نقد سينمائي

"الإيرلندي".. المافيا والسياسة وما بينهما

 

خالد عبد العزيز

"الرجل الإيرلندي هنا ليأخذ أموالكم".. هذه الجملة التي لطالما ترددت في فيلم "الرفقاء الطيبون/1990" (Goodfellas 1990) للمخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي؛ يتردد روحها في فيلمه الأخير "الإيرلندي/2019" (The Irishman) لكن بأسلوب مختلف. فالرجل الإيرلندي هنا جاء ليقتنص أرواحكم هذه المرة، في تناول مغاير لشخصية الإيرلندي، وإن كان في الحالتين باحثاً عن السلطة والثراء السريعين.

يعود سكورسيزي في الإيرلندي لعالمه الأثير؛ عالم المافيا وحرب العصابات بعد غيبة امتدت نحو 17 عاماً منذ فيلمه "عصابات نيويورك/2002″، فقصة فيلم الإيرلندي مقتبسة من كتاب "سمعت أنك تطلي المنازل" للكاتب الأميركي تشارلز براندت الذي يبحث فيه عن الأسباب الحقيقية وراء اختفاء الزعيم العمالي الشهير جيمي هوفا عام 1975، وأعد له السيناريو الكاتب ستيفن زيليان، ليبدو الفيلم وكأنه ليس مهموماً فقط بتقصي حقائق منسية غيّبها الزمن، لكنها تروي بشكل أو بآخر تاريخاً قد لا نعرفه ولن تذكره الكتب عن الولايات المتحدة وكيف كانت السياسة فيها تُدار في وقت حرج من تاريخ العالم، والعلاقة الوطيدة والسرية بين عالم السياسة والمافيا والتشابك والتواطؤ بينهما أحياناً، بل ودائماً في أحيان أخرى.

تدور أحداث الفيلم حول فرانك شيران (روبرت دي نيرو) القاتل المحترف المأجور الذي يعمل لصالح عصابات المافيا الإيطالية في الولايات المتحدة؛ ترصد الأحداث قصة صعوده منذ البداية في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي وحتى سقوطه في منتصف السبعينيات، وارتباطه الوثيق بالعديد من الشخصيات الهامة والمؤثرة في المجتمع حينها وأهمها جيمي هوفا الناشط العمالي ورئيس نقابة سائقي الشاحنات.

 

حاضر وماض.. تقاطعات زمنية

يبدأ الفيلم بمشهد نرى فيه الكاميرا تتجول ببطء داخل ردهات إحدى دور المسنين، مع نغمات الموسيقى تسحبنا برفق من طريق لآخر حتى نصل لعجوز يجلس على كرسي متحرك ولا ندري على وجه الدقة من هو، حتى تستدير الكاميرا للأمام ونجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام فرانك شيران ليبدأ في سرد قصة حياته، وكأنه في حوار تلفزيوني، ثم ينتقل الزمن تلقائياً إلى الماضي.

اختار السيناريو أن تدور الأحداث في ثلاثة خيوط درامية، قد تبدو منفصلة لكنها تحوي في باطنها ارتباطاً وثيقاً ببعضها البعض. البداية مع الحاضر الذي يمثل خطا سرديا أولا، وفيه يجلس فرانك وحيداً يسرد ويحكي تفاصيل رحلة عمل جمعته برفيقه راسل (جو بيشي) تنتهي باغتيال رئيس نقابة سائقي الشاحنات جيمي هوفا (آل باتشينو).

ومن هذه الرحلة التي تعد خطا ثانيا؛ يتفرع خط سردي ثالث ينتمي أيضاً للماضي، لكنه مُكمّل للسرد ولا غنى عنه، ونرى فيه بدايات فرانك وكيف كانت رحلة صعوده، فالسرد لا يلتزم بوحدة واحدة ذات طبيعة زمنية ثابتة، لكنه متشعب، فهي شذرات طويلة من الماضي بخطيه المشار إليهما، مع مثيلاتها من الحاضر.

رسم السيناريو أحداثا تتشعب وتتوالد من رحم بعضها البعض، ففي أحد المشاهد التي يسرد فيها فرانك تفاصيل رحلته مع راسل؛ تقف السيارة التي تقلهما أمام محطة بنزين، ليرجع الزمن إلى الوراء فجأة كاشفاً ملابسات تعارفهما على بعضهما البعض، ومن هذه النقطة ينطلق السرد للخلف، مُفصحاً عن حياة فرانك التي يُزيح السيناريو عنها الستار شيئاً فشيئاً، فالأزمنة الثلاثة تتقاطع معاً لتشكل وحدة سردية واحدة رغم تشابكها واحتوائها على العديد من التفاصيل التي قد تبدو بلا أهمية تذكر، لكنها عندما تتجمع معاً بشخوصها وأحداثها نُدرك أهميتها وتماهيها مع منوال السرد بل والتصاقها الوثيق بالمسار الرئيسي للأحداث.

