تقارير

نابليون.. سنابك الخيل تستبيح أروقة الأزهر

 

تفتح الوثائقية ملف الجامع الأزهر بعد أكثر من ألف عام من تاريخ بنائه في سلسلة من أربعة أفلام تحكي قصة هذا الصرح الأشم منذ تشييده على يد الفاطميين وحتى أيامنا هذه، وفي الحلقة الثانية من هذه السلسلة المعنونة "ودخلت الخيل الأزهر" تبدأ من لحظة غزو نابليون بونابارت لمصر سنة 1798 ومحاولته استمالة الأزهر وعلمائه وصولا إلى انسحاب الحملة الفرنسية وحكم محمد علي باشا.

حسن العدم

في التاسع عشر من مايو/أيار عام 1798 ميلادية، أبحرت حملة عسكرية من ميناء طولون قوامها 35 ألف جندي تحملهم 300 سفينة، كان هدف نابليون الإستراتيجي أن يكون إمبراطور العالم، وكان من أهدافه القريبة أن يقطع الطريق على بريطانيا لمنع وصولها إلى مستعمراتها في الهند وما حولها، وكذلك للاستيلاء على أراض تحت سيطرة الدولة العثمانية.

وعندما رست السفن في الإسكندرية لقي نابليون وجنوده مقاومة شرسة من أهل الإسكندرية، وكان على رأسهم العلماء والفقهاء وأئمة المساجد، فما كان من الفرنسيين إلا أن قصفوا بمدافعهم عددا كبيرا من المساجد ودور العلم والمكتبات. وجاءت الحلقة الثانية ضمن سلسلة "الأزهر" التي أنتجتها الجزيرة الوثائقية بعنوان "ودخلت الخيل الأزهر".

في مواجهة غازٍ جديد

واصلت الحملة طريقها إلى القاهرة برا. وكما هو شأن الغزاة في كثير من الأوقات أرسل نابليون للشعب المصري رسالة تطمينات افتتحها بـ"بسم الله الرحمن الرحيم"، وضمَّنها عبارات الدين والإخاء والحرية والمساواة، ولم يفته أن يظهر احترامه للسلطان العثماني، وأن هدفه الرئيسي هو قتال المماليك الذين ساموا الشعب المصري سوء العذاب، وعرقلوا سبل التبادل التجاري مع التجار الأوروبيين، على حد تعبيره.

التقى الفرنسيون بالمماليك في منطقة إمبابة في القاهرة، وكان مراد بك وإبراهيم بك من زعماء المماليك يتخيلون مواجهة تقليدية من معارك القرون الوسطى بسلاح الفرسان والرماح والنبال، ولم يدر بخلدهم أن نابليون قد جاءهم بالمدافع والبارود والقنابل، وكانت النتيجة أن هُزِم المماليك شر هزيمة، وتفرقوا في البلاد بعد أن جمعوا أموالهم ونساءهم، فمنهم من فر إلى الصعيد ومنهم من اتجه إلى الشام، ولأول مرة صحا المصريون على غازٍ جديد غريب الدين واللسان، وهم وحيدون من دون قوة تحميهم.

هناك في رواق من أروقة الأزهر اجتمع ثلة من المشايخ والعلماء، كان الصمت يخيم على المكان، وضباب الحيرة يسيطر على الأجواء، تُرى ما عساهم فاعلون أمام هذا التحدي الخطير، واستقر الرأي عندهم على أن هذا الأمر واقع جديد يجب أن يتعايشوا معه بين خطين واضحين؛ أولهما أن يجنبوا أنفسهم والشعب مواجهة غير متكافئة ومحسومة لصالح القوة الطاغية مسبقا، وثانيهما أن لا يعطوا الدنية في دينهم وأن يبقى الأزهر وسائر دور العلم والعبادة في أمان من بطش الجنود.

