نقد سينمائي

"الإرهابي الجيد".. عن التطرف الذي كاد يحرق أمستردام

 

محمد موسى

يجلس الشاب المغربي نور الدين أمام كاميرا المخرج الهولندي روبرت أوي في غرفة فندق ما في المغرب ليروي قصته، لكن الحوار يتعثر سريعا جدا، فبعد سؤالين عن ذكرياته في سنوات السجن في هولندا والذي دخله بسبب انتمائه لتنظيم إرهابي، بدا الضيق على الشاب الذي استأذن ليشرب كأسا من الماء.

لن يعود نور الدين مرة أخرى، وسيصمت مجددا ليترك المخرج الهولندي في حيرة وخيبة كبيرتين، فلقاء كهذا يستغرق سنوات من التحضير أحيانا، لا سيما مع الصعوبة الكبيرة للغاية في الحديث مع شباب مسلمين قضوا سنوات في السجن بسبب تهم الإرهاب، لكنهم يتجنبون الحديث للإعلام تماما بعد خروجهم منه.

تَعَثُّر مُقابلة نور الدين ستكون واحدة من الإخفاقات الكثيرة التي شهدها التحضير لفيلم "الإرهابي الجيد"، والتي كادت تُوقف إنتاجه مرارا، حيث يَعي فريق إنتاج الفيلم الذي يُعرض حاليا في الصالات السينمائية الهولندية أن موضوعاتهم إشكاليّة للغاية، فجلُّ المدانين بجرائم إرهاب في هولندا يأملون أن يلفّهم النسيان، وكشفُ هوياتهم في وسائل الإعلام تعني إضافة المزيد من التعقيد إلى حيواتهم المُعقدة أصلا.

ورغم ذلك يعثر الفيلم على شخصية "جيسون والتر" الهولندي المُسلم الذي تبرّأ من الأفكار المتشددة لينتقد بعدها الجماعات الإسلامية المُتطرفة، ويتحوّل إلى هدف لهذه الجماعات (تعرض للتهديد من بعضها، ويعيش اليوم تحت حماية الأمن الهولندي).

سيكون جيسون الممثل الوحيد لجماعة الشباب الهولنديين المسلمين في الفيلم، والذين أُدينوا بالتحضير لعمليات إرهابية خطيرة تستهدف أمكنة مزدحمة في أمستردام، ومنهم شاب من أصول مغربية يُدعى محمد، حيث قَتَلَ في وضح النهار عام 2004 المخرج الهولندي المعروف "تيو فان خوخ"، وذلك في حادثة هزّت المجتمع الهولندي وما زالت تداعياتها مُتواصلة حتى اليوم وعلى أصعدة عدة.

"علي".. من بلجيكا إلى سجون المغرب

قبل أن يصل الفيلم إلى الحوار الطويل مع جيسون، يبدأ زمنه من المغرب بمشاهد خارجية صُورت بكاميرا ثابتة للطبيعة الساحرة هناك، والتي صاحبتها موسيقى تختزن الكثير من الأسى.

تمهّد تلك المَشاهد لفيلم لا يريد أن يُحاسِب بقدر رغبته بأن يعرف ويحلّل الأسباب التي جعلت مجموعة من الشباب الهولندي تنقلب على المجتمع الذي عاشوا فيه جُلّ حياتهم. حيث تفسح المقدمة الافتتاحية الفرص للمشاهد لأخذ أنفاس طويلة أثناء التفرج على جمال الطبيعة الوحشي هناك، وقبل الولوج في قضية شائكة وثقيلة مضغها الإعلام كثيرا في السنوات الأخيرة.

وبعد اللقاء الفاشل مع نور الدين، بقي الفيلم التسجيلي الهولندي في المغرب ليتابع الجهود المبذولة للإفراج عن مدانٍ آخر بالإرهاب اسمه "علي" كان يعيش في بلجيكا، وانضم هو الآخر إلى الجماعة الهولندية، حيث سلّمت السلطات البلجيكية "علي" الذي لا يحمل جنسية البلد الأوروبي الذي يعيش فيه إلى بلده الأصلي المغرب، ليقضي منذ ذلك الحين عقوبة طويلة بالسجن.

تُحاول مجموعة حقوقية تتألف من أوروبيين إضافة لعائلة "علي" التي تتوزع بين بلجيكا والمغرب؛ أن تعيد محاكمة علي، فهو على حسب وصفها بريء تماما من تهم الإرهاب التي أُدين بها. وتكشف المجموعة نفسها أنها تطمح -إذا تعذرت إعادة محاكمة علي- أن يتم نقله من سجنه المغربي إلى سجن بلجيكي ليقضي عقوبته هناك.

