نقد سينمائي

أوكرانيا.. ثورة الروس

محمد موسى 

من بين العدد المتزايد من الأفلام التسجيلية التي تتناول الثورة الأوكرانية والأحداث العنيفة التي أعقبتها، والتي تصل إلى الشاشات العالمية تباعاً، يُعَّد فيلم "دولة دي آي واي" (DIY Country) للمخرج الإنجليزي أنتوني بوتس، الأول الذي يقدم المعسكر الآخر من النزاع المسلح، فبينما ركزت الأفلام الأخرى على ثورة الأوكرانيين (الذين يعرفون بالانفصاليين) ضد الفساد والوصاية الروسية على حياتهم، يقارب فيلم "دولة دي آي واي" ردات فعل أوكرانيين من أصل روسي على التطورات المتصاعدة في بلدهم.

صورة ملصق الفيلم

يركز الفيلم على  منطقة دونيتسك، البعيدة كثيراً عن قلب أوكرانيا، ويسجل ولادة جمهورية دونيتسك، التي كانت استجابة من روس يعيشون منذ عقود طويلة في أوكرانيا على ما يجري في مركز البلد. يرافق الفيلم مراحل تأسيس هذه الجمهورية التي لم يعترف بها أحد، حتى من روسيا التي تمد السلاح والمال والمقاتلين للدولة الفتيّة التي تسير على هواها.

توجه المخرج البريطاني الشاب إلى أوكرانيا بعد أسابيع قليلة على بداية الإضرابات في البلد، في خطوة أصبحت غير مستغربة عند عدد لا يستهان به من مخرجي الأفلام التسجيلية الأوروبيين، إذ إن بحث هؤلاء عن المواضيع الجديدة، تجعلهم يغامرون ويصلون إلى مناطق على شفا تغييرات وتحولات تاريخية، بنفس سرعة الصحافة والإعلام أحياناً، بما يتضمنه هذا من مخاطرة كبيرة تخص سلامتهم بالمقام الأول. أوكرانيا، وعلى خلاف مناطق مضطربة عديدة من العالم، لم توصد أبوابها بوجه المخرجيين الأوروبيين، وعلى رغم أن البلاد ستسقط في حرب فعليّة عنيفة، إلا أنها بقيت هينة على الإعلام الأجنبي، على عكس مناطق الحروب في الشرق الأوسط، التي حولها "داعش" وأشباهه من التنظيمات القاسية والأنظمة الشمولية، إلى أراض مُقفلة تماماً بوجه الإعلام وأي محاولات لتسجيل ما يجري هناك.

مخرج الفيلم "أنتوني بوتس"

يُوثق فيلم “دولة دي آي واي”، والذي عرض أخيراً في مهرجان (Hot Docs) للسينما التسجيلية في مدينة تورنتو الكندية، بدايات تَشَّكل جمهورية دونيتسك، وسيكون شاهداً على تقوض وانهيار عالم قديم وولادة عالم جديد. لكنه لن يكتفي بالتسجيل، بل يحقق في ظروف وقيّم العالمين القديم والجديد على حد سواء، ليصل إلى خلاصات تقول: إن الذهنيات الفاسدة التي جعلت العالم القديم يتهاوى، انتقلت إلى رجال العهد الجديد. يجد الفيلم الأبواب مفتوحة أمامه، ويتنقل بحرية وسلاسة، بين أصحاب القرار وفي الشارع بين الناس العاديين، ويكون قريباً من اللحظات المفصلية في تاريخ جمهورية دونيتسك. وعندما يعود المخرج إلى المنطقة بعد عام على مغادرتها، يواصل متابعة مصائر الشخصيات التي عرفنا عليها في فيلمه، لترمز مصائرهم على نحو ما آلت إليه الثورة في تلك المنطقة من البلد الأوروبي.

