نقد سينمائي

"أمغار" الحكيم.. أسطورة شيخ نافذ في قبيلة أطلسية

 

المصطفى الصوفي

جبال الأطلس في المغرب تبدو شامخة بعلوّها مزهوة ببياضها الآسر وثلوجها الجذابة التي تحكي ألف حكاية وحكاية، لعل أشهرها أسطورة عشق "إيسلي" و"تسليت" التي تحوّلت إلى موسم سنوي للخطوبة في منطقة أملشيل الساحرة التي يقصدها السيّاح من كل أنحاء المعمورة.

لا تزال مناطق الأطلس الأمازيغية تُحافظ على الكثير من العادات والتقاليد الموروثة عن الأسلاف منذ آلاف السنين، وتتجسد في العديد من الأشكال، منها نمط الحياة واللغة وقيم الهوية والأعراس والعلاقات الاجتماعية والطقوس في العديد من المواسم والاحتفالات والكرنفالات وغيرها.

كل هذا الفيض المجتمعي والثقافي والأنساق الاجتماعية وطرق العيش في تلك القبائل الجبلية النائية؛ شكل منطقة جذب للكثير من المخرجين المغاربة والأجانب لتصوير أفلام روائية ووثائقية ومسلسلات، عالجت مواضيع كثيرة همّت الطبيعة والوجدان، والأسطورة والخرافة والبدعة والفانتازيا.

 

"أيت ويرة".. قبيلة أطلسية أمازيغية مقاومة

"أمغار" قبيلة أيت ويرة بالقصيبة في محافظة بني ملال؛ تُعدّ أحد أنماط الحياة الاجتماعية التي تميز دواوير وقلاع تلك القبيلة الأمازيغية الموغلة في الثراء التراثي والفني والإنساني، كما تشكل نسقا فريدا في صيانة القيم النبيلة لأبناء الدواوير، والحفاظ على العادات والطقوس الاجتماعية التي ورثت عن الأجداد منذ مئات السنين.

المخرج بوشعيب المسعودي له تجربة في التعامل مع الفيلم الوثائقي مخرجا وكاتبا ومؤطرا للعديد من الورش ضمن مهرجانات مغربية وأجنبية، ومشاركا في لجان تحكيم كثيرة، حيث ولج إلى عالم هذه القبيلة الأطلسية الأمازيغية المكتنزة بالكثير من العادات والتقاليد من خلال شخصية "أمغار".

فيلم "أمغار" الذي أخرجه هو من فكرة رشيد الحجوي، وإنتاج شركة إبداع التي يديرها الطاهر العبدلاوي، وقد صُوّر في مناطق متعددة من قبيلة أيت ويرة ضواحي مدينة القصيبة الأطلسية المتاخمة لقبائل أمازيغية أطلسية مشهود لها بمقاومة الاستعمار من قبل عدد كبير من المقاومين، أبرزهم موحا حمو الزياني وغيره.

وتفتخر قبيلة أيت ويرة بأنها مشتل حقيقي لتصوير الكثير من الأعمال السينمائية الوثائقية، خاصة تلك التي تهم فترة الاستعمار والمقاومة الشرسة ضد المستعمر، لكونها أنجبت مجاهدين شجعان أمثال المقاوم موحى أوسعيد الويراوي. ويعتبر المقاوم الويراري رمزا من رموز التضحية القبلية والدفاع عن المقدسات والحفاظ على الهوية والتاريخ والتماسك الاجتماعي، حيث لا تزال ذكرى معركة "مارامان" التاريخية شاهدة على بطولته، وروح النضال المستميت والفروسية والمجد الوطني التليد.

