أرشيف فلسطين المصوّر.. تراث نادر مزقه الاحتلال وحفظته السينما اليابانية

من ضمن الاحتجاجات التي خرجت في عدد من دول العالم ضد العدوان الإسرائيلي الوحشي المتواصل في مدينة غزة، نقلت شاشات التلفزيون تظاهرة من اليابان لرجال ونساء كانوا يقفون بصبر في المطر حاملين الأعلام الفلسطينية. ومع أن الاحتجاج الياباني لا يبدو غريبا على طبيعة الأحداث المأساوية المتلاحقة، فإن ما لا يعرفه الكثيرين هو دور اليابانيين في حفظ تراث فلسطيني كان سيضيع للأبد لولاهم.

ذلك أن إسرائيل ذاتها حرصت أثناء احتلالها للعاصمة اللبنانية بيروت عام 1982 على أن تسرق التراث الفلسطيني المصور الذي كانت تحفظه منظمة التحرير الفلسطينية هناك، وأن تنقله إلى إسرائيل، فأضاعت بذلك جهودا كبيرة وطويلة لحفظ نضال وماسي الشعب الفلسطيني.

فكل ما بقي من ذلك التاريخ أنقذته الصدف فقط، فقد نجت نسخ من أفلام اشتركت في مهرجانات سينمائية خارج المنطقة العربية، أو بسبب جهود شخصية لمخرجي أفلام عن فلسطين حفظوا نسخا من أفلامهم في بلدانهم.

وبسبب هذه الظروف الاستثنائية التي يعيش فيها الفلسطينيون منذ عقود طويلة، يُعد ما قامت به جمعية “الموثقين اليابانيين” من حفظ التراث الفلسطيني المصور أمرا في غاية الأهمية، في توثيق تاريخ فلسطيني يعود إلى بداية الستينيات من القرن الماضي وحتى منتصف الثمانينيات.

من رسومات الأطفال الفلسطينين التي أظهرها فيلم “في مهب الريح”

بقيت قصة حفظ التراث الفلسطيني المصور في اليابان مجهولة للكثيرين في المنطقة العربية، حالها حال قصة التعاطف الشعبي الياباني مع القضية الفلسطينية، وقد بدأ منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، إلى أن قررت المنظمة اليابانية التي تحفظ هذا التراث، أن تعرضه للعامة بعد ترميمه وإضافة تعليقات مُهمة وغنية لهذه الأفلام.

مهرجان “إدفا”.. عروض لأفلام قصيرة من التراث الفلسطيني

وصلت بعض من الأفلام القصيرة إلى هولندا، حيث عرضت ضمن عرض خاص في مهرجان “إدفا” للسينما الوثائقية في العاصمة الهولندية أمستردام، وذلك في الدورة قبل الماضية (2022)، وبعد ذلك انتقلت هذه الأفلام لتعرض في متحف “فان أبا” في مدينة أيندهوفن الهولندية.

لم يكتفِ المتحف بعرض أفلام قصيرة من التراث الفلسطيني، بل جمع مقتنيات وتغطيات صحفية لنشطاء يابانيين من القرن الماضي لتوجيه الانتباه للقضية الفلسطينية في اليابان.

خصص المتحف الهولندي صالة مظلمة لعرض الأفلام الفلسطينية، وهي تعرض بدون توقف هذه الأفلام أثناء فتح المتحف، وكانت الصور والقصص الفلسطينية التي يعكسها جهاز السينما القديم على حائط المتحف تتواصل لتنقل أحداثا جسيمة صوّرتها كاميرات السينما حينها، من حروب وتهجير وعيش صعب في مخيمات اللاجئين، إضافة إلى فيلم نادر يظهر تاريخ العلاقة بين اليابان والقضية الفلسطينية.

