عادل إمام في بغداد 2001: زيارة واحدة تحت الحصار وحفاوة لم ينسها العراقيون

تركت زيارة عادل إمام الاستثنائية الوحيدة إلى بغداد أثرا عميقا في نفوس العراقيين، كما تركت أثرها في نفس عادل إمام الذي حَيَّته الصحافة بلقب نجم النجوم.
وقد أطلق مشاعره قائلا إنه جزء من الشعب العراقي، معلنا بيقين المحب: “اليوم تاريخي، لأنني ألتقي الشعب العراقي في بغداد الصمود”، مؤكدا أن بغداد لم تغب عنه لحظة. كانت زيارة مزيجا من الكوميديا والتراجيديا، أضفت عليها روحيته حضورا محبا وجادا في آن.

كان ذلك في فبراير/ شباط 2001، والعراق يرزح تحت الحصار الاقتصادي في سنته الحادية عشرة، والفرح شحيح، وقد وصل عادل إمام وفرقته بموافقة الأمم المتحدة، وكان يحمل منصبا شرفيا سفيرا للنيات الحسنة.

سر اختيار “بودي جارد” بدلا من “الزعيم”
اقرأ أيضا
list of 1 itemend of listتصدرت الصحف عناوينها “عادل إمام قريبا في بغداد”، وقالت إنه سيعرض مسرحيته “بودي جارد” على أحد مسارح العاصمة، وإن ريعها سيخصص لأطفال العراق. وقبل ذلك راج في الوسط الإعلامي أنه سيقدم “الزعيم”، لأن نصها يحاكي معاناة المواطن العربي في كل زمان.
لكنه رأى أن “الزعيم” غير مناسبة لبغداد آنذاك، لا سيما مع حساسيات التشابه الدلالي مع شخصيتي صدام حسين ومعمر القذافي، فآثر السلامة الفنية والملاءمة الاجتماعية، واختار “بودي جارد”، التي كتبها يوسف معاطي، وأخرجها ابنه رامي إمام، لتكون رسالة ترفيه متوازنة مع ظرف البلاد وكرامة جمهورها.
الوفد المرافق للزعيم 58 شخصا..
في 19 فبراير 2001، وصل عادل إمام مطار بغداد، ضمن وفد قوامه 58 مرافقا، وقد سبقته فرقة فنية لتجهيز المسرح أثاثا وصوتا وإضاءة.
ضم فريق العرض سعيد عبد الغني، وعزت أبو عوف، وفايق عزب، ومحمد أبو داود، وعبد الحميد أنيس، وأحمد عبد الهادي، وتولت البطولة الشابة منال عفيفي أول مرة بعد سلسلة تغييرات، منها انسحاب رغدة وحلول دينا، ثم انسحاب دينا بعد وفاة زوجها سامح الباجوري.

المفارقة أن رغدة كانت في بغداد ضيفة لدى الرئيس، واعتذرت عن المشاركة. وقد رافق الوفد أربعة صحفيين، هم سمير الجمل، ومحمود سعد، والأمير أباظة، ومحمود موسى، ومعهم المصور حسن عبد الفتاح.
أول الغيث.. قبعة!!
في حوار مع هالة سرحان، يحكي عادل إمام بعض تفاصيل رحلته إلى بغداد، فحين نزل من الطيارة وجد صفا من المستقبلين، وكانت الريح عالية، فقام مساعده عادل سليمان، ووضع قبعة على رأسه كي لا يطير شعره، لا سيما مع وجود مصورين، لكن عادل فوجئ بمن يقول له: ما يصير يا أستاذ عادل ما يصير!

كان يحسب هذه الكلمات عتابا لطيفا، لأنه ظن أن الزيارة كانت متأخرة، وكأنه يقول له: لماذا لم تأت من زمان؟
لكن عادل عرف أن القبعة التي اعتمرها هي السبب في هذا الكلام، لأن عليها العلم الأميركي، ويؤكد أنه شاهد سحنات الناس وقد تغيرت!! تأكد إمام من زجاج صالة القدوم، وأدار القبعة قبل أن يخلعها.
وصايا عادل إمام
بحكم اطلاعه على أحوال السياسة، تخوف الزعيم من مزاح بعض أفراد فرقته، فجمعهم وقال بأسلوبه: إحنا رايحين دولة بوليسية.. بلاش كلام فارغ. لا إهانة ولا انتقاد.
وحذرهم من المبالغة في المديح قائلا: لو لقيت واحد قاعد يقول للعراقيين: يا سلام على الرئيس صدام حسين.. حاجة جميلة وعظيمة، قول له: مش كده، مش قوي كده.. هتودونا في داهية. خلي الموضوع شغل مسرح بس.
زيارة أولى للعراق..
وصل عادل إمام والوفد إلى مطار بغداد الدولي على طائرة مصرية، وقد استقبله نقيب الفنانين العراقيين الراحل داود القيسي، ووكيل وزارة الثقافة حميد سعيد، والفنان صادق علي شاهين مدير المسارح، وعدد من الفنانين العراقيين.
واصل طريقه إلى داخل صالة الاستقبال، ولم ينتظر الوكيل الذي كان يصافح بقية أعضاء الوفد. ثم قال للصحفيين: هذه زيارتي الأولى للعراق، وأنا سعيد بلقاء الشعب العراقي. موقف المصريين واضح جدا مما يصيب العراق، ونتمنى زوال مشاكله، ليعود إلى الصف العربي كما كان.

