرب "نيكسون" الكبرى في الديار الفرنسية

في أوائل السبعينيات اتخذ تعاطي المخدرات منحى جديدا، وانتهى وهج الحب والسلام وفكرة أنه لا يتعاطى المخدرات سوى الطلاب المتمردين ونجوم موسيقى "الروك"، إذ تسللت المخدرات إلى الطبقة الوسطى الأمريكية وتصدرت عواقبها الأخبار.

ففي خمسينيات القرن الماضي، قدر عدد المدمنين بـ50 ألفا، وبعد 20 عاما تضاعف الرقم مرات كثيرة ليصل إلى نصف مليون، وتعود أسباب هذا الازدياد المرعب إلى حرب فيتنام التي أثقلت كاهل البلاد لعقد كامل.

فمن أجل التعامل مع الرعب والقتال لجأ الجنود الأمريكيون إلى المخدرات، وكشفت الأرقام أن 15% من العائدين كانوا مدمنين على الهيروين، الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي "ريتشارد نيكسون" لإعلان الحرب على وباء المخدرات واصفا إياه بأنه "عدو الشعب الأول".

وشنت السلطات الأمريكية والفرنسية هجوما على مدينة مرسيليا التي كانت تسمى "الرابط الفرنسي" أي مركز المافيا الفرنسية وفي المدينة الساحلية كانت تصنع وتكرر المخدرات ويعاد تصديرها إلى أمريكا، وتمكنت القوات المشتركة في ضرب أوكار المافيا وتوقيف العشرات من المروجين وضبط مئات الكيلوغرامات من الهيروين.

انتشار المخدرات بين الشباب يؤدى إلى وفاة العشرات منهم كل أسبوع

 

مصانع باليرمو.. طوق نجاة ينقذ المافيا ويغرق أمريكا

بعد تلقيها هذه الضربات، تقرر نقل مصانع تكرير المخدرات إلى مدينة باليرمو الإيطالية معقل المافيا، وباتت هذه المصانع -بفضل حماية المافيا لها- تنتج نحو 1000 كيلوغرام من الهيرويين أسبوعيا.

ولأن أغلب هذا الإنتاج كان يصدر للولايات المتحدة، فإن الأموال التي كانت تجنى منحت المافيا الأمريكية نفوذا كبيرا في السياسة وقوة مالية هائلة، وصلت ذروتها منتصف سبعينيات القرن الماضي.

وبحسب العضو السابق في المافيا "غاسباري موتولو"، فقد استطاعت المافيا تعيين رجالها في مناصب رئيسية، الأمر الذي أمن لها تسهيل العمليات، فكان رجال المافيا يتنقلون بين المطارات حاملين عدة كيلوغرامات من الهيرويين ولا أحد يقبض عليهم، لأن السلطات كانت تبحث عن الأسلحة وتتعامل مع المخدرات كأنها بودرة ثلج.

حقائب مال في المطار.. تحقيق مشترك يفضح خيوط اللعبة

كان أول المؤشرات التي تدل على أن المخدرات تصنع وتكرر في باليرمو اكتشاف حقيبتين ممتلئتين بالمال قادمتين إلى مطار "باليرمو"؛ وذلك ما أدى إلى فتح تحقيق مشترك بين السلطات الأمريكية والإيطالية، وفقا للصحفي الإيطالي "سافيرو لوداتو" الذي ذكر أن التحقيقات توصلت إلى أن هذه الأموال دفعت مقابل مخدرات مصدرة من صقلية إلى أمريكا.

أقرت الولايات المتحدة وقتها "قانون ريكو" الذي يصنف المافيا كمنظمة إجرامية تتاجر بالمخدرات، كما أجاز القانون للـ"أف بي أي" استخدام المخبرين والعملاء السريين لأول مرة.

يشرح "إدوارد ماكدونالد" المدعي العام السابق لنيويورك كيفية ترويج المخدرات في المدينة، فبعد وصولها إلى نيويورك كانوا يوزعونها مع صلصة الطماطم والجبنة لمطاعم البيتزا التي تتعامل مع الموزعين في مناطقها.

والملفت أن المافيا الأمريكية كانت تتلقى عمولة كبيرة من نظيرتها الصقلية مقابل السماح لها بترويج المخدرات في أراضيها، بينما المافيا الصقلية تتحمل كافة الأعباء والأخطار.