“الطريق إلى المأساة”.. قصة فلسطين قبل الاحتلال

يعود أقدم أفلام المجموعة الفلسطينية إلى عام 1970، وهو فيلم “فلسطين.. الطريق إلى المأساة”، وقد أخرجه المخرج “دون كاتشلوف” بتكليف من جامعة الدول العربية.

فلسطينيون من فيلم “فلسطين.. الطريق إلى المأساة”

يغوص الفيلم القصير في الأرشيف البريطاني عن الاحتلال البريطاني لفلسطين، ويحاول أن يصوغ سيرة موازية لتلك التي قدمها الإعلام الغربي للأحداث في فلسطين في القرن الماضي.

يتوقف الفيلم القصير (21 دقيقة) عند محطات تاريخية مفصلية مثل وعد بلفور، وهو الذي مهّد للدولة الإسرائيلية في فلسطين، كما يعرض مشاهد من الحياة العامة في فلسطين قبل عام 1948، وتظهر الحياة اليومية المزدهرة، ويأتي ذلك على النقيض من الرواية الإسرائيلية التي تزعم أن الإسرائيليين وصلوا إلى فلسطين، فوجدوها صحراء ثم عمروها وأصلحوها.

“في مهب الريح”.. أحلام وهواجس يرسمها أطفال الحرب

الفيلم التالي على صعيد التسلسل الزمني هو الفيلم القصير “في مهب الريح” للمخرج “جاك مادفو”، وقد أنتجه مركز الإنتاج العالمي عام 1971، وعرض بمهرجان البندقية، وفاز بجوائز عالمية. يطلب المخرج من أطفال فلسطينيين يعيشون في مخيم للاجئين في لبنان أن يرسموا أحلامهم وهواجسهم.

تظهر رسومات الفيلم أمنيات الأطفال البسيطة، إذ يرسم أطفال كثر ما يحلمون به من بيوت تؤويهم، بدلا من الخيام التي يعيشون بها، كما تبين رسومات أخرى أثر الحروب القاسية على نفسيات الأطفال، فبعضهم رسم الطائرات الإسرائيلية التي قصفته في عام 1967، وهجرته من أمكنته الأولى.

“مشاهد من الاحتلال في غزة”.. فيلم بديع من مدينة الجرح الدائم

وعن غزة المدينة والجرح الدائم، يدور الفيلم القصير “مشاهد من الاحتلال في غزة” (1973)، الذي أخرجه المخرج والمناضل الفلسطيني المعروف مصطفى أبو علي، مؤسس وحدة أفلام فلسطين في بيروت. ينجز المخرج الفلسطيني فيلما بديعا تحريضيا من مادة صورية لم يصورها هو نفسه، بل صورتها وحدة تصوير فرنسية.

لقطات من فيلم “مشاهد من الاحتلال في غزة”

يقترب الفيلم من الحياة اليومية من المدينة التي كانت قريبة دائما من الانفجار، ويظهر قمع الاحتلال الإسرائيلي للمدينة عندما احتلها بصورة مباشرة بعد عام 1967. يمزج الفيلم بين الصور، ويضيف شريطا صوتيا مؤثرا للفيلم يتألف من أغان فلسطينية وطنية.

“اللعبة”.. أغلفة رصاص يلعب بها أطفال فلسطين

يظهر فيلم “اللعبة” للمخرج العراقي قيس الزبيدي -الذي أنتجته وزارة الثقافة العراقية عام 1973- مكانة القضية الفلسطينية عند صناع السينما الشباب العرب في السبعينيات من القرن الماضي، فقد جذبت فلسطين مخرجين عربا منهم الزبيدي، الذي سيشتغل حياته المهنية كلها ضمن أجواء القضية الفلسطينية، إضافة إلى جذبها للمخرجين الطليعيين الأجانب.