لقطة من فيلم "أمغار"، حيث يلتقي أعضاء هيئة أمغار في السوق، كجزء من عادات وطقوس ترسخت لديهم منذ زمن

 

خيمة السوق الأسبوعي.. أعراف قبلية عربية مُتشابهة

يعتبر فيلم "أمغار" في هذا الجانب ملمحا اجتماعيا ومجتمعيا، وأيقونة قبلية صافية للشجاعة واتخاذ القرارات الصائبة، والمساهمة القويمة في كل ما من شأنه أن يُفرح الناس وساكنة الدواوير القبلية، وترسيخ قيم العدل والمساواة، ونبذ الظلم والتعسف وفق أعراف عريقة توارثها الأبناء جيلا عن جيل.

وبتقنية عالية يُسلّط الفيلم الضوء على مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية في القبيلة الجبلية، خاصة بجبال الأطلس المتوسط، وهي شبيهة إلى حد ما ببعض الأعراف القبلية العربية التي تعطي الأهمية لشيخ القبيلة في حلّ الكثير من النزاعات، لما له من وضع اعتباري وسلطة وارتكاز مبني على الاحترام والنزاهة والشرف.

يتشابه دور "أمغار" في الفيلم الذي عرض مؤخرا ضمن فعاليات الدورة الـ21 للمهرجان الوطني للفيلم بمدينة طنجة، بدور شيخ القبيلة مثلا في العديد من قبائل الصحراء المغربية، حيث يرجع إليه سكّان القبيلة والدواوير في الكثير من القضايا لحلّها بطرق ودية أو سلمية.

ويشكل السوق الأسبوعي فضاء للقاء والتواصل وقضاء الكثير من شؤون الحياة ومآربها واحتياجاتها، ومكانا يبسط فيه "أمغار" سلطته التقديرية بحضور الكثير من أعضاء هذا المجلس الذي يتشكل من أعضاء يمثلون دواوير القبيلة وجذورها. الجميل في طريقة الأحكام العرفية لأمغار بمساعدة نوابه -الذين يمثلون مختلف دواوير القبيلة ويتجاوزون السبعين- أنها تُقام في الهواء الطلق بالسوق الأسبوعي تحت خيمة بسيطة.

أمغار الذي يُعتبر بمثابة شيخ القبيلة يبتّ في قضايا أهل الدوار ومشاكلهم في ملتقى السوق الأسبوعي

 

ذو العمامة.. فض النزاعات المحلية

ويتلقى "أمغار" شكاوي الأهالي واحدة واحدة، ويبتّ في قضاياهم بطريقة متساوية وتلقائية، بينما يتحلقون حوله مُتعجبين من نباهة وعدالة هذا الرجل الحكيم. كما يشكل وضع "العمامة" وعشبة "النعناع" -التي تُعد بها كؤوس الشاي- على رأس "أمغار"، مظهرا آخر من مظاهر انتخاب أو تكليف شيخ القبيلة بهذه المسؤولية التي تعتبر تقديرا لشخصية مشهود لها بالشهامة والنخوة والعدل والكرم وتحقيق المساواة والحياد والنزاهة.

يُعدّ امتثال المدّعى عليه لقرارات "أمغار" -كما جاء في الفيلم- من خلال أحكام بسيطة لشكايات مختلفة؛ أحد أوجه التقدير والاحترام الكبيرين اللذين يكّنهما أهل القبيلة لهذه الشخصية القوية، وفي ذلك صورة لطقوس وعادات ترسخت لهؤلاء الأهالي منذ سالف الأزمان.

تتشكل المنازعات والقضايا التي يبث فيها "أمغار" من خصومات بسيطة حول مناطق الرعي للماشية في الجبال والسقي ومنابع المياه والسواقي، فضلا عن المسالك والطرق وشؤون الحرث والزراعة، وكلأ الماشية وغيرها من هموم الحياة اليومية للبدو هناك، حيث يصدر "أمغار" أثناء بتّه في قضايا الناس أحكاما غالبا ما يكون أقصاها إطعام نفر من القوم، وإعداد وليمة غداء أو عشاء لعدد من الأشخاص، عقابا لمخالفي أعراف القبيلة والمتجاوزين للأصول والحدود.

