نقد سينمائي

إسلام طفولتي.. فطرة الله الذي فطر الناس عليها

 

د. الحبيب ناصري

من منا لم يكتوِ ويستغرب أمام العديد من الهزات المتطرفة في العديد من بلداننا العربية، وحتى خارجها، لا لشيء إلا لكونها ترى أنها هي الإسلام، وأن على من بقي من المسلمين السير وفق منوالها وهواها؟

شكل التطرف عبر التاريخ الإنساني زمنا صعبا قاتلا للحق في الحياة والجمال والاستمتاع بوجهات النظر المختلفة التي تتعلق بما هو روحي ومادي وثقافي.

من منا لا يتذكر تلك العشرية السوداء في تاريخ الشقيقة الجزائر خلال فترة التسعينيات، وما عاشته من سَيَلان لدماء أبرياء كانوا يعيشون في أمن وأمان، إلى أن تم تأطير بعض العقول وإقناعها بأن "رؤيتها" للدين والحياة وقوانين تنظيمها هو الصحيح، وأن ما دون ذلك ينبغي تدميره بصفة نهائية؟

لقد شهدت بلاد المليون شهيد -شأنها شأن العديد من الدول العربية- تسلل "أفكار" متطرفة جدا ومُقصية للآخرين، بل ورافضة ومُصادرة لحقهم في الحياة وفق وجهات نظرهم هم، لا وجهات نظر من اعتقد أنه هو من يملك التصور والفهم الحقيقي للدين.

ضمن رؤية باحثة عن كل ما هو فني وثقافي وجمالي وإنساني، من الممكن أن نستعرض الفيلم الوثائقي "إسلام طفولتي" للمخرجة والإعلامية الجزائرية/الكندية نادية الزواوي، وأن نتساءل كيف يمكن الرهان على مثل هذه الأفلام في جعلها صوتا مفكِّكا ومخلخِلا لبعض جذور العنف والتطرف الغريبة على الجزائر، والتي عاشت فيها المخرجة طفولتها بشكل جميل في الجنوب، بعيدا عن فتاوى تكفيرية غريبة يحرم بعضها كل شيء حتى أكل المرأة للآيس كريم في الشارع لما له من إيحاءات جنسية؟

ما مضامين هذا الفيلم وما أبعاده، وما رؤيته الفنية الإخراجية، وقبل كل هذا، من هي مخرجة هذا الفيلم الوثائقي الجديد؟

نادية الزواوي مخرجة وكاتبة وإعلامية ولدت وترعرعت في الجزائر

 

ثقافة عابرة للحدود

نادية الزواوي مخرجة وكاتبة وإعلامية ولدت وترعرعت في الجزائر، وتعيش في كندا بمدينة مونتريال منذ 1988، حيث درست بكل من جامعة مونتريال وماك جيل (Mc GILL) في مجالي الأدب والصحافة، ثم عملت براديو كندا الفرنسي والإنجليزي، وأخرجت مجموعة من الأفلام لفائدة المكتب الوطني لأفلام كندا وقناة الجزيرة الوثائقية، وقد كان فيلم "سفر نادية" من أعمالها الأولى في المجال، ويندرج ضمن "فيلم المؤلف"، حيث نبشت فيه عن طبيعة الألم الذي تعيشه نساء مجتمعها الجزائري، وقد نالت عنه مجموعة من الجوائز.

كما أخرجت أفلاما وثائقية عديدة فيما بعد، ومنها فيلم "خوف وغضب وسياسة" (2011) الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية وراديو كندا، وهو يعالج قضية الإسلاموفوبيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وقد نال مجموعة من الجوائز داخل وخارج كندا، ولها كثير غير ذلك من الأعمال الإذاعية والتلفزيونية.