التنافس بين المافيا الأمريكية مع نظيرتها الإيطالية يسفر عن اغتيال" كارمين غالنتي" أحد أبرز رجالات المافيا الصقلية

 

"رابط البيتزا".. عودة الـ"أف بي آي" إلى الحرب

نظرا لكل الخيوط التي كشفت اللعبة والمخدرات التي تغرق الأرض، دفعت الحرب على المخدرات جهاز "أف بي أي" إلى فتح تحقيق لكشف عدد من هؤلاء المروجين، في عملية كبيرة سميت باسم "رابط البيتزا".

وعن هذه العملية يقول "تشارلز روني" المحقق السابق في مكتب التحقيقات الأمريكي، وأحد المشاركين في العملية: بدأت العملية بكشف الأشخاص الذين جاؤوا إلى أمريكا، وماذا كانوا يفعلون، ومع من يتعاملون، وبمن يرتبطون. فهم غير معروفين من قبل السلطات الأمريكية، وكلما توسعنا بالتحقيق اكتشفنا أشخاصا جددا قدموا إلى الولايات المتحدة للتجارة في المخدرات.

ورغم عدم الود الواضح بين رجال المافيا الصقليين والأمريكيين من أصول إيطالية، فإن العلاقة بينهما كانت مبنية على جني الأموال الطائلة من المخدرات، لكن نفوذ الصقليين ازداد بسرعة الصاروخ، الأمر الذي أصبح ينذر بصراعات داخلية وصدامات بين المال والقوة.

وكانت أولى شرارات هذا الصراع، اغتيال" كارمين غالنتي" أحد أبرز رجالات المافيا الصقلية، وقد اغتالته المافيا الأمريكية مع حارسيه، بعدما طغى على العائلات الأمريكية في المافيا، مما حملها على أن تتخذ قرار التخلص منه، وقد فتح هذا الاغتيال الباب أمام عواصف من الصراعات وحرب الزعامات امتدت لسنوات.

حرب اغتيالات وتصفيات بين أعضاء المافيا الإيطالية والأمريكية

 

مقتل الزعيمين.. حالة رعب تسود مدينة باليرمو

بعد الحراك الأمريكي جاء الدور على السلطات الإيطالية في صقلية التي أنشأت مجموعة مؤلفة من 4 قضاة لملاحقة المافيا في شبه الجزيرة. وكانت الخطوة الأولى لهذه المجموعة هي التعاون مع السلطات الأمريكية وتبادل المعلومات والربط بينها لمحاولة ضرب المافيا ومعرفة تحركاتها وخططها المستقبلية وخاصة أن كل جهة لديها معلومات غير كاملة وتحتاج للطرف الآخر لإكمال الصورة.

يقول "تشارلز روني": من دون هذا التعاون ما كنا لنفهم في الولايات المتحدة ماذا تعني المافيا، ففي بلادي هذا التعبير مرادف لمجموعة من الشبان الإيطاليين يتسكعون، لكنها في أوروبا منظمة وأخطبوط يبسط أذرعه في كل مكان.

فجأة ومن دون مقدمات، قتل زعيمان كبيران في باليرمو متورطان في تجارة المخدرات مع المافيا الأمريكية وحل الرعب في المدينة ليتبين بعد سنوات أن سبب مقتل هذين الزعيمين هو "عدم اقتسام عائدات بيع الهيرويين بشكل عادل"، وذلك وفق ما كشفه الصحفي الإيطالي "سافيرو لوداتو".

واستمرت الصراعات بين عائلات المافيا الصقلية لتتطور إلى حرب يذهب ضحيتها أكثر من ألف شخص وتتصدع وحدة المافيا وتبدأ الثغرات في سورها المنيع تكبر أكثر فأكثر، وبدأ عرابو مدينة باليرمو الإيطالية -الذين حكموا صقلية لعقود- يتساقطون الواحد تلو الآخر.

"توتو رينا" رجل المافيا القوي صاحب أجندة الاغتيالات الطويلة

 

"توتو رينا".. ضجيج ورعب حول إمبراطور المخدرات القوي

لم تتوقف آلة القتل والتصفية في المافيا، بل تعدتها إلى كل من كان يهدد إمبراطورية رجل المافيا القوي "توتو رينا"، وقد شملت قائمة الاغتيال رجال الشرطة والمسؤولين المنتخبين والمحافظين والصحفيين والمدعين العامين ورجال الأعمال، ودخلت مدينة "باليرمو" في حرب أهلية حقيقية.

في هذا الجو المرعب، واصلت مجموعة مكافحة المافيا تحقيقاتها، ورغم وجود القضاة في مخابئ مغلقة لحمايتهم فإنهم لم يجدوا الدعم اللازم لعملهم من الحكومة.

