نقد سينمائي

أطفال عبيد.. من الهند حتى أمريكا

قيس قاسم ـ السويد
تقرير الأمم المتحدة الواعد بإنهاء إستغلال الأطفال وعدم تشغيلهم كالعبيد، وإنهاء الإتجار بهم حتى نهاية عام 2016، دفع السينمائي هوبر دوبوا لتقصي مقدار تطبيقاته على الأرض، وما إذا كان بإمكانه تنفذ كامل أجندته خلال المتبقي من مدته التي لا تتجاوز الأربع سنوات. أول ما خطر على باله، وهو يستعد لفيلمه الوثائقي الجديد، الذهاب الى فيروز آباد الهندية، لا لكونها الأكثر تشغيلاً للأطفال في العالم، فحسب، بل لكونها المنطقة التي صور فيها وقبل عشرين عاماً أطفالاً عبيداً، من بينهم نادكيشور وكلاواتي، كانوا يشتغلون في صناعة الأساور الزجاجية في أحد المصانع المحلية.
عاد المخرج الفرنسي ومعه صورة فوتوغرافية للطفلين. أخذ الصورة وراح يسأل الناس عنهما. لم يتعرف عليهما أحد، فقد أخذتهما الحياة في دروبها وضاعا فيها، لكنه وجد بدلاً عنهم أطفالاً يعملون في أمكنة جديدة فراح يصورهم مبتدءاً من حيث ما أنتهى قبل عقدين من الزمن، فالأسباب التي تنتج الأطفال العبيد لم تختف، كل ما في الأمر ان أطفالاً جدد، وربما قسم كبير منهم هم أبناء الذين صورهم سابقاً، جاءوا ليكملوا عمل آبائهم. إنها دورة الإستغلال التي لا بد من وقف عجلتها يوماً، لبشاعتها وكثرتها، ففي فيروز آباد لوحدها ألاف منهم وفي الهند كلها يوجد ملايين من العبيد الصغار!.

ثمة تغيرات طرأت على المشهد العام، ولم تُغَيّر واقع الأطفال، من بينها أن الهند تمر بمرحلة إزدهار اقتصادي لم تشهد مثله منذ عقود، وأن منظمات المجتمع المدني قد إتسع نطاق عملها، وبفضل الأشكال الجديدة من الإتصال الإجتماعي تسمح بطرح موضوع استغلال وتشغيل الأطفال بقوة، وتُمَكن الناشطين والمدافعين عنهم بالتحرك وعلى مستويات عديدة. وفق المُتَغيرات الجديدة تحرك المخرج الفرنسي فراح وقبل كل شيء يتصل بالمنظمات ويسجل نشاطها فهي مَن يَقدر على تقديم الحقائق اليه وتَوصيله الى مناطق من الصعب عليه وحده الوصول اليها. ما سجتله كامرته يعد توثيقاً وكشفاً لجرائم فظيعة ترتكب في الهند بحق أطفالها. لقد قدم شريطاً واضحاً عن الآلية التي تتم بها عملية نقل الأطفال من بيوتهم وترحليهم الى معامل لا تتوفر على الحد الأدنى من شروط العمل الإنساني. أصحابها يذهبون الى بيوت الفقراء، يَعَدون خلال زياراتهم أولياء أمورهم برعاية وتعليم جيدين لأطفالهم إضافة الى رواتب تحسن من أوضاعهم الإقتصادية المتردية. بعدها ينقطع الإتصال ويظل الأطفال يعملون في أماكن مغلقة وبسرية. لا يذهبون الى المدارس ولا يتلقون راتباً مجزياً، يمرضون فيها وقد يموتون، وتسجيلاته لمداهمة نشطاء من المدافعين عن حقوق الأطفال، لواحد من تلك المعامل كشفت عن صورة مرعبة. لقد جاءت كتسجيل حي للحظة تحريرهم من آسرهم، قادته فيما بعد لبحث جديد كَشَف من خلاله تواطيء شركات تجارية عالمية في عملية تشغيل هؤلاء الأطفال. لقد تحول وثائقيه "الأطفال العبيد"، وعبر رصده تفاصيل التواطيء السري من نقطة الى أخرى، تحول من فيلم عن أطفال الهند الى أمثالهم في قارات العالم.
راح الى جمهورية بوركينا فاسو الأفريقية ليجد هناك ألاف من الأطفال القاصرين يعملون ليل نهار في استخراج معدن الميكا من حفر سخوتها تقطع الأنفاس. لقد فاجأته أعدادهم في هذا البلد، إذ بلغت نسبة ما يسمى ب"العمال" منهم أكثر من أربعين بالمائة من مجموع سكانها، وأكثر ما يثير الحزن في النفس أن الأزمة المالية العالمية تؤثر سلباً على سكان أفريقيا، فتزيد فقرائهم فقراً، ومشهد الأطفال الطوارق الذين جاءوا مع عوائلهم الى البلاد المجاورة بحثاً عن عمل انتهى بهم المطاف شحاذين في الشوارع، وعرضة فيها كي يتحولوا، وفي أي لحظة، الى عبيد في سوق تديرها آيادي خفية.
 في أمريكا اللاتينية واجه رأياً مختلفاً، ومن بعض المدافعين عن حقوق الأطفال أنفسهم، يدعون فيه الى السماح لهم بالعمل ولكن بشروط واضحة ورقابة شديدة. ومن خلال العاملين في مشروع "لو هيناس" لتخليص الأطفال من العمل في المزابل، إستمع الى وجه نظر تقول: ان الوضع أعقد مما يتصوره المرء، فالكثير من العوائل الفقيرة تعتمد في بقائها على قيدالحباة على ما يصلهم من مساعدات أطفالهم ومنع هؤلاء من العمل يعني عودة جميع أفراد العائلة الى المزابل ثانية. في مشروعهم إقترحوا تشغيل الأطفال يومين أسبوعياً وبقية الأيام يذهبون فيها الى المدارس فهي من يفتح لهم آفاق المستقبل.