ولعل تتويجها ومشاركاتها المتعددة في المهرجانات وطبيعة المقالات المكتوبة عن أعمالها باللغة الفرنسية والإنجليزية يؤكد لنا طبيعة حضور هذه المخرجة المتميز في ثقافة الآخر، وربما العكس هو الحاصل في ثقافتنا العربية، أي غياب كتابات في نفس الحجم الغربي عن هذه المخرجة ذات الجذور الجزائرية والأمازيغية والعربية والأفريقية والإسلامية والإنسانية، إذ إنها متمكنة من اللغة الأمازيغية والعربية والفرنسية والإنجليزية، ولعل في هذه الخصوبة اللغوية والثقافية ما جعلها تدرك أهمية ربط الثقافة بسؤال العيش المشترك، ورفض كل المواقف المتطرفة والمتعصبة والميل نحو لغة القيم الإنسانية المشتركة الحالمة بما هو أجمل، والبقاء بمنأى عن الانغماس في لغة القتل القاتل للأفكار والمواقف والرؤى.

نادية الزواوي إذن هي مخرجة وإعلامية وكاتبة غايتها نقد المواقف وتحليل الممارسات الدينية والثقافية والاجتماعية بعينٍ غايتُها ربط الجسور بين الشمال والجنوب، والبحث عن صيغ إنسانية لعيش جماعي دون عنف ولا تطرف ولا إقصاء.

"إسلام طفولتي" فيلم وثائقي مطول مدته الزمنية 90 دقيقة أُنتِج عام 2019

 

بين إسلام اليوم وإسلام الأمس

"إسلام طفولتي" فيلم وثائقي مطول مدته الزمنية 90 دقيقة أُنتِج عام 2019، بنيت فكرته على العودة من محل إقامة المخرجة مدينة مونتريال بكندا، وهي مدينة منفتحة على جميع الثقافات والديانات، نحو بلدها الجزائر الذي عاش سابقا حقبة سوداء، من خلال ما مورس من قتل وتخريب للعديد من القيم الوطنية والدينية المعتدلة والإنسانية الجميلة التي عاشتها المخرجة كطفلة صغيرة.

ومن عنوان الفيلم يمكن استنباط فرضيتين على الأقل: "إسلام طفولتي" ليس كإسلام اليوم، و"إسلام طفولتي" مشابه لإسلام اليوم.

وهي عنونة تجعلنا نتساءل منذ بداية الفيلم عن طبيعة هذا الإسلام الذي عاشته في طفولتها، كما أنها عنونة صيغت بمكونين معجميين، أحدهما مستمد من الإنسان (الطفولة/الأرض)، والثاني يحيل إلى ما هو روحي (السماء).

ومنذ اللحظات الأولى من الفيلم المفيد شكلا ومحتوى حيث ظهور جماليات الحياة في مونتريال، يوضح لنا الفيلم ضمنيا طبيعة وموقع الطفولة في ذاكرة المخرجة باعتبارها خزانا جميلا للذكريات، ومن هناك يمكن الاحتماء بها أو جعلها أفقا ممتدا في الحياة، أي التمسك بالطفولة في كل مراحل العمر، لكونها مرحلة لها طعمها ولذتها ونظرتها للحياة البعيدة كليا عن أي شكل من أشكال التصلب الفكري والحياتي.

احتماء المخرجة بالطفولة والتماهي مع هذه الفترة العمرية ذات البعدين النفسي والاجتماعي المتمثل في الحق في اللعب والحق في الاستمتاع بالحياة؛ له ما يبرره في واقع إسلاموي عنيف يتجسد في غرابة الفتاوى وهيمنة أفكار إسلاموية غير معتدلة في الكثير من مناحي الحياة.

 

 

في البدء كان التعايش

ضمن فضاء عمومي مفتوح مفعم بالأجواء الجميلة مثل رقص الباليه الطفولي بالألبسة البيضاء التي تحيل إلى الرغبة في الاستمتاع بالحياة على إيقاعات البيانو في الشارع والرسم وقُبلة العريس لعروسه ضمن أجواء احتفالية إنسانية؛ على هذه الإيقاعات تحضر الصدمة الأولى والآتية من رحم "الفكر" التحريمي، حيث يظهر "فقيه" بجلباب أسود -يحيل إلى "الظلاميات"- يلقي "درسه" على أطفال صغار، ويشرح لهم باللغة الفرنسية محتوى حديث نبوي يحرم الموسيقى، ويقول لهم إن من يسمع الموسيقى ستمتصه الأرض وسيتحول إلى حيوان (قرد أو خنزير).

