نقد سينمائي

الأرشيف الفلسطيني.. خبايا منهوبة

أمير العمري

الفيلم الوثائقي "نُهب وأُخفي" يتعين الوقوف أمامه بجدية وانتباه نظرًا لخطورته، لأنه يكشف الأهمية الاستثنائية للذاكرة البصرية في تاريخ الشعوب، وخاصة تاريخ الشعب الفلسطيني

من أهم الأفلام الوثائقية التي شاهدتها في الدورة الـ47 من مهرجان ”روتردام السينمائي“ (4 يناير/كانون الثاني- 4 فبراير/شباط 2018) الفيلم الوثائقي ”نُهب وأُخفي“ (Looted and Hidden) الذي أخرجته الباحثة الإسرائيلية ”رونا سيلا“ المهتمة بالتاريخ البصري المصور. إنه عمل يدخل في صميم وظيفة الفيلم الوثائقي، أي أنه لا يعرض فقط لما وقع، وهو كثير ويتعين الوقوف أمامه بجدية وانتباه نظرًا لخطورته، بل لأنه يكشف أيضًا الأهمية الاستثنائية للذاكرة البصرية في تاريخ الشعوب، وخاصة تاريخ الشعب الفلسطيني.  

لا تستخدم مخرجة الفيلم- كما هو متبع عادة- أسلوبا يقوم على المقابلات المباشرة مع الشخصيات المختلفة التي تأتي على ذكرها في الفيلم، بل تقسم فيلمها إلى ستة فصول تعرض في كل منها الكثير من اللقطات والصور ومقاطع الأفلام التي استطاعت العثور عليها في الأرشيف العسكري الإسرائيلي ولم يكن مسموحًا بالاطلاع عليها من قبل. إلا أنها تؤكد أن ما أتيح لها جزءا يسيرا من كثير من المواد التي نهبها الجيش الإسرائيلي من أرشيف منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت عام 1982.

وكل فصل من الفصول الستة التي ينقسم إليها الفيلم يُروى من وجهة نظر إحدى الشخصيات، تبدأها رونا سيلا في الفصل الأول وتختمها في الفصل السادس، وما بين البداية والنهاية نشاهد القصة من وجهة نظر خديجة حباشنة مؤسسة الأرشيف الفلسطيني، ثم من منظور جندي إسرائيلي شارك في اقتحام بيروت 1982، ثم من وجهة نظر صبري جريس المدير السابق لمركز الأبحاث الفلسطينية، ثم خديجة حباشنة مؤسسة ومديرة قسم السينما الفلسطينية.

 

كيف تُمحى الذاكرة الفلسطينية؟ 

الفيلم بأكمله مكون من مقاطع من الأفلام الوثائقية الفلسطينية التي صورها الفلسطينيون ووثقوا فيها لتاريخ فلسطين الحديث. في الفصل الأول تروي رونا سيلا بصوتها كيف كانت بداية اهتمامها بالمواد المصورة التاريخية، وكيف تفتّح وعيها على الأفلام الدعائية الصهيونية التي كانت تحثّ الشباب الصهيوني على العمل، وتدعو اليهود للهجرة إلى فلسطين، ونشاهد هنا مقاطع من أفلام الدعاية الصهيونية التي أنتجتها الوكالة اليهودية في الأربعينيات والخمسينيات. وهناك أيضًا مقاطع من أفلام الجريدة السينمائية من الثلاثينيات، وكانت رونا كما تقول كثيرًا ما تسأل والدتها عما وقع عام 1948، وهل حقًا كان المنزل الذي كانوا يقيمون فيه في الأصل منزلاً فلسطينيًا تقطنه أسرة فلسطينية؟ لكنها لم تتلق إجابة شافية من أمها، ومن هنا بدأت البحث الطويل عن الوثائق الفلسطينية. وفي أواخر الستينيات قابلت خديجة حباشنة التي كانت أول امرأة تهتم بتوثيق الصورة الفلسطينية.

