نقد سينمائي

"أُمّ الربيعين".. أكبر عمليات التهجير الجماعي في التاريخ الحديث

 

محمد موسى

"كيف خيمتكم؟" هكذا تسأل آلاء -الطفلة الموصلية التي تبلغ الحادية عشر من العمر- بفرح عمها الذي التقته بعد أشهر من الغياب في مركز اللاجئين العراقيين حيث يعيش، لكن العم الشاب لا يرد مباشرة، بل يترك يده تسقط على كتف ابنة أخيه ويسير إلى جنبها في الطريق إلى الخيمة التي يسكنها مع عائلته. غطى الحماس والفرح ذلك اللقاء الذي صورته كاميرا الفيلم التسجيلي الهولندي "أُمّ الربيعين"، حتى بدت الحرب التي أجبرت الطفلة وعمها على النزوح بعيدة جدا. ما إن وصلت الطفلة إلى خيمة عمها وجدتها، حتى سقطت في حضن جدتها، واختفى وجهها لثواني طويلة في ثياب الجدة التي غلبتها الدموع.

ستكون هذه الطفلة التي عثر عليها مخرجا الفيلم الهولنديان "فريدريك مانسيل" و"لورينز سامسوم" بالصدفة في مخيم للاجئين في المنطقة التي يسيطر عليها أكراد العراق؛ هي المسار للفيلم التسجيلي الهولندي، فعبرها وعبر يوميات والدها سنتعرف على الظروف التي كان يعيش فيها مئات الآلاف من لاجئي مدينة الموصل، وبعدها سنرافق الفتاة ذاتها وعائلتها وهي تعود إلى الموصل المدمرة، لتبني ببطء حياتها هناك، بعد أن حررت القوات العراقية المدينة من قبضة داعش.

 

"اشتقت إليك".. رسالة إلى جدتي

يبدأ زمن تصوير هذا الفيلم التسجيلي بعد أيام من انطلاق عمليات تحرير الموصل. لن نعرف متى وصلت عائلة آلاء إلى المخيم، لكنه كان على الأرجح بعد بدء العمليات المسلحة لتحرير الموصل، فوالد آلاء كان يتحدث أحياناً عن المعارك التي وصلت منذ فترة قريبة إلى حيّه السكني، وعندما كان يستقبل لاجئين جددا في المخيم الذي يعيش فيه، كان يسألهم بالتفصيل عن سير المعارك في المدينة التي بدا أنه تركها للتو.

وصلت عائلة آلاء لوحدها إلى المخيم، وقبل أن تنزح عائلة جدتها لأبيها إلى مخيم آخر، في واحد من مشاهد الفيلم الافتتاحية؛ كان الوالد يكتب بالنيابة عن ابنته رسالة إلى أُمّه، وكان يمزح بحب مع ابنته التي أكثرت من كلمة "أحبك" في الرسالة، وطلب منها أن تفكر بكلمات أخرى عدا: "أحبك" و"اشتقت لك"، لتكتبها للجدة.

تقضي آلاء الكثير من الوقت في مساعدة والدها، بل أن هذه الطفلة كانت تدير الحياة في الخيمة الصغيرة التي تعيش فيها العائلة في المخيم، فهي تكنس وترتب الأغراض وتغسل أخاها الصغير وتحمل المساعدات الغذائية والماء الصالح للشرب إلى الخيمة.

آلاء تتكفل أيضاً ببيع بعض المساعدات التي تحصل عليها عائلتها في السوق التي نشأت في المخيم لشراء أغراض أخرى لا تقدمها المنظمات الإنسانية وتحتاجها العائلة. وآلاء أيضا هي من ترافق والدها في حياته اليومية في الخيمة، والتي تتألف في معظمها من تصيد الأخبار الآتية من المدينة، والترحيب باللاجئين الجدد الذين يصلون للمخيم.

ممثلة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والشؤون الإنسانية في العراق "ليزا غراند" أثناء عملها

 

يوميات مُديرة في الأمم المتحدة

بموازاة قصة عائلة آلاء الشخصية، يُركز الفيلم على عملية إنسانية دولية لإنقاذ أهل الموصل المحاصرين، ذلك أن الفيلم وبفضل المدخل الذي وفره السفير الهولندي في العراق "يان والتمانز"، سيكون قريبا من واحدة من أكبر عمليات التهجير الجماعي في التاريخ الحديث، كما وصفتها "ليزا غراند" ممثلة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والشؤون الإنسانية في العراق، التي سيرافقها الفيلم في الأيام الأولى من بدء عملية تحرير الموصل.