يأتي الرد الطفولي ليكون عبارة عن صيحة جماعية يُفهم منها مدى الرعب الذي أصاب هؤلاء الفتية الذين وُضعوا في زمكان غير زمكانهم، وقدمت لهم شروحات دينية من الممكن أنها ستجرهم وإلى الأبد إلى فكر التحريم والقتل والعنف وامتلاك رؤية واحدة للدين والدنيا والحياة والبشر والجماد. إنها رؤية: "أنا" من يفهم الدين، وما عليك إلا أن تتبعني ولا تفكر، ودعني أنا أفكر عنك، وافعل ما أقول لك، وإلا فإن مصيرك العذاب الدنيوي والأخروي.

من فضاء ثقافي عمومي كندي يحيل إلى جماليات العيش، نحو فضاء جغرافي استُنبِتت فيه أفكار غريبة عن ماضيه الذي لم يكن يعرف العديد من "المفارقات" المدهشة التي تسربت إلى العديد من شبابه الجزائري وفئات عمرية أخرى، ولعل ذلك راجع -كما جاء في الفيلم- منذ البداية إلى ثلاثة عوامل خطتها ورسمتها المخرجة وهي في بيتها في كندا تستعد لرحلتها نحو جذورها/ذاتها، لتستحضر طفولتها الجميلة المتعايشة مع الجميع.

هذه الدوافع التي كانت وراء استنبات فكر متطرف غريب عن الجزائر وعن كافة الدول العربية وغيرها، والتي شهدت العديد من الحوادث الإرهابية باسم الدين الإسلامي وباسم الجهاد في سبيل الله، بينما حقيقة وعمق وروح الإسلام هي فلسفة نورانية ربانية متسامحة ومتعايشة مع الإنسان والحيوان والجماد وكل مخلوقات الله التي يرى فيها المسلم جمالا وعشقا ربانيا بعيدا عن التعطش للغة الدم والخراب والدمار وقتل الأبرياء.. هذه المكونات هي: المدرسة والمسجد والإعلام.

لقد كان الفيلم صادقا ومتميزا وناجحا في قبضه على مكون حقيقي لم تنتبه إليه الجهات المسؤولة التي اكتوت بالعنف والإرهاب

 

المدرسة.. الفضاء المنسي

لماذا المدرسة؟ لأنها هي الفضاء المنسي الذي نسيه الجميع، ففيها عششت الأفكار الهدامة التي جعلت المتعلم أسير فكر هدام ومحفز على فهم مخالف للدين ولما كانت تتمتع به كافة مدن وقرى وجبال الجزائر.

لقد كان الفيلم صادقا ومتميزا وناجحا في قبضه على مكون حقيقي لم تنتبه إليه الجهات المسؤولة التي اكتوت بالعنف والإرهاب، ليس في الشقيقة الجزائر فقط بل في كل البلدان التي عاشت هذه الأحداث الدموية باسم الإسلام، وهو الدين الذي أتى لإسعاد الناس ولإزالة الخوف والرعب عنهم، بينما يسعى دعاة التطرف إلى تخويف الناس، ومن هنا التحكم في عقولهم وأجسامهم وتحويلها إلى قنابل موقوتة مدمرة للجميع.

لقد عشنا من خلال الفيلم رحلات عديدة نابشة بين زمنين متناقضين كما جاء على لسان كافة الشخوص المشاركة في الفيلم:

أ- زمن التربية في الماضي؛ حيث كانت الكتاتيب القرآنية والمدارس وكل المؤسسات التربوية والتعليمة تنتج مواطنين محبين للحياة والانفتاح، وهو ما تجسد في تلك الصور الفوتوغرافية بلغة الأبيض والأسود لفتيان وفتيات الجزائر وهم ينتشون بالتعلم والحياة بوجوه مبتسمة ملأى بالأمل والاطمئنان.

ب- زمن التربية في الحاضر؛ حيث تحولت العديد من المؤسسات أوكارا لتفريخ عقول مغيبة باحثة عن "الموت" وراغبة من خلاله في الفوز بالجنة عبر الاعتداء على الأبرياء.