وبالرغم من التطور التكنولوجي ووجود محاكم وقوانين منظمة ومؤسسات حكومية، يكون من اختصاصها حل القضايا الكبرى؛ فإن هيئة "أمغار" لا تزال قائمة الذات حتى الآن.

"أمغار" قبيلة أيت ويرة بالقصيبة في محافظة بني ملال؛ تُعدّ أحد أنماط الحياة الاجتماعية التي تميز دواوير وقلاع تلك القبيلة الأمازيغية

 

سحر الطبيعة والعادات.. مقومات الهوية والتاريخ

يُعد هذا النمط القبلي في حلّ نزاعات المواطنين أحد أشكال صيانة الذاكرة القبلية المغربية، والحفاظ على الهوية والروح المجتمعية البدوية في الأرياف بطقوسها وعاداتها ذات الجذور العميقة في التاريخ.

بهذا العمل يُقدّم المخرج المسعودي نموذجا حيا من ثقافة مجتمعية خالصة عالجها بطريقة خلّاقة وفق رؤية فنية فريدة، زاوج فيها بين سحر الطبيعة والعمارة في مناطق الأطلس، وبين عادات الشعوب في الحياة والعيش. كما تجلّت عناصر تلك الثقافة المجتمعية من خلال فضاء السوق الذي يعتبر عالما متحركا يرسم ملامح مجتمع بأكمله في فرحه واحتفالاته وأحلامه وآماله وانفتاحه على الحياة بشموخ قمم الأطلس الشامخة.

بتقديمه لهذا العمل الوثائقي الذي مزج فيه بين الحكي والشهادات والمشاهد الواقعية لأمغار وهو يحلّ قضايا الناس؛ يكون المخرج قد قرّب للمُشاهد نسقا اجتماعيا فريدا لا يزال صامدا بكل مقومات الهوية والتاريخ، رغم الطفرة التكنولوجية الحديثة والبحث الأكاديمي والعلمي ومساطر القوانين.

في هذا السياق يمكن اعتبار فيلم "أمغار" لحظة إبداعية وسينمائية ساحرة لتوثيق عالم من عوالم التراث المجتمعي غير المادي، وفي ذلك محاولة فنية مهمة لإعادة الاعتبار للكثير من أنماط الحياة والمجتمعات والشعوب.

المخرج المسعودي يتحدث عن فيلمه "أمغار" بأنه جاء بعد مخاض عسير، وبعد فيلمه الوثائقي "أسير الألم"

 

نشر المحبة والصلح.. يوجد في الريف ما لا يوجد في الحضر

قال المخرج المسعودي في تصريح خاص للجزيرة الوثائقية عن هذه التجربة الجديدة إنها جاءت بعد مخاض عسير، وبعد فيلمه الوثائقي "أسير الألم" الذي شارك في مهرجانات عدة وحاز عدة جوائز، أبرزها الجائزة الكبرى للمهرجان الدولي الرابع للفيلم بدلهي الهندية. وأبرز أنه دائم البحث عن الفكرة التي تقدم إلى الجمهور شيئا مهما، خاصة على مستوى المواضيع التي تهم المجتمع والهوية والتاريخ والأعراف والتقاليد التي تزخر بها القبيلة المغربية.

وعن قصة الفيلم، يضيف المخرج أن أمغار يحكي بطريقة بديعة قصة ذاك الرجل القوي صاحب الشخصية الكاريزمية في القبيلة الأمازيغية الأطلسية الذي يحظى بتقدير واحترام الجميع، مما يؤهله لاتخاذ قرارات صائبة وحكمية في قضايا المشتكين، وتُحلّ بطريقة ودية دون اللجوء إلى القضاء أو المؤسسات العمومية.

وحول بُعده الاجتماعي، لفت المسعودي إلى أن الفيلم يرمي إلى إبراز الكثير من المقومات الاجتماعية التي "أصبحنا نفتقدها في عصرنا الحاضر، خاصة على مستوى المدن والحواضر الكبرى، إضافة إلى نفض الغبار عن عادات اجتماعية مغربية متجذرة في أعماق التاريخ".