يقول المصور العراقي علي عيسى: ابتسم للجميع ثم دخل مسرعا، وحين سُئل أجاب: لم آت للسياسيين، بل للشعب والفنانين العراقيين المبدعين. في الاستراحة كان مرحا ويلتقط الصور مع الناس. منذ اللحظة الأولى بدا حازما ودودا.
ثم قال: التقيتُه في المسرح الوطني وفي التدريبات وفي مطعم الفندق، وكان يتصرف بعفوية. كان في التدريبات جديا ولا مجال للضحك والمزاح، لكنه في المطعم يعود إلى شخصيته المرحة اللطيفة، وكان تصوير المسرحية ممنوعا.
اتصال من زوجته..
يبدو أن زوجته هالة الشلقاني كانت غير مطمئنة تماما، لذلك اتصلت به. يقول الزميل الصحفي العراقي وسام فاروق: ونحن معه في مطعم الفندق جاءه اتصال هاتفي..
ألو.. أزيك يا هالة؟ (يخبر الطباخين بأنها المدام)
ويكمل حديثه: الحمد لله.. أنا بخير والعراقيون كلهم بخير، اطمئني.. أنا لسه واكل والطباخين قاموا بالواجب وزيادة، قدامي أكلات عراقية لذيذة..

ثم قال: الله يسلمك.. سلمي لي على الأولاد..
ثم عاد ليكمل أكله..
يعلق وسام: فهو يحب الأكل كثيرا أو هذا ما أكده في إحدى قفشاته!!
العرض الأول..
كانت الليلة الأولى من أربع ليال مساء الأربعاء 21 فبراير 2001 موعد العرض الأول، على خشبة المسرح الوطني ببغداد، وكان فيها حماس استثنائي، فقد امتلأت القاعة وهي تسع ألف مقعد، حتى جلس الجمهور على السلالم، وأضيفت كراسٍ لإدخال أكبر عدد، وباعت السوق السوداء التذاكر بأضعاف السعر.
تعطل البدء قليلا لتهدئة الصخب الباحث عن إطلالة عادل إمام، وما إن انفرجت الستارة حتى وقف الجميع يصفق دقائق.

قال “الزعيم” مازحا: أنا تعبت من الانحناء وعايز أمثل، فضحكوا وبدأت فصول الضحك.
في الختام ظل الجمهور واقفا يرفض المغادرة، فأمسك البوق، وقال: جئت أحمل حبي وأشواقي لشعبكم، وأتمنى عودة العرب إلى العراق قلوبا وأهدافا موحدة ضد عدوهم الأوحد.
لا مكان للسياسة..
حاول عادل إمام على قدر ما يستطيع أن يبعد السياسة عن زيارته، وأن يتحدث إلى الجمهور مواطنا عربيا يشعر بما عليه المواطن العربي في العراق، وينقل عنه أنه “في المسرح كان ينزل ويصافح المسؤول الذي يحضر، وينتهي الأمر، لأن مهمته واضحة، جاء للناس وهدفه الناس، وإذا جاء القادة إلى المسرح فإنهم يصبحون من الناس”.
لكنه كان يرفض أن يذهب للقاء الرئيس والوزراء في مقراتهم، وكان يقول: “أهلا بهم في مسرحي”، كما نقل عنه أنه قال: “أنا لم أطلب لقاء صدام حسين، كما لم يطلب مني ذلك”.