يصور المخرج في فيلمه “اللعبة” بشاعرية قاسية أطفالا فلسطينيين كانوا يلعبون مع مخلفات الحروب والاعتداءات الإسرائيلية التي وصلتهم. تظهر افتتاحية الفيلم الأطفال وهم يلعبون ببراءة بقطع معدنية، قبل أن يتبين أن ما يلعبون به هو أغلفة رصاص وجدوها قرب بيوتهم أو مخيماتهم.

وقد أخرج العراقي سمير نمر فيلم “كفر شويا” (1975)، ويتناول تكاتف المقاومة الفلسطينية في لبنان مع اللبنانيين المقاومين في جنوب لبنان، إذ يركز الفيلم الانتباه على المعارك التي كانت متواصلة قرب القرية اللبنانية التي أظهرت شجاعة فريدة للمقاومين بوجه القوات العسكرية الإسرائيلية المتطورة.

ومن العراق أيضا، يحتفظ المركز الياباني بفيلم “الحقل” الذي أخرجه العراقي صبيح الزهيري، ويصور بدون حوار قصة فلاح فلسطيني تصل إليه الحرب الدائرة. يبدأ الفيلم بمشاهد للفلاح مع عائلته، وينتهي بدبابات إسرائيلية وهي تصل إلى الحقل، وتنهي ذلك السلام والتناغم الذي كان موجودا.

“نداء فلسطين الملح”.. أغنية تعبر عن كفاح الشعب الفلسطيني

أخرج الرسام الفلسطيني إسماعيل شموط الذي كان نشطا في وحدة أفلام فلسطين، فيلم “النداء الملحّ” (1973)، ويصور الفتاة الفلسطينية زينب شعث وهي تؤدي أغنية “نداء فلسطين الملح”، وهي أغنية اشتهرت كثيرا حينها، وعبرت عن كفاح الشعب الفلسطيني.

طفل فلسطيني يلعب بأغلفة الرصاص في فيلم “اللعبة”

ومن عقد السبعينيات أيضا حفظ المركز الياباني فيلم “القنيطرة … موت مدينة” للمخرج “جيم كرانمر”، وهو يركز على ما حدث في مدينة القنيطرة السورية التي احتلت عام 1967. يبين الفيلم الدمار الذي لحق بالمدينة، وأدى إلى هجرة أغلب سكانها، ويقابل سكانا سابقين يروون أن قوات الاحتلال سرقت بيوت الناس، كما سرقت مقتنيات الكنائس والمساجد الموجودة.

أفلام الاجتياح.. توثيق جرائم الاحتلال في لبنان

حفظ المركز الياباني عدة أفلام جرت وقائعها في بيروت، وتتناول ما حصل للاجئين الفلسطينيين هناك، مثل الفيلم القصير “بيروت 1982″، ويسجل فيه الياباني “رايوتشي هيروكاوا” ما حدث في مجازر صبرا وشاتيلا عام 1982 أثناء الاحتلال الإسرائيلي للمدينة. وقد اشترك في تصوير الفيلم ياباني آخر هو “تاتسورو نونوكاوا”، وهو الذي سيلعب دورا كبيرا في جمعية حفظ أفلام فلسطين.

يسجل فيلم “بيروت” شهادات مروعة لفلسطينيين نجوا من الموت في صبرا وشاتيلا، وكانوا يتحدثون بجزع عن عوائلهم التي قتلت للتو، إذ صور الفيلم أثناء الحرب، ووثق مشاعر الصدمة للأحياء، وبعد اطلاعهم على جزء من الصورة لما وقع في أحيائهم وما حدث لأحبابهم.

كما يحتفظ المركز الياباني بفيلم “لبنان 1982.. عمليّة الأونروا الإغاثيّة”، وهو من إنتاج الأونروا (وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى). ويسجل الفيلم (14 دقيقة) جهود المنظمة الدولية في مساعدة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وبعد احتلال إسرائيل للبلد في عام 1982، إذ وجد اللاجئين الفلسطينيين يواجهون هجرة قسرية أخرى، على أيدي الجيش الإسرائيلي نفسه الذي كان وراء تهجيرهم الأول.