من جهته، كان نابليون أيضا يحسب حسابات مختلفة فيما يتعلق بمكانة الأزهر ومنزلة شيوخه في قلوب المصريين، ولذلك تعامل مع هذه الجهة الهامة بالدبلوماسية التي كان يرى أنها تستحقها، فأسس ما سمي بالديوان الفرنسي، وهو مجلس استشاري، وعيّن فيه مشايخ من الأزهر على رأسهم شيخ الأزهر آنذاك الشيخ عبد الله الشرقاوي (هنا يجدر بالذكر أن عددا من العلماء والمشايخ لم يقبلوا أن يدخلوا في هذا الديوان مثل الشيخ أبي الأنوار السادات والشيخ الجبرتي). بل إنه كان يشيع بين فترة وأخرى أن نابليون قد اعتنق الإسلام، وكان يدخل إلى الأزهر بالجبة والقفطان أحيانا. وعندما سئل لاحقا عن هذه الحركات البهلوانية التي كان يمارسها في مصر هل كانت حقيقة أم دجلا، أجاب: كانت دجلا، ولكن من طراز رفيع.

أسس نابليون ما سمي بالديوان الفرنسي، وهو مجلس استشاري، وعيّن فيه مشايخ من الأزهر

الوجه القبيح للحملة الفرنسية

مرت الحملة الفرنسية خلال وجودها في مصر بعدة مراحل، كانت أولاها العلاقة الودية بين المجتمع المصري والفرنسيين، ومن مظاهر هذه المرحلة تأسيس الديوان الفرنسي، وانتشار الأسواق ونمو التجارة، وما كان يوصف بأنه تطوير العلوم التجريبية، والذي ظهر لاحقا أنه كان مجرد خداعٍ للشعب المصري بإجراء مجموعة من التجارب العلمية التي كان الهدف الرئيسي منها إظهار التفوق الفرنسي، ومدى حاجة وافتقار الشعب المصري لهذا النبوغ العلمي عند المحتلين.

ومن مظاهر الخداع الأخرى التي قد تكون أدت إلى المرحلة الثانية مع الفرنسيين؛ وهي مرحلة المواجهة، ما حدث مع شيخ الأزهر عندما أراد نابليون أن يوشحه بوسام الثورة الفرنسية الذي يحتوي على ألوان العلم الفرنسي، فما كان من الشيخ الشرقاوي إلا أن رفض هذا الوسام وألقاه أرضا، في تعبير عن رفض التبعية للمحتل الفرنسي، وفي إشارة واضحة للتفرقة بين المهادنة من أجل مصلحة الشعب المصري ومؤسسة الأزهر وبين الانقياد والخضوع للغازي المحتل.

تعمقت حالة من الإحباط الشديد والتوتر في صفوف الحملة الفرنسية، وباتت تفقد توازنها الذي حاولت المحافظة عليه بعد ضربتين موجعتين، أولاهما كانت عسكرية بهزيمتها في معركة أبي قير البحرية أمام الأسطول الإنجليزي بقيادة نيلسون، كانت نتيجتها الطبيعية والمباشرة قطع الإمدادات عن الجيش الفرنسي وعزله عن أرض الوطن، الأمر الذي انعكس ماديا واقتصاديا على عموم الشعب المصري، وذلك بفرض الضرائب الجائرة والرسوم المرتفعة لتغطية العجز الحاصل بسبب الحصار.

والثانية معنوية حيث سرت موجة من عدم الثقة في الشارع المصري تجاه الفرنسيين، خصوصاً بعد المواجهة مع الأزهريين، وكذلك بعد تنكر الفرنسيين لتعهداتهم باحترام الدين الإسلامي، حيث صارت مظاهر السفور والفجور والتعري وشرب الخمور مظاهر اعتيادية في شوارع القاهرة، مما جعل الشعب المصري المتدين بالفطرة يتململ ضيقا بهذه الممارسات.

أرسل نابليون جنرالا يدعى "ديبويل" لتهدئة نفوس الثوار

المَدافع في مواجهة المآذن

كل هذه المقدمات أدت إلى النتيجة الحتمية وهي الثورة على الأوضاع القائمة، حيث اجتمعت ثلة من الصف الثاني من علماء الأزهر، وشكلوا ما سمي بمجلس قيادة الثورة بزعامة أبي الأنوار السادات وعمر مكرم بك، وكانت مهمتها الإعداد والتحريض وكسب الأنصار، وكذلك التنسيق بين شتى طوائف الشعب من تجار وأصحاب حرف ومواطنين، كما تشكل الجهاز السري للثورة ومهمته نقل الأخبار والتجسس لصالح الثورة، وظهر من قيادات الثورة أيضا الشيخ الضرير حسين الجوسقي قائد ما يعرف بطائفة العميان، والذي تنسب إليه القيادة الفعلية للثورة.