ويقول محمود سعد: أرسل له مسؤول كبير للغاية في الدولة، حتى يذهب له الزعيم كي يسلم عليه، لكن رفضه جاء بصورة مباشرة.
ثم قال لهم: لا أنا مبروحش لحد، اللي عايز يسلم عليا، ييجي يسلم عليا في الأوضة. والله هذا ما حدث وأنا موجود معاه، والراجل جاله، ولم يتحرك، لأن عنده عزة.
لكن الذي قيل من مناوئي عادل، إنه جاء إلى بغداد وكان النظام يحتضر، وفسرت الزيارة على أنها “دعم للنظام”، مع تأكيده أنه إنما يدعم الشعب العراقي.
ويبدو أنه استفاد من تجربة الفنان محمد صبحي الذي سبق أن عرض مسرحيته في بغداد، والتقى الرئيس صدام حسين مما أثار جدلا واسعا في الأوساط الشعبية والفنية.
أبعدوا الأسلحة
كان موقفا استثنائيا، ذلك الذي فوجئ به عادل إمام، قبل أن يصعد خشبة المسرح ويبدأ عرضه المسرحي، وقد عرف أن نائب الرئيس طه ياسين رمضان قد جاء لمشاهدة العرض، لكن أفراد حرسه صعدوا بأسلحتهم الشخصية إلى خشبة المسرح لحمايته.

يقول عادل إمام: على المسرح وجدت رجالا يشبهون صدام حسين بالبنادق، طول وشوارب، يقفون على خشبة المسرح. سألت: من هؤلاء؟ قالوا: حرس. قلت: يحرسون من؟ فالمسرح فكره هو الذي يحميه، ثم طلبتُ أن ينزلوا وأصررت على ذلك.
جرت مفاوضات بين عادل إمام والمسؤول، الذي تحجج باكتظاظ القاعة بالمتفرجين، وفي النهاية كان رأي عادل إمام هو الغالب، فنزل الحراس.

لكن الظريف أنه حين صعد على الخشبة نظر إلى الحراس، وكانت ظهورهم للخشبة ووجوههم على المتفرجين، فقال للجمهور: “ربنا يعديها على خير.. أول مرة واحد يتفرج علي بقفاه!” واهتز المسرح ضحكا بما فيهم الحراس.
عادل في الكاظمية!!
توزعت أغلب أوقات عادل إمام في بغداد بين الفندق والمسرح، لكن الصحفيين سمير الجمل ومحمود سعد غافلاه، وذهبا إلى الكوفة وبابل والنجف. يقول سمير إن محمود كان يحكي له عن مرقد الإمام علي، والعتبات المقدسة، وآثار بابل فجن جنونه، وقرر الخروج برغم الحراسة.
وقد رد على المعترضين: لست زعيما سياسيا تخشون علي من بطش الخصوم، أنا صانع البسمة للجميع.
وكان الحل الوسط جولة بالسيارة في شوارع بغداد، والتوقف لشرب العصير، فاستجابوا، ووعدهم بالعودة سريعا حفاظا على الخطة، منعا لأي حرج أمني.

خرج الجميع وقت الظهر الذي تكون فيه بغداد أكثر هدوءا وأقل صخبا وزحاما، وكان القرار الذهاب إلى مدينة الكاظمية، التي هي إحدى ضواحي بغداد، وتقع شمالها، وأخبروه أن فيها مرقد الإمام موسى الكاظم، وأنها منطقة شعبية، وعززوا وصفها له بأنها “تشبه السيدة زينب والحسين في القاهرة، حيث المطاعم ومحلات الصاغة والباعة على الأرصفة”، ويبدو أن هذا جعله يصر على زيارتها، فانطلق الموكب إلى الكاظمية.
يقول سمير الجمل: وصلنا بالقرب من مرقد الإمام الكاظم، ونزل عادل من سيارته صوب محل العصير، وفجأة وجد البائع نفسه وجها لوجه أمام النجم الكبير فلم يصدق نفسه. وما هي إلا دقائق معدودات حتى أصبح الشارع كتلة بشرية واحدة، فاختفت البضائع المفروشة تحت أقدام المتلهفين لرؤية نجمهم، واندفع زوار المقام من نساء ورجال وأطفال وعجائز. وصار الوصول إلى السيارات مستحيلا وقد ابتلعتها التكتلات.

ومع ذلك لم يكن القلق واردا، فهو في قلب جمهور يحبه، لكن عناصر الحراسة ارتبكت، وبدأت تذود عنه وتشق ممرا بصعوبة، ويروي سمير الجمل أنهم كانوا في هلع وخوف عليه، وهو في عالم آخر بين الناس. كأن لسان حاله يقول: لا أخاف ولا أفكر بعقلية الحراسة، فهؤلاء سيحمونني أكثر من المحترفين.
لم يدخل عادل إمام سيارته ليفر، بل وقف على أعقابها رافعا يديه يلوح للجموع، مشهد نادر تحيطه الهتافات ودمعات الفرح. كان يوما مشهودا لم تعرف المدينة مثله مع أي فنان. سجله المسرح الوطني وفندق الرشيد ومن عاشه من الجمهور والصحفيين في دفاتر الذكريات الجميلة، ليبقى حيا في الوجدان وذاكرة المسرح العراقي.