هنا تستعيد المخرجة من خلال المقاطع المختارة من الأفلام الوثائقية القديمة كيف كان يتم تدمير بيوت الفلسطينيين وإزالة الحطام بالجرافات، وكيف أُرغمت الأسر الفلسطينية على مغادرة قراها وبلداتها واللجوء إلى المخيمات التي كانت عبارة عن خيام في الصحراء. لكن رونا تتوقف أمام صورة فوتوغرافية ثابتة تقترب منها بالكاميرا هي صورة أول أستديو فلسطيني للتصوير الفوتوغرافي أسسه خليل رعد رائد التصوير الفلسطيني (1854- 1957) في القدس. وتقول رونا في تعليقها على الصورة إنها علمت أن والدها كان أحد الذين شاركوا في نهب جميع محتويات هذا الأستديو من صور تعود إلى العصر العثماني، ومن هنا بدأت تبحث في فكرة اهتمام الصهاينة بمحو الذاكرة الفلسطينية، وخلق تاريخ جديد يقوم على وجهة نظر أحادية يريدون زرعها في ذاكرة الأجيال الجديدة.

من هذه النقطة يمتد بحث المخرجة لتصل إلى الأرشيف الفلسطيني الذي تم نهبه فيما بعد، لكن إسرائيل- كما تقول المخرجة- وإمعانًا في التضليل فإنها تستخدم كلمة مخففة مثل ”النشل“ بدلاً من ”النهب“، تمامًا كما تستخدم ”عرب إسرائيل“ بدلا من ”الفلسطينيين“، و“العصابات الفلسطينية“ بدلاً من ”المقاتلين الفلسطينيين“.

المخرجة تستعيد من خلال المقاطع المختارة من الأفلام الوثائقية كيف أُرغمت الأسر الفلسطينية على مغادرة قراها وبلداتها واللجوء إلى المخيمات التي كانت عبارة عن خيام في الصحراء

ومن داخل سيارة نشاهد لقطة متحركة طويلة بالألوان للخيام الفلسطينية الممتدة في الرمال، ومنها ننتقل إلى الفص�� الثاني بعنوان ”خديجة حباشنة- عمان الأردن- 1968″، وبصوت خديجة نستمع إلى رسالة منها إلى المخرجة تبدأها: عزيزتي رونا.. كان لا بد من العمل على الاحتفاظ بالذاكرة الفلسطينية. لقد عملت مع سلافة جاد الله أول مخرجة فلسطينية، وهاني جوهرية مصور الثورة الفلسطينية. نشاهد هنا لقطات نادرة للشباب الفلسطيني اليافع يتدفق على معسكرات التدريب للانضمام لحركة المقاومة في الستينيات، ونساء المخيمات والأطفال يتجمعون حول منفذ وكالة الغوث لاستلام المعونات الغذائية، ثم مشاهد من معركة الكرامة في الأردن، وننتقل إلى الحرب الأهلية اللبنانية، ثم لقطات نادرة من مخيم ”تل الزعتر“ عند اقتحامه من قبل القوات السورية عام 1976. وينتهي الفصل بصورة تجمع بين خديجة والمخرج العراقي سمير نمر الذي عمل في قسم السينما الفلسطينية.

في الفصل الثالث يروي جندي إسرائيلي غير محدد الهوية (بصوته فقط) كيف أنه يتذكر جيدًا الصورة التي نشاهدها على الشاشة؛ مقر منظمة التحرير في بيروت ومبنى كبير تطل من شرفه ونوافذه مجموعات من الجنود الإسرائيليين، ويقول ”كيف لا أتذكرها وقد كنت هناك، كنت أتمنى نسيان هذه الصورة لكنها ظلت تطاردني“. كان هذا بعد اقتحام بيروت من طرف قوات شارون، ويستمر تدفق الصور؛ الجنود الإسرائيليون يسترخون على الشاطئ بملابس البحر، ويقول الجندي  كان هناك أيضًا وقت للتفكير لكنه لم يكن يشعر بالراحة قط، ثم يتذكر نهب وتجميع محتويات المبنى كله ووضع الوثائق المنهوبة والصور داخل عدد كبير من الصناديق وشحنها. في هذا الفصل تظهر لقطات كثيرة مأخوذة من فيلم ”حصار مضاد“ (1978) الذي أخرجه العراقي قيس الزبيدي، والذي عمل في قسم السينما التابع لمنظمة التحرير، وله دور بارز في عمل المونتاج وإخراج عشرات الأفلام التي أصبحت جزءًا من تاريخ الذاكرة الفلسطينية.  وستتكرر كثيرًا عبر الفيلم مقاطع من هذا الفيلم تحديدًا الذي يحتوي على الكثير من الوثائق المصورة النادرة لفترات مختلفة من تاريخ الثورة الفلسطينية. 