وكان الجهاز الإعلامي للثورة يتمثل في 400 مئذنة سامقة في السماء تدعو إلى الجهاد وقت كل صلاة، وكان العصيان المدني الشامل باكورة فعاليات ثورة القاهرة الأولى.

أرسل نابليون جنرالا يدعى "ديبويل" لتهدئة نفوس الثوار وامتصاص غضبهم فقُتِل هذا في أحد شوارع القاهرة، وكانت هذه الشرارة التي أشعلت غضب الفرنسيين واستخرجت حقدهم الدفين، فقصف الجامع الأزهر بهمجية ووحشية لم يسبق لها مثيل، ودمرت بيوت على رؤوس أهلها وتناثرت الجثث في أروقة الأزهر والشوارع والساحات من حوله، واستباحت سنابك الخيل باحات الأزهر لأول مرة، وعاث الجنود فيه فسادا، وقتلوا المصلين العزل بدم بارد، ونجسوا المصاحف والكتب، وخيم صمت الموت على المكان، وما عدت تسمع إلا أنينا منبعثا من تحت الأنقاض.

أصبح همُّ نابليون الأوحد هو الخروج من هذه الورطة المذلة، فخرج من مصر متخفيا بقارب صغير منفرد، واستخلف عليها قائد القوات الجنرال كليبر، وفرّ راجعا إلى فرنسا.

في تلك الأثناء كان مرجل الانتقام يغلي في قلوب المصريين، وتنكر أحد الثوار واسمه سليمان الحلبي بزي متسول ودخل قصر كليبر بالأزبكية يستعطيه، فنهره كليبر وأشار له بيده للخروج من القصر، فطعنه سليمان بخنجرٍ مسمومٍ عدة طعنات في مقتل أدت إلى موته على الفور، وفرحت القاهرة أيما فرح بمقتله، وتهلل الناس استبشارا بالخبر العظيم.

ولكن المجاهد الشجاع سليمان الحلبي أعدم بعد محاكمة هزلية صورية، وتم إحراق يده اليمنى وهو حي، ثم نصب على الخازوق وترك عدة أيام قبل أن يدفن.

لم يفتّ قتل الثوار والتنكيل بهم في عضد المصريين، بل ترسخت لديهم القناعة بكذب ادعاء الفرنسيين أنهم جاؤوا لإنقاذهم، وكشفت الأحداث الموجعة عن زيف ذلك التمسح بأثواب العدالة والإخاء، وتمزق القناع عن وجهٍ قبيحٍ موغلٍ في الشر والهمجية، وانسحبت القوات من مصر تجر أذيال الخيبة والهزيمة في أغسطس/آب من عام 1801.

كان محمد علي يعرف مكمن قوة المصريين ومحور التفافهم، فكان يتودد إلى شيوخ الأزهر

ترويض الأزهر

في السنوات الخمس التالية للانسحاب الفرنسي دخلت مصر مرحلة انتقالية غير مستقرة، فالجيش الإنجليزي المنتصر يسيطر على السواحل ويتمركز في الإسكندرية، والصدر الأعظم العثماني دخل القاهرة، والمماليك بقطبيهم إبراهيم ومراد عادوا إلى القاهرة. غير أنه كان هناك رقم جديد ظهر في المعادلة المصرية، وكان يراقب الأحداث بذكاء عن كثب، إنه محمد علي باشا.

كان محمد علي قائدا لفرقة ألبانية دخلت مع الجيوش العثمانية إلى مصر، وكان يأمر جنوده أن يتعففوا عما في أيدي المواطنين، وألا يأتوا بأمر قبيح يشوه صورتهم وسمعة قائدهم، وهذا مما لفت انتباه بعض علماء الأزهر وعلى رأسهم عمر مكرم، فأجمعوا على أن شخصية محمد علي قد تكون الأصلح في هذه الفترة لقيادة مصر وشعبها إلى شاطئ السلامة.