حينما نقول المدرسة فإننا بطبيعة الحال نستحضر بنية تربوية وثقافية وفنية وجمالية وإنسانية في بعدها الوطني والكوني، غايتها إعداد المتعلم وفق هذه الرؤية المشجعة على العلم والجمال والحياة والقيم الروحية العميقة.

لكن حال بنية التعليم -كما جاء في الفيلم ومن خلال العديد من المهتمين والباحثين والإعلاميين والمفكرين- لم يعد فضاء لهذه الوظيفة الجميلة، بل أصبح فضاء لتعليم أفكار متطرفة تحرم الموسيقى وتنشر الخوف للتحكم في المتعلمين وجعلهم يخالفون العيش المشترك الجماعي السلمي كما كان وكما عاشته المخرجة في طفولتها وعاشه من رافقها في رحلتها الفيلمية الوثائقية هذه في القرى والمدن والجبال.

من خلال هذا المكون وما تبعه من لقطات ومشاهد أساسية في هذا الفيلم الوثائقي ندرك أثر التربية -حينما لا نجعلها أولوية الأولويات- في تدمير العقول، عوض تحريرها وجعلها ناقدة وعاشقة للجمال والحياة والقيم الروحية العميقة لا الهدامة. هنا تُطرح إشكالية البرامج وطبيعة التأهيل الخاص بالمدرسين والمناهج وكيفية تعليم المتعلم وفق رؤية وطنية وكونية وإنسانية مشجعة على العلم والمعرفة والنقد والجمال.

المسجد هو المكون الثاني الحاضر بقوة في هذا الفيلم

 

المسجد.. فضاء مقدس

المسجد هو المكون الثاني الحاضر بقوة في هذا الفيلم، وذلك باعتباره فضاء له قدسيته ورمزيته، وما يقال فيه يشكل بالنسبة للمصلي كلاما غير قابل للنقاش ولا البحث ولا الرد.

ولكن هل أن نتساءل: من يصلي بنا، ومن يخطب في مساجدنا، ومن يشرح ويحلل الأحاديث النبوية، ومن يصدر الفتوى، وما طبيعة تكوينه ورؤيته للدنيا والآخرة، وهل هو مدرك لطبيعة مستجدات العصر ومنفتح على قراءات متعددة تروم دوما مصالح الإنسان في هذا الزمكان، أم الرؤية جامدة والفتوى تقنية وميكانيكية منقولة حرفيا من عصور غابرة لا علاقة لها بطبيعة العصر ومحتوياته وصراعاته؟

أسئلة تلخص لنا ضمنيا طبيعة الحياة التي رسمها المتطرفون لأنفسهم وللناس جميعا حتى أصبحوا غير قادرين على من يخالفهم في التصورات والقراءات.

في مساجدنا تمرر العديد من الفتاوى والأفكار بمعزل عن أي اجتهاد ورؤية إنسانية تتساير مع مستجدات وروح العصر، بل من خلال العديد مما يمرر يمكننا القول إن من يمرر مثل هذه الخطابات غير مدرك لعمق ونبل وروح هذا الدين الجميل الذي أُنزل على الرسول عليه الصلاة والسلام من أجل تعميم ثقافة التعاون والعيش المشترك والتساكن والتراحم بين الناس.

من الذي أوصل من في الفيلم إلى أن ينادي ويصدر فتوى لإراقة الدماء (مثل الدعوة إلى قتل الكاتب كمال داوود)، لا لشيء إلا لمخالفة وجهة نظر دينية، مع العلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم تعايش مع من أنكر الدين منذ البدء، ولم يعتدِ على أحد، بل اتبع منهجية نشر الدين وفق رؤية تعايشية وتسامحية، بل وفق نموذجه الإنساني الذي كان يسلكه في حياته.

وحده الجهل المقدس -كما كان يقول الراحل محمد أركون رحمه الله والحاضر في نقاشات بعض الشباب في هذا الفيلم الوثائقي- هو ما يمكن أن يساهم في ترسيخ هذه الثقافة التكفيرية التطرفية. إنه جهل يمرر في العديد من المؤسسات مثل بعض المساجد، ويعتقد بأنه هو عين الحق، بينما هو بعيد كل البعد عن حقيقة وروح الإسلام الذي بني على المحبة والجمال والرأفة والرحمة.