اقترح "رينا" على رجال المافيا الأمريكية، مهاجمة السلطات مباشرة واستخدام العنف واغتيال الأشخاص الذين كانوا يلاحقون رجالات المافيا، كما يحصل في إيطاليا، غير أن المافيا الأمريكية فضلت عدم الدخول في دوامة العنف لأنه كان هناك اتفاق ضمني بين "أف بي أي" والمافيا بعدم التعرض لأحد محققيه أو رجال إنفاذ القانون، وإلا فإن الانتقام سيكون قاسيا وعنيفا، ولهذا رفضت المافيا الأمريكية نصيحة "رينا".

"توماسو بوشيتا" أحد الزعماء السابقين في المافيا الصقلية بأمريكا الجنوبية يدلي بكل أسرار المافيا

 

"توماسو بوشيتا".. ضربة من الداخل تزلزل أركان المنظمة

بعدما أصبحت الساحة أمامه فارغة، تولى "توتو رينا" تجارة المخدرات مع أمريكا، ولكن إمبراطوريته تعثرت سريعا، بعدما قرر أحد المنفيين الانتقام.

ألقي القبض على "توماسو بوشيتا" أحد الزعماء السابقين في المافيا الصقلية بأمريكا الجنوبية، ورُحل إلى إيطاليا، فقرر التعاون مع المحققين بعدما وجد نفسه وحيدا، وأراد رد الصاع صاعين لـ"رينا" الذي قتل أطفاله وعددا من أفراد عائلته وأصدقائه وكل من تواصل معه، وأدلى "بوشيتا" بكل أسرار المافيا.

يقول بوشيتا: المافيا ليست جريمة عادية، الشرطة تعرف كيف تحاكم الجرائم العادية، المافيا ظاهرة أكبر، إنها الحس الإجرامي والذكاء والصمت.

وعن التحقيقات يروي "ليوناردو غوارنوتا" القاضي السابق في "هيئة مكافحة المافيا" حوارا دار بين "بوشيتا" و"جيوفاني باركون" قاضي التحقيق، حيث يقول له "بوشيتا": ستشتهر بسبب هذه القضية ولكن التعرف على عالم "كوزا نوسترا" ينتهي بطريقة واحدة فقط، فهل أنت مستعد للمتابعة؟ فأجاب جيوفاني: نعم فلنبدأ.

أدت اعترافات "بوشيتا" إلى إصدار 376 مذكرة اعتقال بحق زعماء وأفراد من منظمة "كوزا نوسترا"، الأمر الذي أحدث زلزالا في المنظمة، كما أجرت إيطاليا أكبر محاكمة في القرن العشرين، وبني ملجأ خاصا لهذه المحاكمة التي غطتها وسائل الإعلام العالمية لرؤية المئات من عناصر المافيا في أقفاص المحاكمة.

وبينما كانت المحاكمات تسير على قدم وساق وتنقل مباشرة على التلفزيون الرسمي الإيطالي كان "رينا" خارج أسوار السجن يواصل أعماله، وتجارته لم تتأثر قيد أنملة.

وبعد عامين من المحاكمات والجلسات، أصدر القاضي قرارا يدين المئات من رجال المافيا ويعاقبهم بـ2650 عاما أي نحو 26 قرنا خلف القضبان.

رجال المافيا يدانون في المحاكم الأمريكية

 

رحلة التائب إلى أمريكا.. بداية تساقط رجال المافيا

من إيطاليا إلى الولايات المتحدة رحل "توماسو بوشيتا" العراب السابق للمافيا الصقلية، ليكشف مزيدا من الأسرار، فقد افتتح الرجل قبل 10 سنوات محل بيتزا في نيويورك كغطاء للتجارة بالهيروين القادم من صقلية.

وقد وشى "بوشيتا" للمحققين الأمريكيين بجميع شركائه وزعماء المافيا، وفي مقدمتهم المتهم الرئيس "دونتانو بادالمانتي"، وهو الرئيس السابق للمافيا الصقلية الذي فر لأمريكا خوفا من بطش "رينا".

وبعد أشهر من المحاكمة حكم على "بادالمانتي" و17 فردا من رجالات المافيا بعقوبات مشددة، الأمر الذي شكل ضربة كبيرة لتجارة الهيرويين القادم من صقلية.

وبعد "بادالمانتي"، بدأ زعماء المافيا الأمريكية يعتقلون تباعا، وكان أبرزهم "جون غوتي" رئيس "كوزا نوسترا" الأمريكية الذي حكم عليه عام 1992 تاركا الصراعات تستعر في المافيا.