ويحتفظ المركز الياباني أيضا بنسختين من فيلم “إصرار”، الذي يروي إصرارا وعزيمة استثنائية للبنانيين وفلسطينيين وقفوا أمام الغزو الإسرائيلي لبيروت. أخرجت النسخة العربية من الفيلم “مونيكا ماورر” لصالح مؤسسة “صوت فلسطين.. صوت الثورة الفلسطينية”، وصورت وعرضت أثناء الاحتلال الإسرائيلي لبيروت، أما النسخة اليابانية فقد أخرجها المخرج “تيتسومارو إوتاني”، وتضمنت مشاهد ليست في النسخة العربية.

ومن الجدير بالذكر أن المخرج العراقي سمير نمر كان من مصوري المادة الأصلية لفيلم “إصرار”.

“كاوبوي”.. مزيج من أفلام رعاة البقر والمجازر الدموية

لا يقتصر الأرشيف الياباني على الأفلام التي تدور في فلك القضية الفلسطينية، بل يضم أفلاما أخرى، ليس من المعروف كيف وقعت في أيدي أصحاب هذا الأرشيف، منها الفيلم القصير “كاوبوي” للناقد السينمائي المعروف سامي السلاموني، ويوظف مشاهد من أفلام رعاة البقر الأمريكية مع صور المجازر التي ترتكب في العالم بأيدي الأمريكيين، أو الدول التي تدعهما الولايات المتحدة الأمريكية.

من فيلم “النداء الملحّ”

أما فيلم “مسرح الأمل” للمخرج الكويتي خالد الصديق، فيسجل جهود الدولة الكويتية في عام 1969، لتشجيع الأطفال الذين يعانون من إعاقات متنوعة، مثل المشاركة في الحياة الفنية والحياة العامة. يسلط الفيلم الضوء على تجارب مسرحية وغنائية نُظمت لهؤلاء الأطفال.

وأما فيلم “أيام في العراق” (1966) الذي أخرجه فيكتور حدّاد، فهو فيلم سياحي دعائي ينقل بسينمائية رفيعة مشاهد من المناطق الأثرية في العراق، ويدعو الراغبين في كل العالم إلى زيارة هذا البلد العريق بحضارته.

والغرض الدعائي هو الدافع وراء إنتاج فيلم “أهلا بكم في الأردن” (1964) للمخرج “توم هوليمان”، وإن كان الفيلم سيمر سريعا على وجود اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، ممن هُجروا بعد إنشاء دولة الاحتلال.

“فلسطين واليابان”.. تاريخ طويل من الاهتمام بالقضية

يضم الأرشيف الياباني بضعة أفلام تركز على العلاقة والاهتمام الياباني الخاص بالقضية الفلسطينية، ويعود بعضها إلى مطلع عقد السبعينيات من القرن الماضي.

يهتم فيلم “فلسطين واليابان” (1977) للمخرج “ت. ماكي” ببدايات هذه العلاقة، ويستعرض شبكات العلاقات بين البلدين. كما يستشرف عبر توليف متوازٍ آراء أطفال يابانيين وفلسطينيين بما يجري حولهم، ويقابل الفيلم مراسل جريدة يابانية في بيروت، ويناقش معه تاريخ علاقة الشعب الياباني بالقضية الفلسطينية.

ويحتفظ المركز الياباني ببرنامج تلفزيوني اسمه “الشرق الأوسط اليوم”، عُرض بين عامي 1974-1975، ويستعرض الأحداث التي كانت لها علاقة بالقضية الفلسطينية حينها، مثل الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير الفلسطيني، وسيكون الخبر الأكبر في الحلقة التلفزيونية اليابانية، إذ يستشرف البرنامج مع خبراء وأناس عاديين آفاق المستقبل بشأن تأسيس الدولة الفلسطينية، كما تعرض الحلقة مشاهد من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في بيروت.