تقارير

نسيج القِبلة.. كسوة الكعبة قداسة وسيادة

 

خاص-الوثائقية

"ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب".. آية عظيمة من كتاب الله لامست قلوب المسلمين على مر العصور، جاءت في سورة الحج التي تحدثت بإفاضة عن ركن الإسلام الخامس، وعن قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، وما يرتبط بها من مهابة وتعظيم وشعائر قدسية.

الكعبة قبلة نحو ربع سكان الأرض في يومنا الحاضر، يعتبرونها أقدس مكان على هذه البسيطة، لم تنقطع أفكار تقديسها قبل الإسلام ولا بعد ظهوره، كان الاهتمام بكسوتها دليلا ساطعا على تمكنها من شغاف قلوب المؤمنين على مر العصور.

في هذا الفيلم الوثائقي الذي تبثه قناة الجزيرة الوثائقية تحت عنوان "نسيج القبلة.. تاريخ كسوة الكعبة" نسرد قصتها قبل البعثة المحمدية، مرورا بعصر الرسالة والخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم من الأمويين والعباسيين والعثمانيين وغيرهم، حتى وقتنا الحاضر.

كانت كسوة الكعبة بداية من الخصف

من البناء حتى البعثة

يربط أستاذ التاريخ الإسلامي خالد عزب الحديث عن كسوة الكعبة بالحديث عن بنائها، فمنذ سيدنا إبراهيم عليه السلام -وهو أول من بنى الكعبة- وحتى البناء الثالث للكعبة الذي قامت به قبيلة جرهم، مرورا بالبناء الثاني لها في زمن العمالقة؛ لم يكن للكعبة على مر هذه العصور كسوة.

وفي المرحلة التي تولت فيها قبيلة قريش حكم مكة قبل الإسلام، تروي الحكايات التاريخية أن تُبّع ملك اليمن مر بها في طريق عودته من فتح بعض المدائن في الجزيرة العربية، فأطعم أهلها وأكرمهم، وطاف بالكعبة، ثم رأى في المنام أنه يكسوها ويجعل لها بابا ومفتاحا، فأوصى أبناءه بفعل ذلك.

وهنا يشير أستاذ التاريخ الإسلامي خالد البكر إلى أن الحديث عن كسوة الكعبة يعود إلى ملك حمير تُبّان (تُبّع) أسعد أبو كرب الذي مر على مكة بعد حملته العسكرية على يثرب، فأقام في مكة ستة أيام كسا خلالها الكعبة، وعلى ما يظهر أنه كساها على ثلاث مراحل؛ الأولى بالخصف وهو الخوص والليف، والثانية كانت من الأنطاع وهي الجلود، ثم الأخيرة كانت من الوصائل وهي من القماش اليمني.

أما أستاذ الآثار الإسلامية مختار الكسباني فيقول إن تُبّع أعاد بناء الكعبة بعد سيل العرم، ثم أراد أن يزيدها بهاء وجمالا وتعظيما فقام بكسوتها بنسيج يمني، وهو أول من فعل ذلك في التاريخ.

وكانت كسوة الكعبة بداية من الخصف كما يشير الصحفي مؤمن المحمدي، ثم من الديباج اليماني والقباطي وهو نوع من القماش يصنع في مصر، وتطورت الكسوة من عهد تُبع إلى عهد أبنائه إلى عهد انهيار سد مأرب حيث لم تعد الكعبة تحت حكم اليمن.

ويفسر الدكتور خالد عزب قصة كسوة تُبع بالازدهار الذي وصلت إليه اليمن في ذلك التاريخ، وكيف أن هذا الملك أدرك قيمة هذه الكعبة لدى قبائل العرب التي تنقل له التجارة، فأراد استرضاءها عن طريق كسوة البيت المقدس لديها.

ثم أصبحت كسوة الكعبة من أفعال الوجاهة عند العرب، وقيل إن أبا ربيعة بن المغيرة المخزومي -وهو من وجهاء مكة- كان يكسوها عاما وقريش كلها تكسوها عاما آخر، لذا كان يسمى "العدل" لأنه عدل بفعله قريش كلها.

