“أغدا ألقاك”.. قصيدة شاعر سوداني خلدتها كوكب الشرق

أغدا ألقاك يا خوف فؤادي من غدِ
يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعد

آه كم أخشى غدي هذا وأرجوه اقترابا
كنت أستدنيه لكن هبته لما أنابَا

لطالما كان سعي الإنسان حثيثا في هذه الحياة وعلى مرّ العصور لأن يترك وراءه أثرا يخلدّ فيه ذكراه، أو بصمة تقول لمن خلفه من الأجيال إني قد كنت هنا، سواء على المستوى الفردي أو الجمعي وبأي شكل، ربما بفكرة أو كتاب، ربما بلوحة فنية أو انقلاب، ربما بحب أو حرب، بتمثال أو مقال، بلحن أو بأغنية أو بقصيدة، أو حتى بخبر صغير في جريدة.

هذا ما كان للهادي آدم شاعر السودان حين ابتسم له القدر وتخلدت ذكراه في قصيدة لم تكن في نظره أفضل ما كتب، لكنها كانت الأوفر حظا حين اختارت سيدة الغناء العربي أم كلثوم غناءها، مُكرسة بذلك نظرتها ومشروعها العروبي الشمولي في أن تغني لشاعر من كل بلد عربي تزوره.

في هذا الفيلم الوثائقي تحكي لنا الجزيرة الوثائقية قصة القصيدة المحظوظة من خلال حلقة من سلسلة “حكاية أغنية”.

الهادي آدم.. شاعر سوداني يحلق للقاهرة لكتابة الخلود

كان رجع صدى حفلات أم كلثوم الكبير من الجمهور السوداني العاشق لها ولأغانيها سببا كافيا لتعزم أمرها وتزور السودان في العام 1969، ولتقابل حُب جمهورها لها هناك بحُب أكبر حين وقع اختيارها على قصيدة “الغد” من ديوان “كوخ الأشواق” للشاعر السوداني الكبير الهادي آدم الصادر في العام 1948، وذلك من بين قصائد كثيرة رُشّحت لها لتغني إحداها.

استقبل الهادي خبر اختيارها هذا بسعادة عارمة، خاصة وأنه كان ينظر لأم كلثوم أنها المطربة الأهم إطلاقا على المستوى العربي وحتى العالمي.

وهذا ما دفعه لأن يطير من فوره بجناحين من فرح ورضا إلى القاهرة حين دعته أم كلثوم للقائها هناك، وذلك بمعية عميد الملحنين محمد عبد الوهاب لمعالجة القصيدة بالتعديل والتغيير والحذف أحيانا بما يتناسب مع اللحن والموسيقى وصوت السيدة كوكب الشرق، كيف لا يفرح ويرضى وهذه التعديلات والتغييرات وحتى التنازلات هي أولى الخطوات في طريق الخلود.

الشاعر الهادي آدم الذي قامت أم كلثوم بغناء قصيدته “أغدا ألقاك”

 

أنت يا جنة حبي واشتياقي وجنوني
أنت يا قبلة روحي وانطلاقي وشجوني
أغداً تشرق أضواؤك في ليل عيوني
آه من فرحة أحلامي ومن خوف ظنوني

“أغدا ألقاك”.. لقاء كوكب الشرق وموسيقار الأجيال

ها هي الآن قصيدة الهادي آدم توسم باسم جديد “أغدا ألقاك”، وها هو موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب ينفخ فيها من روح ألحانه الشجية ويقدّم لها بموسيقى تسلب الألباب تنساب من بين الأنامل الذهبية للموسيقى البارع الشاهد على هذا فاروق سلامة على الأكورديون.

ولا يكتفي عبد الوهاب بهذا، بل يتابع التأثيث لكلمات القصيدة بين درجات السلالم الموسيقية، يع

صورة تجمع كوكب الشرق أم كلثوم بالرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، حيث أجلت غناء “أغدا ألقاك” بسبب وفاته

تني بها ويهدهدها بعذوبة وشجن بين المقامات، وكأنها طفل صغير في حضن أمه الحانية.

وكما يذكر فاروق سلامة فقد شكلت هذه الأغنية تحديا للموسيقار عبد الوهاب، وأرادها أن تكون مذهلة وفريدة كما هي أغنية “الأطلال” للموسيقار رياض السنباطي.

كان من المتوقع أن تغني كوكب الشرق “أغدا ألقاك” عام 1970، لكن وفاة الرئيس جمال عبد الناصر وتعرض أم كلثوم لوعكة صحية حال دون ذلك، وأجّل إطلاق الأغنية إلى العام الذي يليه.

“وغدا تأتلق الجنة أنهارا وظلا”.. لحظة تاريخية في سينما قصر النيل

ها هي سيدة الغناء العربي يصدح صوتها الملائكي بأغنية “أغدا ألقاك” في الخميس الأول من مايو/أيار عام 1971 على مسرح سينما قصر النيل الذي ضم بين جنباته آلافا من عُشّاق أم كلثوم، كان من بينهم قطعا رجل أخاله في ذلك الزمان والمكان مكبلا بصدمة الفرح، ومسجونا في قفص ذهبي قضبانه من فخر ورضا وسعادة وأمانيّ كانت بعيدة المنال حتى هذه اللحظة التاريخية.

إنه الهادي آدم الذي خلدت ذكراه بقصيدة لم تزل حتى وقتنا هذا مدعاة للفخر.

وغداً تأتلق الجنة أنهاراً وظلاّ
وغداً ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولّى
وغداً نزهو فلا نعرف للغيب محلا
وغداً للحاضر الزاهر نحيا ليس إلا
قد يكون الغيب حلوا.. إنما الحاضر أحلى

بقي أن نقول إنه كما هو الحال لكل من غنت لهم أم كلثوم، فقد تحوّل الشاعر الهادي آدم من شاعر شهير غزير الإنتاج إلى شاعر ربطه الجمهور بقصيدة واحدة هي التي غنتها كوكب الشرق، وإن حاول هو مرارا أن يخرج من هذا القالب.