وشدّد المسعودي على أهمية هذه التجربة السينمائية الوثائقية لما رصدته من مبادئ وقيم اجتماعية تتحقق على يد أمغار، بهدف نشر المحبة والصلح والإخاء بين سكان الدواوير المتنازعين والمتخاصمين حول قضايا تتعلق بالريّ والمياه وغيرهما.

المخرج بوشعيب المسعودي رفقة صاحب فكرة فيلم "أمغار" رشيد الحجوي مع ضيوف المهرجان الوطني للفيلم

 

مراحل إعداد الفيلم.. تحديات قانونية وفنية

قال المسعودي حول مراحل إنجاز هذا الوثائقي إن الفيلم مرّ بمراحل متعددة، أبرزها مرحلة البحث عن الفكرة وعن شركة الإنتاج، وإعداد الوثائق القانونية للتصوير وأماكن التصوير، والاحتكاك برجالات القبيلة، فضلا عن مرحلة التوليف والمونتاج وهي الأصعب.

وشدّد المسعودي على أن مرحلة المونتاج تُعدّ مهمة لدى كل مخرج، خاصة أن كل مخرج يبحث عن الطريقة الفنية التي يريد بها إيصال مادته الإبداعية إلى الجمهور والنقاد، على اعتبار أن الفيلم الوثائقي يحتاج إلى تقنية عالية في المونتاج، حتى تصل الفكرة والرسالة بشكل دقيق ومباشر إلى الجمهور.

وأثنى المسعودي على عدد من الباحثين والأكاديميين والنقاد الذين أسهموا في نجاح هذه التجربة، وهم رشيد فكاك وعبد الكريم العباسي وأبو ياسر الركراكي وغالية المرزوقي وأحمد سيجلماسي ونور الدين محقق وعبد الرزاق الزاهر وسعيد مزوار وعبد المجيد السداتي وعائشة حليم.

وعن فحوى رسالة هذا الفيلم، أكد المسعودي أن "أمغار" رسالة تحمل في طياتها الكثير من المواضيع الطبيعية واللغوية والهوياتية، ومنها ما يتعلق بالإنسان بإنسانيته وسليقته، هذا الإنسان المجبول على الكرم والسخاء وإصلاح ذات البين والتضحية وحب الأرض والتراب والشجر والحجر وكل مكونات عالم الأطلس والقبيلة.

المخرج بوشعيب المسعودي أثناء تصوير فيلمه "أمغار" في محافظة بني ملال المغربية

 

"حكايتي مع أمغار".. توثيق لنخوة الإنسان

أوضح المسعودي أن الفيلم لم يكن لحظة عابرة، بل ترسخت في كواليسه الكثير من قيم المجتمع التي قد تتشابه في مجتمعات وشعوب أخرى، قيم ترتكز على الإنصات لحكماء القبيلة ولنبض التاريخ والتقاليد وأوشام الأزمنة السحيقة.

وأضاف المسعودي أن "أمغار" تطلّب منه البحث والتمحيص في التاريخ الشفهي والمكتوب للقبيلة الأطلسية وعادتها، وهي في العمق محكيات تُروى في الزمان والمكان، وتمتد قصصها المشوّقة في مناطق مغربية مختلفة، وكذلك في بلدان عربية لها قواسم مشتركة في نمط الحياة، خاصة باليمن وفلسطين ومصر والجزائر وغيرها.

وخلص المسعودي إلى التأكيد على أن شيخ القبيلة يُعدّ كنزا إنسانيا ورمزا من رموز المجتمع الذي يجب الحفاظ عليه، موضحا أنه بدأ بكتابة مؤلف جديد سمّاه "حكايتي مع أمغار"، مستلهما عوالمه من تجربته وهو يصوّر الفيلم. إنه مؤلَّف يسافر عبره الكاتب إلى فضاءات ثرية تجود بعطر التاريخ والطبيعة، وتوثّق لنبض الوجدان ونخوة الإنسان.

ذات صلة