ثم انتقلت إلى قصي بن كلاب بعد أن تغلب على خزاعة ودانت له مكة، وأصبحت الكسوة عملا من أعمال السيادة، وانتقلت إلى أبنائه وأحفاده من بني هاشم، وأصبحت ملمحا من ملامح الشرف والزعامة في مكة.

الكعبة قبلة نحو ربع سكان الأرض في يومنا الحاضر

 

الفتح النبوي

يروي الدكتور البكر أنه في يوم فتح مكة أرادت امرأة أن تُجمّر الكعبة –أي تبخرها- فاحترقت الكسوة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكسوتها بالقباطي، كما كساها من البرود وهي أقمشة من اليمن.

لكن الدكتور عزب يشكك في رواية حريق كسوة الكعبة، على اعتبار أنها لو حرقت كسوتها لاحترقت الكعبة ذاتها لأنها كانت من بناء هش ضعيف. لكنه يقول إن حادثا في حجة الوداع طغى على باقي الأحداث بهذا الشأن، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو من أمر بكسوة الكعبة إعلانا لخضوع مكة لحكمه، "فكسوة الإسلام شيء وكل ما قبلها شيء آخر".

وفي عصر الفتوحات، تولى الخلفاء الراشدون بعد ذلك هذه المهمة، وبدأت تظهر تفاصيل الدولة، وأصبح الأمر بكسوة الكعبة شأنا من شؤون سلطة الدولة، خصوصا أنه يرتبط بأحد رموز الحج وهو أحد رموز الدولة.

فكانت تُكسى في عهد عمر بالقباطي الفاخر الذي يُحضر لها خصيصا من مصر، وكان من أفخر أنواع الأنسجة في العالم، وكان هذا دليلا على تعظيم الكعبة وقداستها.

أنشا العثمانيون وقفيات خاصة يذهب ريعها لكسوة الكعبة

صناعة الكسوة

تواصلت العناية بكسوة الكعبة بعد الخلفاء الراشدين حتى الخلفاء الأمويين، وكان الخليفة معاوية بن أبي سفيان يحرص على كسوة الكعبة في عاشوراء وكساها مرتين، كما فعل ذلك عبد الملك بن مروان بعد أن قضى على حركة ابن الزبير.

ورُوي أنه كانت توضع الكسوة فوق الكسوة لفرط اهتمامهم بتعظيم الكعبة، حتى ناءت من الثقل وشكا الحاجب ذلك للخلفاء العباسيين الذين وضعوا حلّا لتلك القضية.

وأصبح مركز الخلافة الرئيسي هو من يرسل الكسوة إلى الكعبة، ففي عهد علي أرسلت من الكوفة، وفي عهد الأمويين أرسلت من دمشق، وكذلك في عهد العباسيين أرسلت من بغداد.

واكتسب إرسال كسوة الكعبة طابعا سياسيا، فمن أراد أن يؤكد حكمه للدولة الإسلامية كان لا بد من أن يحكم الحجاز، وبالتالي تصبح أعمال الكسوة من اختصاصه.

كما يرى الدكتور البكر أن النفوذ السياسي عُبّر عنه بالسيطرة على مكة ذاتها والدعاء للحاكم في الحرمين، حتى استقر لدى المسلمين أن من يسيطر على الحرمين هو من يضفي على نفسه شرعية الحكم.

في عهد علي أرسلت الكسوة من الكوفة، وفي عهد الأمويين أرسلت من دمشق، وفي عهد العباسيين أرسلت من بغداد

بين اليمن ومصر

ظلت مصر مهد صناعة كسوة الكعبة، وتقول المُدرسة بأكاديمية الفنون إيمان مهران إن أهم طرز القباطي المصرية كانت في مناطق تنيس بهنسة والفيوم والصعيد، وتركزت صناعة الكسوة حتى نهاية عصر المماليك في منطقة بحيرة المنزلة.

وظهر ما بات يعرف بالمحمل المصري، وهو الموكب الذي كان يرافق نقل الكسوة من مصر إلى الحجاز، والذي أصبح عنوانا بارزا لموسم الحج كما يذكر الدكتور مختار الكسباني.