الإعلام بكل مكوناته البصرية والورقية والإلكترونية وكافة أشكاله الجديدة يتحمل بدوره دورا بارزا في ترسيخ هذه الثقافة العنفية،

 

الإعلام.. صناعة التطرف

الإعلام بكل مكوناته البصرية والورقية والإلكترونية وكافة أشكاله الجديدة (مواقع التواصل الاجتماعي) يتحمل بدوره دورا بارزا في ترسيخ هذه الثقافة العنفية، في زمن أصبح من السهل نشر ما نريد بالصوت والصورة أو بهما معا في مدة زمنية وجيزة جدا، مما يجعل العديد ممن لم يتم تلقيحهم بالفكر النقدي والتربوي العلمي والإنساني والجمالي يصابون بعدوى التعطش للدماء من زاوية تُوهمهم أنهم سيدخلون الجنة لكونهم قَتلوا من يعيشون خارج الدين الإسلامي، غير مدركين بأن الحياة حق مشروع للجميع، وبأن المحبة طريق الناس لإيصال أفكارهم وتصوراتهم التي عليها أن تكون في خدمة إسعاد الناس لا تخويفهم وإرعابهم لتحويلهم إلى جثث هامدة، ومن هنا التحكم فيهم وفق هوى التطرف والعنف.

من خلال تتبع المخرجة للعديد من المكونات الإعلامية البصرية والإذاعية والتلفزيونية ومواقع التواصل وما ينشر هنا وهناك، نعيش معها العديد من أشكال العنف المنشورة والمعممة وسط الناس، مما يجعل ديننا الحنيف يشوَّه ويؤول ويلوى عنقه كما يريد هؤلاء "الدعاة" الذين لا صلة لهم بالدعوة التي هي في الأساس مبنية على الرحمة والمودة والتسامح، وهو ما كان يقوم به رسولنا المصطفى عليه الصلاة والسلام.

حوار يدور بين مثقف وفقيه في الفيلم

 

غياب العقل والنقد

من خلال هذه الرحلة الفيلمية الوثائقية بين عالمين متناقضين؛ عالم كندي بني على الانفتاح والتعايش إلى بلدها/جذورها الجزائر الذي أصيب بالعديد من الجروح جراء تلك الأفكار، تحضر على امتداد الفيلم بعض الصيحات الموسيقية الصوفية العميقة المؤمنة بالمحبة ولا شيء غير المحبة، وذلك في إطار الموسيقى التصويرية المصاحبة للصورة.

ولعل المخرجة تجيب بهذا الاختيار الطربي الموسيقي الوجداني والإنساني المستمد من عوالم التصوف؛ تجيب بهذا عن مظاهر العنف التي غيرت وطنها/هويتها بالمقارنة مع ما كان في عهد طفولتها.

من الرابح من تعطيل العقل؟ ومن الرابح من غياب نشر ثقافة النقد؟ سؤالان نوعيان مفيدان لكل أمة راغبة في جعل العلم والمعرفة والفكر غايتها الرئيسية في أفق البحث عن مكانة حقيقية داخل هذه العولمة التي تسير مثل قطار يمر من محطات عديدة، أن نركب أو لا نركب فهذا شأننا، أما هو فماض نحو نقطة نهايته.

الغائب في كل المكونات المسؤولة عن التطرف وغياب أو تغييب إسلام طفولة المخرجة -وفق ما سبق- هو ضعف استعمال العقل والنقد وترسيخ ثقافة الكراهية والتعامل مع الحقيقة من منظور أحادي دون الإصغاء لبعضنا البعض، بل دون البحث عن كيفية تحقيق عيش مشترك من خلال تقاسم الأجمل فيما بيننا؟

كيف يمكن محاربة كل هذه الأفكار الهدامة للقيم الوطنية والدينية المتسامحة والقيم الكونية الإنسانية دون نقد المكونات المسؤولة عن هذا العنف؟ إن أخطر ما تم ترسيخه -وفق ما جاء في الفيلم- تقديس وجهات نظر دينية، أي تقديس فتاوى معينة مثلا، مع النظر إليها وكأنها حقيقة دينية مطلقة، بينما الفتوى لها سياقات زمكانية مختلفة وغير متشابهة تتغير من منطقة إلى أخرى، وبالأحرى من مجتمع إلى آخر.