صورة تجمع مؤسسة الأرشيف السينمائي الفلسطيني في بيروت خديجة حباشنة مع مصطفى أبو علي أحد أبرز السينمائيين المؤسسين للفيلم الوثائقي الفلسطيني

حفظ الوثائق وبناء الذاكرة.. نضال فلسطيني 

في الفصل الرابع تأتي الرسالة هذه المرة من صبري جريس مدير مركز الأبحاث الفلسطينية الذي يبدأ بتقديم نفسه بأنه من مواليد قرية ”فسطوطة“ بـ“الجليل“، وبأنه درس القانون في الجامعة العبرية في القدس، وقد عاصر النكبة الكبرى في 1948 وكان وقتها في التاسعة من عمره، ويتذكر احتلال فسطوطة من طرف الإسرائيليين، وصفوف اللاجئين الفلسطينيين الذين كانوا يمرون بالقرية وكيف كانت أمه توزع عليها أرغفة الخبز تأخذها من المخبز مباشرة وهي ما زالت ساخنة.

هنا نشاهد لقطات موثقة لهذه الأحداث، بل ونشاهد أحد المخابز الفلسطينية والخبز يخرج من الفرن، ثم إلى مزيد من اللقطات التاريخية من عام 1948 من فيلم قيس الزبيدي، ويواصل صبري سرده فيخبرنا أن إسرائيل قامت بطرده في أوائل السبعينيات لأنها لم تكن راضية عن كتاباته التي اعتبرتها تحريضية، وفي عام 1965 تأسس مركز الأبحاث الفلسطينية في بيروت ورأسه لمدة عام الشاعر محمود درويش ثم جاء بعده مباشرة صبري جريس الذي يروي محاولته إنقاذ مواد الأرشيف بعد الغزو الإسرائيلي لبيروت، ويقول إن ما استولى عليه الإسرائيليون ليس هو الأرشيف الحقيقي فقد أخفى (صبري) الكثير من الوثائق في أماكن أخرى، وبعد عام من نهب محتويات المركز أعاد الإسرائيليون ما استولوا عليه ضمن صفقة للإفراج عن أسراهم بوساطة فرنسية، وقد أسس مركزًا آخر في رام الله عام 2001، لكن إسرائيل صادرت هذا الأرشيف مرة أخرى، ويعتبر صبري بناء الذاكرة من خلال حفظ الوثائق جزءا من النضال الفلسطيني الطويل.

في الفصل الخامس تعود خديجة حباشنة مؤسسة الأرشيف السينمائي الفلسطيني في بيروت (1969- 1982) تروي بصوتها ظروف التحميض والطبع البدائية ثم عرض الأفلام في المخيمات، ونشاهد لقطات للمخيمات بينما تهب عواصف ورياح تعصف بالخيام، والرمال تتطاير وصوت الريح يصم الآذان. إنها لقطات نادرة بالأبيض والأسود تعقبها لقطات لمصب مائي، ثم تحية لـمصطفى أبو علي وسلافة جاد الله وهاني جوهرية وعمر المختار، وهم أبرز السينمائيين المؤسسين للفيلم الوثائقي الفلسطيني في تلك الفترة. ومن الأفلام التي نشاهد مقاطع منها هنا الفيلم السوفيتي ”الفلسطينيون.. الحق في الحياة“ (1978) لـ“فلاديمير كوبلان“، وتروي خديجة أيضًا قصة إعادة إنشاء الأرشيف وجمع الأفلام التي أخرجها الأجانب عن القضية الفلسطينية أو أفلام التلفزيون، واستعادة الأفلام الفلسطينية التي كانت قد أرسلت للعرض في العواصم الأوروبية. ويظل المرجع الأول البصري هنا هو فيلم قيس الزبيدي ”حصار مضاد“.