لبست الكعبة ثوبها الأسود البهي منذ العام 622 للهجرة في عصر الخليفة العباسي الناصر، ويرى بعض المؤرخين أن هذا اللون كان يرمز للحياد والاستقلال من كل حكم سوى حكم الله تعالى.

في العام 1250 ميلادية سيطر المماليك على القاهرة والحجاز، وكان المحمل الخاص بكسوة الكعبة جزءا من إضفاء الشرعية على حكمهم لهذه البلاد، لكن الدولة الرسولية في اليمن التي استقلت عن حكم الأيوبيين أرادت منازعة المماليك في هذا الشأن.

واحتدم الخلاف بين الرسوليين والمماليك بسبب الرغبة في السيطرة على مكة، ويرى الدكتور عزب أن محاولة إرسال الرسوليين لكسوة الكعبة يحمل جانبا روحيا دينيا فيه معاني التبرك والتقديس، لكنه لا يخلو من دوافع سياسية من أجل إثبات سيطرتهم على الحرمين.

وواجه الرسوليون صراعا مريرا مع المماليك الذين دانت لهم الأمور في النهاية، وبقيت الحجاز تحت سيطرتهم حتى حكم العثمانيون الحجاز.

ظلت مصر مهد صناعة كسوة الكعبة

العثمانيون.. اهتمام مضاعف

في العام 1299 ميلادية، وضع عثمان الأول ركائز الدولة العثمانية التي دام حكمها أكثر من ستة قرون، وتمكن العثمانيون من حكم مصر بعد حرب مع المماليك.

وبطبيعة الحال فقد سيطر العثمانيون على الحجاز والحرمين، وسلم شريف مكة مفاتيح الحرمين للسلطان سليم الأول الذي أعلن نفسه خادما للحرمين الشريفين.

ويقول أستاذ التاريخ الحديث الدكتور سهيل صابان إن اهتمام العثمانيين بالكعبة زاد عن غيرهم بسبب توافر الإمكانيات المادية لدولتهم، ولفرط تعلقهم بالكعبة والحرمين الشريفين.

وأنشأ العثمانيون وكالات تجارية في مصر خاصة لتمويل كسوة الكعبة، وكان التجار يفدون إليها لدورها الذي اكتسب طابعا دينيا مقدسا، ومن أهم تلك الوكالات "وقف الحرمين" التي كان يصرف من أرباحها ما يذهب لكسوة الكعبة المشرفة.

كما أنشا العثمانيون وقفيات خاصة يذهب ريعها لكسوة الكعبة، والمراسم التي تسبق ذلك مثل المحمل وخروج موكب الحج، وحتى النفقة على من يتولون خدمة الكعبة من سكان مكة. وبسبب التكاليف العالية فقد أوقف سلاطين مصر قرى كاملة من أجل كسوة الكعبة.

كانت الكسوة في البداية أربع قطع توضع على أربعة جوانب دون أي إضافات

تفاصيل الكسوة

كانت الكسوة في البداية أربع قطع توضع على أربعة جوانب دون أي إضافات، ثم مع تقادم الزمن وزيادة الإمكانيات بدأت تظهر التفاصيل ومنها باب الكعبة والزخارف والآيات القرآنية، وبعد ذلك حزام كسوة الكعبة، ثم بعض الاستدالات إلى أن وصلت إلى الشكل المعروف حاليا.

ويرى الفنان التشكيلي أيمن فؤاد أن زخارف الكعبة اقتصرت في البداية على الرسوم والزخارف النباتية والتصاوير الهندسية، ثم مع حركة إصلاح الكتابة التي تولاها ابن مقلة وابن البواب أصبح هناك مدخل آخر لوضع آيات من القرآن الكريم في طراز الكعبة.

وتؤكد إيمان مهران أن الكتابات الموجودة حاليا هي نفسها التي خرجت من مصر، وتشير إلى وجود 16 قطعة في كل جانب من جوانب الكعبة الأربعة، وكانت بارتفاع 14 مترا وهو ارتفاع المبنى، وكان ارتفاع الجانب التطريزي لكل جنب 95 سم.