المنظات العالمية وممثلوها أكدوا خلال اجتماعات مؤتمر لاهاي على أهمية تعليم الأطفال فهو المفتاح لتخليصهم من الفقر مستقبلاً، وكلمة وزيرة خارجية الولايات هيلاري كلنتون، أثناءه، حفزت عند الفرنسي هوبر دوبوا، الذي سجل الكثير من تفاصيله وجادل به، فكرة الذهاب الى بلدها وتقصي حال الأطفال هناك سيما وأنه سمع من الجميع تأكيدات؛ بأن أمريكا هي من بين أكثر دول العالم دعماً للأطفال الفقراء، وتقوم بإنتظام بتقديم مساعدات مالية الى  ثمانين بلداً فقيراً، وتُعد من بين أكثرها تشديداً على قوانين حماية الطفل. في ولاية فلوريدا التقى الوثائقي عوائل مكسيكية جاءت للعمل الموسمي في قطف المحاصيل الزراعية وما سمعه منهم أثار حيرته. لقد فهم ان أطفالهم يعملون معهم طيلة فترة مكثوهم غير الشرعية في الولاية، لأن عملية نقلهم واقامتهم يرتبها سراً صاحب المزرعة الأمريكي وما عليهم سوى العمل ليل نهار ثم مغادرة البلد سراً مرة أخرى دون توفير أي ضمانات صحية لهم ولأطفالهم، الذين يستغلهم أصحاب المزارع كعبيد بمعنى الكلمة. اسئلته الملحاحة أوصلته الى منظمات حقوقية أمريكية أكدت له ما سمعه من المكسيكيين، فقوانين بلدهم لا تعتبر عمل الأطفال في الزراعة ممنوعاً، ووفق قانون عام 1938 والذي ما زال سارياً حتى اليوم  يسمح للصغار بالعمل في الزراعة كونها لا تصنف من بين الأعمال الخطرة. لقد سجل "الأطفال العبيد" الأثار التي يتركها العمل في الغابات الباردة وداخل البيوت الزجاجية على صحة الأطفال، فالكثير منهم يصابون بأمراض خطرة والبعض منهم يموت بسبب قسوة الظروف الطبيعية وسوء الحالة الصحية، الأمر الذي يعد مفارقة دراماتيكية في بلد يساعد الأطفال خارج حدوده، أما داخلها فأصحاب المصالح يعاملونهم مثل العبيد تماماً، وعملياً لا يختلفون في سلوكهم عن بقية تجار العبيد في مناطق أخرى من العالم.