رونا سيلا قابلت الفنان التشكيلي الفلسطيني إسماعيل شموط والفنانة تمام الأكحل من "يافا" عام  2005، وقد أطلعها شموط على لوحة لمنزل عائلته الأصلي من رسم والدته

صور ولقطات حية مفقودة.. أين نجدها؟

في الفصل السادس تقول رونا سيلا إنها قابلت الفنان التشكيلي الفلسطيني إسماعيل شموط والفنانة تمام الأكحل من ”يافا“ عام  2005، وقد أطلعها شموط على لوحة لمنزل عائلته الأصلي من رسم والدته، وأطلعته هي على لقطات وصور ليافا صورها الإسرائيليون بعد حرب 1948، وتظهر فيها منازل الفلسطينيين المدمرة التي كانت تتم إزالتها، هذه اللقطات هي التي نشاهدها في الفيلم ومنها لقطة متحركة (من سيارة) تمر على المنازل المدمرة، وهي مأخوذة من الجريدة السينمائية الإسرائيلية التي صورت عام 1951.

ونشاهد تفجير المنازل الفلسطينية التاريخية ذات العمارة الأصلية المميزة، وطفلين يهبطان سلمًا حجريًا مهشمًا بصعوبة بالغة. من بين هذه اللقطات -كما تقول المخرجة- استطاع شموط التعرف على منزل والدته، هنا نرى مزجًا بين صورة المنزل التي رسمتها أمه، وصورة بقايا المنزل كما تظهر في الفيلم الإسرائيلي. وبعد ما تركه هذا اللقاء من أثر عليها قامت رونا سيلا بزيارة الأرشيف العسكري الإسرائيلي مجددًا، ودهشت عندما عثرت على أفلام صورها وأخرجها إسماعيل شموط نفسه مع آخرين تتضمن صورًا واسكتشات ولقطات حية، وكانت كلها تعتبر مفقودة. من مقاطع هذه الأفلام لقطة نادرة لكمال ناصر  وهو يقول إننا نريد أن يعرف العالم أن لدينا قضية ندافع عنها وهدفنا ليس العنف، ثم تظهر لوحة تقول إن عملاء إسرائيليين قاموا باغتيال كمال ناصر في شقته في بيروت في 10 إبريل/نيسان 1973.

 

أفلام الأرشيف الفلسطيني.. استرجاع ممنوع

هذه الأفلام مصنفة تحت بند ”أفلام عثر عليها في الأرشيف الفلسطيني“، لكن الحقيقة خلاف ذلك كما تقول رونا سيلا التي وجدت أنها أُخذت من قسم الفنون والثقافة التابع لدائرة الإعلام والإرشاد الوطني بمنظمة التحرير الفلسطينية التي أسسها إسماعيل شموط في أوائل السبعينيات. وفي لقطة نادرة من أفلام شموط نشاهد مبنى مقر منظمة التحرير في بيروت وتوجد أعلاه في المنتصف تماما صورة (بورتريه) رسمها شموط لجمال عبد الناصر بعد وفاته في سبتمبر/أيلول 1970، كما نشاهد صورة لـشموط نفسه داخل مرسمه عام 1966 (بالأبيض والأسود) وعليها ختم منظمة التحرير.

وفي لقطة من فيلم ”النداء العاجل“ الذي أخرجه إسماعيل شموط نشاهد مغنية شابة جميلة ذات صوت قوي عذب تغني بالإنجليزية إحدى الأغاني الثورية، وهي ترتدي الكوفية الفلسطينية. هذه المغنية هي زينب شعث. وكان يعتقد أن هذا الفيلم قد فقد إلى الأبد، وكذلك بالنسبة فيلم ”ذكريات ونيران“ لشموط أيضًا وهو عبارة عن سرد زمني للتاريخ الفلسطيني عن طريق الرسوم الملونة. 

توجه المخرجة الإسرائيلية الحديث إلى كل من زينب وتمام الأكحل في نهاية فيلمها، فتقول إنها أدركت أن هناك الكثير من المواد التي ما زال ممنوعا الاطلاع عليها، فإسرائيل تشعر بأن هذه الوثائق والصور تمثل تهديدًا لسياستها الخاصة في الإنكار، وتعتقد أنها بمصادرة مواد الأرشيف الفلسطيني يمكنها محو الهوية، لكن رونا تتعهد بمحاولة استرجاع كل المواد المنهوبة وإعادتها الى أصحابها، وهذا جيد، لكن من الذي سيعيد الأرض المنهوبة إلى أصحابها؟