"توتو رينا" كبير قادة عصابة المافيا يدافع عن نفسه ببراءة الذئب

 

"اكتبوا أن رينا ليس وحشا، فلديه زوجة وأولاد".. تدخل الجيش الإيطالي

لا شك أن الضربات التي واجهتها المافيا في إيطاليا وأمريكا أضعفتها فعلا ولكنها لم تقض عليها، فقد عاد زعيم المافيا الإيطالية "توتو رينا" إلى الواجهة مجددا في 17 مايو/أيار 1992 بمشهد دموي أسفر عن مقتل القاضي "جيوفاني فالكوني" وكل أفراد حراسته، وبعد أقل من شهرين قتل القاضي "باولو بورسلينو" في انفجار عند زيارته لوالدته.

هذه الاغتيالات المتتالية أخرجت الشعب عن طوره وخرج بمظاهرات يطالب السلطات بالتحرك الحاسم، وهذا ما حصل، إذ هبط 7 آلاف جندي من الجيش الإيطالي في صقلية للقضاء على المافيا هناك.

وفي أقل من 6 أشهر قُبض على "توتو رينا" وسط مدينة باليرمو التي عاش فيها 24 عاما، وقد قال مستغلا وجود الإعلام خلال محاكمته: اكتبوا أن رينا ليس وحشا، فلديه زوجة وأولاد، عندما يكون لديك عائلة لا يمكنك القيام بهذه الجرائم التي يتهمونني بتنفيذها.

أدين "رينا" وحكم عليه بعدة مؤبدات وسجن بظروف خاصة بالمافيا وكان يخضع للمراقبة بالكاميرات على مدار الساعة.

وبعد سجن "رينا" تسلم ساعده الأيمن "برناردو بروفنزانو" رئاسة المنظمة في صقلية، وأرسى قواعد جديدة أعادت المافيا إلى سابق عهدها كأخطبوط صامت يمد أذرعه في كل اتجاه، واعتمد استراتيجية "باكس مافيوزا" (مصطلح يعني المافيا المسالمة التي تتجنب العنف)، وأعطيت الأولوية للأعمال التجارية واختفى العنف.

القبض على العراب "بروفنزانو" الذي تزعم المافيا 13 عاما

 

كوب ساخن وإنجيل.. القبض على خليفة "كوزا نوسترا" العجوز

واجه العراب الجديد "برناردو بروفنزانو" تحديا خطيرا ووجد نفسه في ورطة، فماذا سيفعل بكل العرابين الذين فروا لأمريكا خلال عهد "رينا"، فانقسمت المافيا الصقلية بين من يريد استعادة التجارة مع المافيا الأمريكية وعودة العرابين المنفيين، وآخرين يرفضون ويخشون موجة انتقامية ويرفضون عودة المنفيين.

رغم كل شيء لم يستطع "بروفنزانو" السيطرة على هذين التيارين ورجالهما اللذين هددا بالحرب وعودة العنف.

وفي أبريل/نيسان 2006 ألقي القبض على العراب "بروفنزانو" الذي تزعم المافيا 13 عاما، فوجد عناصر الأمن رجلا مسنا أمامه كوب ساخن ونسخة من الكتاب المقدس، وبدا الأمر وكأنه فيلم.

وبعد اعتقال "بروفنزانو"، وجد المنفيون أنفسهم أمام فرصة تاريخية للعودة إلى صقلية وتزعم المافيا، ولكن عمليات مشتركة ومنسقة بين السلطات الإيطالية والأمريكية أفشلت محاولات العودة وألقت القبض على العشرات في باليرمو وصقلية ونيويورك، واعتبرت الحملة بأنها الأكبر منذ ثمانينيات القرن الماضي.

من المستحيل أن نعرف حجم الروابط القائمة اليوم بين المافيا الصقلية وقرينتها الأمريكية، فلا تزال "كوزا نوسترا" تحتفظ بأسرارها، لكن من المؤكد أنها لو لم ترتبط ارتباطها الوثيق بعالم الإجرام في إحدى أقوى دول العالم، لما كانت جزيرة صقلية الصغيرة في البحر المتوسط أنتجت أشد العصابات رعبا في التاريخ.

ذات صلة

"إطلاق النار على المافيا".. عن مصورة وثقت اغتيالات المافيا
نقد سينمائي

"إطلاق النار على المافيا".. عن مصورة وثقت اغتيالات المافيا

أول امرأة إيطالية تعمل بالتصوير الفوتوغرافي لصالح جريدة إيطالية يومية، إنها ليتيتسيا التي أخذتها الجرأة لأن تترك زوجها ثم أطفالها لاحقا أثناء رحلة البحث عن نفسها وكيانها، حتى أخذها عشق التصوير الفوتوغرافي