غياب القاعات السينمائية وثقافة القراءة وتصحيح منظومة التربية والتعليم والفنون.. كلها عوامل حضرت بقوة في نهاية الفيلم

 

الطريق إلى العقل والنقد

غياب القاعات السينمائية وثقافة القراءة وتصحيح منظومة التربية والتعليم والفنون.. كلها عوامل حضرت بقوة في نهاية الفيلم كإشارات ذكية من المخرجة ممثلة لدوافع الجرح المخيف والمهدد للبلد، ولاسيما ما عاشه من أحداث مروعة غريبة عن جسمه، بل هي دخيلة ومستوردة من مرجعيات دينية متطرفة لا تقبل أي فهم آخر غير فهمها هي.

للفنون وظيفة نقدية وجمالية وبصرية ووجدانية قادرة على تنظيف عقول وبواطن الناس وجعلها تؤمن بالاختلاف وتعدد الآراء والأفكار والتصورات، وإلا فسنصبح جميعا من دونها أسرى ضمن هذه الأفكار المتطرفة والعنيفة والناشرة لصورة دينية قاتمة لا صلة لها بسؤال العشق والحب الإنساني القادر على إيصال الوطن إلى بر الأمان.

حينما يصل الإنسان إلى سن الأربعين دون أن يشاهد فيلما سينمائيا في قاعة سينمائية -كما جاء على لسان الكاتب أمين الزاوي وهو يوقع أحد مؤلفاته- فاعلم أنه كبر في واقع مخدوم من لدن الباحث عن الجثث الهامدة للتحكم فيها وفق فتاوى مرعبة ومشجعة على القتل.

كما وردت في الفيلم رؤية إخراجية توسلت بترك الناس يعبّرون عن واقعهم الجزائري الحالي، مع حنين العديد ممن شارك في هذا الفيلم الوثائقي إلى زمن ماض تعايش فيه الجميع مهما كانت مرجعياتهم الدينية واللغوية والعرقية دون السقوط في لغة التقارير، والبحث عن الانتساب إلى لغة الفيلم الوثائقي الفني والمتعدد الأصوات والرؤى، والعفوية في خلق حوارات متعددة بين المشاركين في الفيلم، مع توظيفات موسيقية صوفية سامية تدين المخرجة من خلالها لغة العنف في وطنها الذي غيب دينَها الإسلامي كما كان في طفولتها، وجعلنا نستمتع بتنوع تضاريس الوطن، وتصوير متعدد لتلك الطرق الملتوية في الجبال وغيرها، مما يوحي لنا بقراءة "شرعية" تهدف إلى إظهار التشابه بين طبيعة هذه الطرق الوعرة والملتوية ووضع الوطن المحرج والمجروح بفعل عنف مورس وكانت نتيجته موت أبرياء لا علاقة لهم بأي فكر ديني متطرف وغادر، كما جاء في هذا الفيلم الوثائقي الذي يستحق المشاهدة ضمن سياقات تربوية وثقافية متعددة.

كل هذا يوحي بأن هذا الفيلم ينهض فعلا على عناصر فيلمية دالة وقابلة للعديد من القراءات. فقد كانت المخرجة نادية -وفي ظل ما شاهدته وسمعته طيلة فيلمها هذا- تسافر بنا عدة مرات نحو السماء من خلال كاميرا باحثة عن زرقة السماء وطيور حرة تستمتع بتحليقها نحو كل الاتجاهات كما يحلو لها، مما جعلها أكثر حرية وجمالا وتلذذا بالحياة، وهو خطاب له العديد من الرسائل الضمنية المخلخلة لكل مظاهر العنف.

فيلم "إسلام طفولتي" غايته نقد واقع تلبس بلغة دينية عنيفة باحثة عن أحادية المعنى بدل تعدد المعاني والدلالات، وهو فيلم بني بشكل يجعلنا نتضامن مع كل القيم الوطنية والروحية والإنسانية الكونية والمعتدلة والعاشقة للإنسان والراغبة في ترسيخ قيم الحب والجمال.