يتصدر هذه المجموعة محامٍ بلجيكي معروف بدفاعه عن المهمشين والقضايا الصعبة الإشكاليّة. يُحاور الفيلم المحامي في المغرب من على باب السجن الذي يمكث فيه علي، كما يصور الفيلم مشاهد -من دون تعليق صوتي- نساء أوروبيات وهن يرفعن لافتات عليها شعارات تطالب بالإفراج عن الشاب المحبوس.

تعتقد أخت علي التي تتحدث بالفرنسية إلى المخرج أن أخاها ضحية مناخ عدائي عنصري يُهمين على الدول الأوروبية بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001، والذي يَعتبر -حسب قولها- كل مسلم هو مشروع إرهابي.

وتستعيد هذه الأخت قصصا وتجارب من حياتها الخاصة في بلجيكا، وتُركز على مظلومية أخيها، فقد بكت عندما تذكرت جهودها الفاشلة قبل سنوات لمنع تسليم أخيها إلى السلطات الأمنية المغربية، لأن الحبس في المغرب يعني "التدمير البطيء للنفس البشرية".

تدرب جيسون على استخدام السلاح برعاية منظمة إرهابية في باكستان إلى أن تم القبض عليه

جيسون.. تطرف يكره الآخر

من المغرب ينتقل الفيلم إلى هولندا حيث يعيش جيسون الذي وُلد من زواج أُمّ هولندية وأب مسلم. تحتل مقابلة هذا الشاب الذي لم يتعدّ الثلاثين من العمر أكثر من ثلث الفيلم، ويكشف فيها تفاصيل دقيقة وصادمة عن أفكاره، والطريق الذي مرَّ به وأخذه إلى باكستان، حيث تدرب على استخدام السلاح برعاية منظمة إرهابية هناك إلى أن تم القبض عليه، حيث كان ضمن عملية أمنية عنيفة أدت إلى جروح بليغة لفردين من الأمن الهولندي، وبعد أن رمى عليهم جيسون قنبلة يدوية الصنع لمنعهم من دخول الشقة التي كانوا يتحصنون فيها في مدينة لاهاي الهولندية.

وبعد أن وافق جيسون على الظهور في الفيلم عاد وتراجع، إذ طلب من المخرج التمويه على وجهه خوفا من أيّ عمليات انتقامية قد تطاله من الناقمين على الإرهابيين أو المنظمات المتطرفة المنضوية تحت شعارات الإسلام. ذلك أن ما يكشف عنه الشاب الهولندي يزعج الطرفين على حد سواء.

كشف المخرج روبرت أوي للإعلام الهولندي أن رغبة جيسون بتغطية وجهه كانت ضربة قاسية للفيلم، إذ إنها تقطع تواصلا مهما بين المشاهد والشخصية. بيد أن الفيلم وجد في النهاية طريقة مبتكرة للتقليل من أثر تمويه الوجه، إذ غطّى الأخير بقناع يتكون من حبيبات صغيرة ليضيف رعبا وغموضا للشخصية، حتى إن هذا القناع يقترب من المجاز عن ضياع الشاب الهولندي وإشارة لهويته المطموسة.

بلسان فصيح ومهارة كبيرة في سرد القصص يستعيد جيسون حياته، ويُبيّن كيف أن الأفكار المتطرفة جذبته، حيث إنها هيمنت على حياته تماما وعزلته عن محيطه السابق.

لم يتلق الشاب الهولندي تعليماً دينياً متشدداً، لكنه وجد في الأفكار المتطرفة التي سمع بها عن طريق رفاقه هوية ما كان يبحث عنها.

يروي جيسون بتفصيل مرعب مدى كرهه لغير المسلم حينها، حيث وصف الأيام تلك بأنها كانت تعذيبا له، لأن كل اتصال بغير المسلم حتى لو في الشارع يجعله يكرههم أكثر، وهذا عمق عزلته وزاد من تبعيته للجماعة المتطرفة التي منحته "الأمان" الذي كان يفتقده.

كان جيسون ضمن مجموعة صغيرة من التنظيم المتطرف الذي أتيحت له فرصة التدريب في معسكر سريّ في باكستان لا تعرف عنه الحكومة هناك شيئا، ويصف جيسون وصوله إلى هناك وكيفية استقباله ونقله إلى منطقة جبلية مكث فيها لأسابيع، وتدرب على استخدام الأسئلة الخفيفة، وعندما عاد الشاب الهولندي إلى بلده حظي بمرتبة عالية بين رفاقه، إذ إن التدريب في معسكرات خارجية يعني أنه على "الطريق الصحيح"، فيما بدا أن توقيت "العملية الجهادية" قد قرب كثيرا حسب وصفه.

يعيش جيسون في هولندا حيث وُلد من زواج أُمّ هولندية وأب مسلم

جيسون.. ردة عن التطرف

تعطلت خطط التنظيم بعد عملية اغتيال المخرج السينمائي الهولندي "تيو فان خوخ" عن طريق أحد أعضاء التنظيم النشطين، فقد كثفت قوى الأمن الهولندية جهودها، وتعاونت مع نظيراتها في دول أوروبية مجاورة للتضييق على أعضاء التنظيم، وهو ما قاد إلى القبض عليهم جميعا ومنهم جيسون نفسه.