يسجل العمل اليومي للمديرة الأجنبية ولفريقها، وتفاصيل علاقتها مع السلطة العراقية التي تطبعها عدم الثقة، فالموظفة الدولية كانت على اطلاع بفساد السطات العراقية المالي، وكشفت ذلك بدون دبلوماسية لكاميرا الفيلم.

آلاء في المخيم تتوسط الأطفال

 

مشهد العذاب.. مأساة بشرية

تحصي "غراند" عدد العراقيين الباقين في مدينة الموصل، وتُذكر زملائها في اجتماع لهم، بأن ما يقومون به لم يشهده العالم من قبل، أي إنقاذ هذا العدد الكبير من المدنيين في فترة قياسية (أكثر من 700 ألف عراقي كانوا محاصرين في المدينة).

تحسب الموظفة الدولية أيضا الأموال التي تحتاجها عملية إنقاذ المدنيين في الموصل (بلغت 707 ملايين دولار في المرحلة الأولى لاستعادة الخدمات الأساسية في الموصل، والمبلغ المقدر لا يشمل تكاليف رفع الألغام والقنابل التي خلفتها المعارك). بدا القنوط على وجهها ووجوه زملائها، وهم الذين يعرفون جيداً صعوبة الحصول على هذه المبالغ.

تقضي "غراند" كثيرا من وقتها وهي تزور مخيمات اللاجئين في المناطق القريبة من الموصل، وتصطحب معها في ذلك أحيانا بعثات دبلوماسية أوروبية، كما فعلت مع السفير الهولندي في العراق. وهي الجولة التي غلب عليها الارتباك، فحتى أن موظفين دوليين لهم خبرات كبيرة مع المآسي البشرية بقامة الذين ظهروا في الفيلم، ضاعوا أمام اتساع مشهد العذاب وتكراره في العراق. في واحد من مشاهد زيارة السفير الهولندي إلى مخيم للاجئين، يجلس بين أطفال صغار، وعندما سألهم ماذا يتمنون، كانت عيون الأطفال تحدق به بحيرة.

بيوت مدينة الموصل المُدمرة جراء استخدام السلاح الكيمائي في المعارك التي دارت هناك

 

السلاح الكيميائي.. الكارثة المحتملة

يقترب الفيلم كثيراً من غرفة عمليات إنقاذ مدنيي الموصل، ويبرز اليأس الذي يصل إلى القنوط من جسامة المهمة، بخاصة لدى الموظفة الدولية التي كانت لا تتوقف عن إدارة الاجتماعات ولقاء المسؤولين الدوليين والعراقيين.

تُعيد "غراند" مراراً إحصاء عدد العراقيين الذين ما زالوا عالقين في معارك الموصل. وعندما تصل أخبار أن هناك من استعمل سلاحا كيميائيا، يسود الوجوم الجميع. تقود "غراند" بنفسها التحقيقات عن صحة تقارير استخدام أسئلة مُحرمة، وتشاور الحكومة العراقية التي بدا المسؤول المختص فيها لا يعرف شيئاً عن هذه الكارثة المُحتملة.

سيارة تنقل أغراض عائلة آلاء وهي في طريق العودة إلى الموصل

 

عائلة آلاء.. عودة إلى الحي الموصلي الفقير

كان الفيلم محظوظاً كثيراً، ذلك أن عائلة آلاء التي رافقها، ستعود سريعاً إلى الموصل فور انتهاء المعارك، وهذا ما سيمنح المخرجين فرصا مُهمة لتسجيل انتقالات وتبدلات جغرافية ونفسية كبيرة للشخصيات التي يسجلان يومياتها، وفي فترة قصيرة جدا.

يصور الفيلم محادثة هاتفية من داخل المخيم لوالد آلاء مع أقرباء له، يسأل فيها عن المبالغ التي يجب أن يدفعها لإيجار بيت صغير في الموصل بعد تدمير بيته، ويرافق الفيلم الأب وهو ينجز المعاملات الإدارية الخاصة بمغادرة مخيم اللاجئين، وبعدها حمل المتاع الصغير للعائلة على شاحنة قديمة تتوجه به إلى الموصل أو أُمّ الربيعين، وهو الاسم الثاني المعروف للمدينة العراقية بسبب لطف مناخها.

يتواصل اهتمام الفيلم بعائلة آلاء بعد وصولها إلى الموصل، حيث تسجل كاميرات المخرجين مشاهد للفتاة الصغيرة وهي تكنس الأرض الخشنة للبيت المهترئ الذي أجّرته العائلة. وعندما تخرج آلاء لجمع الثياب من حبل الغسيل، يتبيّن أن دمار القتال العنيف الذي ضرب المدينة قد وصل إلى الحي الفقير الذي سكنت فيه العائلة، بدلا من بيتها الذي دمرته الحرب.