بعد مقدمة تعريفية، يشرح فيها المخرج بصوته، أحوال المنطقة التي وصل إليها، يبدأ فيلماً تسجيليا اتسم بالحيوية والدراية، وتخللته لحظات كوميدية عديدة، رغم قساوة وتعقيد القضية التي يقاربها. سيكون المخرج شاهداً على لحظات مفصلية عديدة، منها اجتماعات تأسيس الجمهورية، وبداية العنف في المنطقة، والشروخ التي بدأت تهدد النسيج الاجتماعي بين الأوكرانين والروس الذين يعيشون في البلد منذ عشرات السنوات. كما ستتوفر الفرصة للمخرج أن يتابع الأحداث الكبيرة على البشر في المنطقة، وقدراتهم على التسامح مع الماضي، فيقدم مشاهد مهمة للقاءات بين أعداء الأمس، الذين عليهم أن يتشاركوا سلاماً هشاً تعيش فيه المنطقة اليوم.

من الفيلم

ينتقي المخرج شخصيات معينة ويبرزها كنماذج إنسانية بملامح واضحة، تجعل من اليسير الاستدلال على شبيهاتها في ثقافات مختلفة. هناك مثلا "لينين"، الأوكراني الروسي الشاب الذي كان في طليعة من توجه إلى الشارع، والذي جذبه العنف، ليكون أحد القادة العسكريين المهمين. "لينين" هذا سيُعرف في مشهد في بداية الفيلم، بالشخصية الاخرى المهمة في العمل: القس الروسي، الذي اضطلع بدور مهم جدليّ في الثورة. "لينين" شاهد على تاريخ هذا القس ويحتقره من الداخل، لكن عليه أن يتعايش مع عواطفه. هناك أيضاً الموظف المثقف الذي سيصل إلى منصب مهم في الدولة بسبب مرونته ونفاقه، والمرأة البسيطة، التي آمنت بالثورة وكانت من أوائل من خرج إلى الشوارع، لكن حياتها لم تتغير والخيبة مما يجري وصلت سريعاً إلى روحها.

من الفيلم

يعكس النصف الثاني من الفيلم مآلات الثورة التي شهدنا على انطلاقها في بدايته. يعود المخرج ليلقي نظرة ثانية (ربما ستعقبها عودات أخرى)، إلى الشخصيات التي قدمها في بداية فيلمه، فيصل إلى "لينين" الذي يملك اليوم دوراً مهماً في القوة العسكرية للجمهورية، ويمثل اليوم أحد رموز فسادها المالي، والفساد سيكون قضية يركز عليها  الفيلم، ذلك أن الأموال التي تصل من روسيا إلى الروس الأوكرانين يذهب كثير منها إلى جيوب قادة الجمهورية. المخرج رغب أن يترك مشاهديه برسالة متفائلة، فيقدم في نهاية فيلمه لقاءً بين مقاتلين، الأول روسي خرج من السجن للتو، وأوكراني عُذِبَّ عن طريق المقاتل ذاته. يملك المخرج مشاهد مخيفة للتعذيب الذي تعرض له هذا الأوكراني، والتي يعرضها من أجل تكميل المشهد العام لتلك المصالحة.

يُحيط فيلم المخرج الإنجليزي الشاب بتلك اللحظة التاريخية في تاريخ المنطقة التي توجهه إليها. ويعود، قبل أن ينغمس في تعقيد حاضر الموضوع، إلى الماضي، ويشرح بتلخيص مميز عن ظروف ما قبل الثورة.  يجمع الفيلم بين قوة الشهادة التاريخية، وتسجيل اليومي الإنساني، والذي لن يأتي دائماً معتماً، فالحياة لا تتوقف حتى في أحلك منعطفاتها. صور المخرج الفيلم بنفسه، وقام بكل الأعمال التقنية الأخرى من صوت وإضاءة. هذا من شأنه أن يزيد من حميمية العديد من شهادات الفيلم. كما يُضَّمن المخرج فيلمه بمشاهد، تحمل جرعة كبيرة من الكوميديا، لكواليس التغطيات الإعلامية الغربية لما يحصل في المنطقة، كالمشهد الطويل، الذي يتبع بكاميراته مراسل إحدى القنوات الإنجليزية، والذي يظهر في كادره فريق العمل الذي لا نراه على شاشات التلفزيون.