يعود الهولندي إلى يوم إلقاء القبض عليه في شقة بمدينة لاهاي، حيث يستعيد تفاصيل عديدة من ذلك اليوم، ومنها إلقاء قنابل يدوية على الأمن الهولندي، وشعور المهانة الذي أحسّ به بعد إلقاء القبض عليه وتقييده، والذي بقي معه لأشهر طويلة.

يراجع جيسون ثوابته وقناعاته في السجن المعزول الذي كان يقضي عقوبته فيه، ويُحللها في سكون الزنزانة. ويذكر الشاب الهولندي أن فيلم المخرج العالمي المعروف ستيفن سبيلبيرغ "قائمة شندلر" الذي يروي قصصا من الهولوكست كان له تأثير كبير عليه، خاصة أن الفيلم -الذي يُظهر سجل النازية بحق اليهود الأوروبيين- يتحدى ما كان يؤمن به من تجريم اليهود بالمطلق.

تخلى جيسون في النهاية عن الفكر المتطرف، وهذا فتح باب الجدل والنقد، إذ إن هناك من لا يزال يُؤمن أن الشاب الهولندي فعل ذلك كي يخفف من عقوبة السجن عليه ويعود إلى المجتمع الهولندي، في حين اعتبرت منظمات إسلامية متطرفة أن فعلة جيسون هي ردّة له عن الدين تستحق العقاب الشديد.

بقي الفيلم التسجيلي الهولندي في المغرب ليتابع الجهود المبذولة للإفراج عن مدانٍ آخر بالإرهاب اسمه "علي" كان يعيش في بلجيكا

إعادة تأهيل.. آراء مُتباينة

يُحاور الفيلم شخصيات هولندية عديدة، منها محامي أحد المُدانين بالإرهاب، ومسؤول في النظام الأمني، وهولندية مسلمة تعمل على إعادة تأهيل المتطرفين لغرض عودتهم إلى مجتمعاتهم. وتتباين آراء الذين تحدثوا بالفيلم، فبينما يعتقد محامي أحد الإرهابيين "أننا (أي المجتمع باسره) يجب أن نحاول أن نتفهم أزمة الهوية لهؤلاء الشباب المضلّلين، والذين يعيشون ضائعين بين ثقافتين ولغتين"، اعتبر المسؤول الأمني استحالة التفاهم مع الإرهابيين، وذلك لاختلاف القيم والمعايير الثقافية بينهم وبين المجتمع الهولندي.

تجد الهولندية المسلمة صعوبة في تفهّم تحوّل أبناء دينها وبلدها إلى الإرهاب، "فالفرص التعليمية والوظيفية متوفرة للجميع" كما قالت، وتستغرب الغضب والانعزال لهؤلاء عن مجتمعهم الغربي الذي يُوفر فرصا عديدة للراغبين. في حين تشكك المسؤولة ذاتها ببرامج الحكومة الهولندية لإعادة تأهيل الإرهابيين التي تكلف مبالغ كبيرة، إذ لا يوجد حتى اليوم دليل على أن هؤلاء قد تخلّوا تماما عن أفكارهم المُتطرفة وعادوا إلى حياتهم السويّة.

يصل الفيلم إلى السجن الخاص الذي أنشأته الحكومة الهولندية لحبس المُدانين بالإرهاب (تم غلقه قبل سنوات قليلة)، وقابل المخرجُ حارسا سابقا للسجن يروي قصته مع جيسون، فقد خاض هذا الحارس في نقاشات طويلة معه، وكان من أوائل الذين صدّقوا بندم الإرهابي الشاب رغم شكوك زملائه.

يبحث الفيلم في إشكالية التطرف والإرهاب، ويجادل في المسؤولية الجماعية تجاه الذين يضلّون الطريق، لكن لا يصل الفيلم إلى نتائج واضحة في هذا الاتجاه، غير أنه يُبرز عبر لغته السينمائية الرفيعة وإفساحه المجال لآراء مختلفة؛ تعقيد قضية الإرهاب التي تعجز أمامها الحلول الجاهزة أو المبسّطة، في الوقت الذي يميل الفيلم إلى الأفكار المتسامحة، وكيف أن المجتمعات الغربية يجب أن لا تتخلى عن مُثل التسامح والعدل، وهي الفكرة التي عبّر عنها المحامي البلجيكي في الفيلم بحكمة كبيرة عندما تحدث عن ضرورة الوقوف مع الحق رغم صعوبة ذلك أحيانا كما يقف هو مع "علي"، لأن التخلي عن هذه المُثل والقيم سيقود إلى تطرف وإرهاب لن يتوقف.