ليزا غراند مع السفير الهولندي في العراق لمناقشة الأوضاع

 

السياسيون واللاجئون.. تناقضات المشهد الإنساني

بين خطين ومسارين مختلفين يتوزع زمن الفيلم التسجيلي، فهو ينتقل من مشاهد عائلية خاصة لعائلة آلاء، إلى عالم المنظمات الدولية المتعددة الجنسيات، لم تكن هذه الانتقالات سلسة دائماً، وإن كانت تبرز التناقض الذي سعى إليه الفيلم، وتمنح وجها بشريا للكوارث التي تخلفها الصراعات العسكرية. فمن مشاهد شديدة الشاعرية والحزن لجولة آلاء ووالدها في المدينة المدمرة، ينتقل الفيلم إلى مشاهد عن لقاءات رسمية بين "ليزا غراند" والسفير الهولندي في العراق مع الحكومة العراقية. وهي لقاءات غلب عليها الارتباك وأحياناً عدم الثقة والتخوين.

يتعثر الفيلم -وربما دون قصد- بموضوع الفساد المالي الذي يطبع أداء الحكومات العراقية المتعاقبة. في واحد من المشاهد الساخرة، تهمس "ليزا غراند" لأحد معاونيها قبل أن تلتقي وزيرا عراقيا، بأنها المرة الأولى التي يتم الاحتفاء بها من قبل حكومة اتهمتها سابقاً بالفساد.

وفي مشهد آخر يطالب محافظ الموصل في اجتماع مع منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية العاملة في العراق، بسيارات لكل المديرين الحكوميين في المدينة، وعندما يلتقي السفير الهولندي بطلاب جامعة الموصل، يكتشف أن الحكومة العراقية عرقلت ثلاث أرباع المشاريع التي كانت منظمات دولية تنوي تنفيذها بالعراق، لأن هذه المنظمات لم تسمح بمنح هذه المشاريع لأصدقاء مُقربين من الحكومة العراقية.

والد آلاء الذي يعمل سائق في سيارة أجرة بعد عودته إلى الموصل

 

يوميات سائق أجرة في الموصل

بعد أن يبدأ والد آلاء بالعمل كسائق في سيارة أجرة في المدينة، يتحول جزء من الفيلم التسجيلي الذي يرافق الشخصية في عملها إلى "فيلم طريق" داخل الموصل المدمرة، إذ يتولى العراقي الشاب طرح أسئلة على الراكبين معه عن المناطق التي أتوا منها، والمشاكل التي يعانون منها.

يأخذ والد آلاء مهمة الصحفي المحقق، ويسأل بتلقائية أسئلة مهمة عن حال المدينة، وكيف يُمكن أن يبدأ طريق البناء الطويل. في مقابل مشاهد التاكسي، يسجل الفيلم لقاءات عامة للمديرة "ليزا غراند" ومعها السفير الهولندي مع طلاب جامعة الموصل. غلب التأثر الشديد على الطلاب وأستاذتهم وهم يتحدثون بحرقة عن الأموال التي ينهبها السياسيون العراقيون، والتي قادت إلى الفوضى وداعش وتدمير المدينة.

آلاء تتجول مع والدها في شوارع الموصل المدمرة

 

بصيص أمل يخترق الموت الصامت

يَصِل الفيلم مشاهد يوميات عائلة آلاء و"ليزا غراند" بمشاهد صامتة من الموصل، بعضها صادم لدرجات كبيرة، مثل المشهد الذي يُركز على يد طفل ميت ترتفع من بين الأنقاض وكأنها تلوح للعابرين. والمشاهد العديدة لعراقيين كانوا يتمشون بين أنقاض ما تبقى من مدينتهم. من أولئك العراقيين من كان يجرّ بتعب الحقائب التي كانوا يحملونها معهم. أحياناً كان عراقيون يمرون من تحت لافتات إعلانية حديثة لسياسيين من المدينة وخارجها يسعون للترشح لأحد المناصب في الحكومة العراقية.

يتابع الفيلم التسجيلي حلماً للطفلة آلاء، فالأخيرة كشفت لوالدها أثناء وجودها في مركز اللاجئين بأنها تحلم بحديقة ذات أشجار عالية في بيتها القادم في الموصل. سيحقق والد آلاء هذا الحلم، ويأخذها إلى أحد محلات بيع الأشجار في المدينة، وينتقيان معا أشجاراً مُتنوعة، ويزرعانها في حديقة بيتهم التي تحيطها القمامات والأنقاض، في رمزية بالغة الدلالة عن الأمل الذي ما زال ينبض في قلوب العراقيين، وحلمهم بمستقبل مختلف، وبمدينة تستعيد ربيعيها.