ويلفت الدكتور عزب إلى العلاقة الوظيفية التي أنشأها الفنان المسلم بين وظيفة التحفة والتحفة نفسها، فقد كانت الآيات التي تُكتب على كسوة الكعبة تتعلق بالحج والعمرة وعبادة الله وتوحيده، وتذيّل باسم من أمر بصناعتها ومن صنعها وتاريخ ومكان الصناعة.

واختار العثمانيون القاهرة لتكون مركزا لصناعة الكسوة لقربها من مكة وسهولة نقل الكسوة لها، وكانت هناك دار خاصة معدة لصناعة الكسوة.

دوران المَحمَل.. موكب الكسوة

الحديث عن موكب إرسال الكسوة للكعبة يطول، فقد كان حدثا سنويا استثنائيا واكتسب طابعا احتفاليا بهيجا، وتستمر التحضيرات له مدة طويلة تبدأ من شهر رجب.

كان حفل إرسال الكسوة الخاص يبدأ بما كان يعرف بـ"دوران المحمل"، حيث تطوف الكسوة بعد أن تُعد في القاهر والفسطاط ويخرج الناس لرؤيتها.

ولم يقتصر موكب الحج من القاهرة على المصريين فقط، بل كان مكان الاحتفال بالمحمل تجمعا لكل قوافل الحجاج القادمين من أفريقيا وغيرها من المناطق التي تمر في مصر، وكان خط سير المحمل يبدأ من القاهرة إلى السويس ثم سيناء فالعقبة ثم بحرا إلى مكة المكرمة.

وقد أخذ المحمل بالإضافة للشكل الديني شكلا فلكلوريا متميزا، وكانت الحكومة تعتبر أيام المحمل أيام إجازة مدفوعة الأجر.

وكان الموكب يحمل كسوة الكعبة ومعها أشواق المؤمنين وعواطفهم، وتصحبه الأهازيج والابتهالات الدينية والضرب على الدفوف، ويرافقه ما يعرف بعفاريت المحمل الذين يقومون بحركات بهلوانية.

مصر وآل سعود.. نزاع على الكسوة

دان الحكم في مصر لمحمد علي باشا وأسس فيها الدولة العلوية، وحارب تحت راية العثمانيين الوهابيون في الجزيرة العربية خوفا من خروج حكمها من تحت العثمانيين.

وأمر محمد علي بتأسيس دار خاص لصناعة كسوة الكعبة في حي الخرنفش، وجلب لها صناعا مهرة وأدخل عليها الحرير وخيوط الذهب، وكانت صناعة الكسوة الواحدة تستغرق عاما.

وأصبحت صناعة الكسوة شأنا خاضعا لإشراف الدولة مباشرة، وبقي الأمر كذلك طيلة حكم الدولة العلوية في مصر حتى عام 1925 حين اعترض حكام الجزيرة العربية على موكب المحمل وقالوا إنه "بدعة" وكادت تقوم حرب في ذلك العام.

في العام التالي، توقف المصريون عن إرسال الكسوة، فأمر الملك عبد العزيز بتأسيس دار لصناعة الكسوة في منطقة أجياد قرب مكة، ونجحوا في تجهيزها فعلا قبل الموسم، وفي العام 1927 عادت مصر لإرسال الكسوة في العام التالي، لكن السعوديين رفضوها.

ظلت دار الكسوة بأجياد تقوم بصناعة الكسوة الشريفة 12 عاما ثم أغلقت، وعادت مصر بالاتفاق مع السعودية إلى إرسالها، إلى أن توقف ذلك نهائيا بعد حرب اليمن عام 1962.

وتولت الدولة السعودية عملية كسوة الكعبة وخدمة الحرمين الشريفين بشكل تام، ونُقل العمل في الكسوة إلى مصنع كسوة الكعبة المشرفة بمكة المكرمة، ولا تزال الكسوة الشريفة تصنع به إلى يومنا هذا.