من ناحيته، كان محمد علي يعرف مكمن قوة المصريين ومحور التفافهم، فكان يتودد إلى شيوخ الأزهر، ويولي اهتماما خاصا لعمر مكرم، فكان يذهب إليه بنفسه، ويقبل يده، ويجلس دونه، ويستشيره، حتى بايعه أهل الأزهر ومن ورائهم أهل مصر.

لكن هذا لم يرق للإنجليز فحرضوا السلطان العثماني الذي حاول أن يثني محمد علي عن الولاية، إلا أنه اصطدم بعصيان وشغب من الجماهير جعله يقبل أخيرا بتولية محمد علي أمر مصر، في مقابل توقيعه على عقدٍ مجتمعيٍ صيغ من قبل العلماء ووقِّع في دار القضاء، يتعهد فيه الوالي الجديد بالمحافظة على أرواح الناس وأموالهم، وعدم فرض الضرائب، وتحسين الخدمات.

آثر محمد علي أن يعمل بهدوء ودهاء، وأن يزيح خصومه من طريقه بالقوة الناعمة دون مواجهة صريحة في البداية، حتى إذا استقر له الأمر بعد أن بطش بالمماليك في مذبحة القلعة، وتخلص من القوات العثمانية (الجيش الانكشاري)، وانسحب الإنجليز والفرنسيون عن السواحل المصرية، ساعتها تفرَّغ لعلماء الأزهر وسحب البساط من تحتهم، وتحولت المهادنة إلى حالة من السطوة والاستعلاء، فقام بنفي عمر مكرم إلى دمياط، وبتحجيم باقي العلماء وتقزيم دورهم القيادي في المجتمع، وتقليص موارد الأزهر المالية بتقليص الأوقاف، والسيطرة على ميزانية هذا المعهد العلمي.

كانت أحلام هذا التاجر الأمي كبيرة، فهو يريد أن يرى حكمه في أسرة علوية قوية تمتد من بعده أجيالا، فقام ببناء الدولة على النظم الحديثة من الداخل، واتخذ لها جيشا نظاميا حديثا مسلحا، واعتنى بالجانب العمراني والبنية التحتية للبلاد، وأرسل المبتعثين لطلب العلوم في بلاد الفرنجة وعموم أوروبا.

وحتى يمتص غضب المصريين الذين كانوا يتهمونه بإرسال أبنائهم إلى بلاد الكفر، فقد كان يرسل إماماً مع كل بعثة، كان من أشهرهم آنذاك الشيخ رفاعة الطهطاوي.

يمكن وصف حقبة محمد علي باشا بأنها أسست بالفعل لتنحية مؤسسة الأزهر عن زعامة وقيادة الشارع المصري

الأزهر يحتضر

يمكن وصف حقبة محمد علي باشا بأنها أسست بالفعل لتنحية مؤسسة الأزهر عن زعامة وقيادة الشارع المصري، فقد بذرت الحملة الفرنسية البذرة الخبيثة لازدواج التعليم، وآتت هذه البذرة ثمارها الشيطانية في عهد محمد علي؛ لم يجتث الأزهر من جذوره ولكنه احتواه في زاوية ضيقة، ولم يستأصل رواده وتلاميذه ولكنه أوجد مسارا موازيا للتعليم (المدني) القائم على تصور الغرب وفلسفته في إقصاء الدين عن الحياة اليومية.

لقد أغدق العطايا على التعليم المدني الجديد، وضيَّق الخناق على موارد الأزهر، صار النور والحداثة والمستقبل مرهونا بخريجي السوربون، فيما وصم تلاميذ الأزهر بعتمة الماضي ومشايخ الظلام. فهل من سبيل إلى محو هذه الصورة النمطية التي تبلورت في الأذهان عن الأزهر وعلمائه، أم أن الهوة ستتعمق والمسافة ستتباعد بين الأزهر وقاعدته الشعبية من أهل مصر؟ هذا ما قد تكشف عنه الحلقات القادمة من هذه السلسلة، وللقصة بقية.