أحداث الفيلم تبدأ من الحاضر ومنه يعود للسبعينيات ثم تنطلق للوراء إلى الخمسينيات

 

السياسة والمافيا.. تبادل المنفعة

تبدأ أحداث الفيلم من الحاضر ومنه يعود للسبعينيات ثم تنطلق للوراء إلى الخمسينيات، لنُتابع كيف بدأت علاقة فرانك براسل الذي يؤهله ويجعل منه قاتلاً محترفاً، فبعد عدة سرقات صغيرة يقوم بها فرانك لحساب نفسه تقوم الشركة بفصله من العمل بعد ثبوت تورطه في سرقة شحنة لحوم مجمدة، ثم يتقابل مع المحامي بافلينو (راي رومانو) الذي يُدافع عنه، ومن هنا تتغير حياة فرانك وتأخذ منعطفاً آخر، فحياة فرانك لا تسير وفق منوال ثابت، كل شخص في حياته له أثر طويل وممتد، كل منهم ساهم في تكوينه ودفعه للوصول إلى ما وصل إليه، لكن يبقى تأثير راسل هو الأقوى.

كل ذلك يدور في الخمسينيات في فترة يبدو أنها تتسم بالهدوء النسبي في الأحداث والمجريات العالمية، وهي أيضاً فترة يُخيم عليها السكون المشوب بالتصاعد في حياة فرانك التي لا يُعكرها سوى بعض العمليات الصغيرة التي يقوم بها لصالح بعض زعماء العصابات الإيطاليين، فقد عَمد السيناريو إلى ربط حياة فرانك والتغيرات التي تطرأ عليها بالتطورات والأحداث التاريخية، في إشارة واضحة وربط صريح للعلاقة بين المافيا والسياسة في تلك الفترة، فالولايات المتحدة بعد سنوات الحرب العالمية الثانية في فترة كمون وهدوء واستعادة عافية.

وفي الستينيات تتصاعد الأجواء بنذير التوتر الذي يصل لمرحلة الضباب، والبداية مع غزو كوبا وأزمة الصواريخ النووية، وهنا يتصاعد دور فرانك، في إشارة صريحة لدور المافيا وعلاقتها الوطيدة بدوائر السياسة واتخاذ القرار، إذ ترغب المافيا في استعادة الملاهي الليلية التي سيطر عليها كاسترو وقام بتأميمها بعد اندلاع الثورة الكوبية، ولا حل سوى التدخل العسكري الأمريكي، وذلك بإيعاز من المافيا لعائلة كيندي التي كانت على علاقة وثيقة بها.

ففي أحد المشاهد نرى عمليات تزوير الانتخابات الأمريكية التي جرت خلال تلك الفترة عبر استخدام أصوات أموات لصالح الرئيس كيندي، وبالتالي ترغب العائلة في رد الدين المستحق، ومنها كسب شعبية أكثر لصالح النظام.

يقرر راسل الاستعانة بفرانك في نقل السلاح اللازم للمعارضة الكوبية، لنرى فرانك في أحد المشاهد وهو يُسلم شاحنة السلاح إلى أحد رجال المباحث الفدرالية ويعود من حيث أتى وكأنه لم يفعل شيئاً، فدور المافيا خفيّ لكنه بارز ومحسوس وفعال أيضاً.

مثلما تتوالد الأحداث من رحم بعضها البعض، تتكاثر الشخصيات وبالتالي يتمدد نطاق علاقاتها

 

علاقات متشابكة

مثلما تتوالد الأحداث من رحم بعضها البعض، تتكاثر الشخصيات وبالتالي يتمدد نطاق علاقاتها، وقد تعددت ما بين علاقات عمل وطيدة وعلاقات أسرية مضطربة.

فعلى مدار الفصل الأول من أحداث الفيلم نرى تأثير راسل الكبير على فرانك، ففي أحد المشاهد نرى راسل أثناء حفل تكريم فرانك على مسيرته المهنية يُهديه خاتماً ذهبياً ويُخبره بأنه بمثابة ابن له، فراسل الذي لم يُرزق بأطفال يرى في فرانك وأسرته وتداً وامتداداً له، وفرانك يرى في راسل أباً وموطن حماية، بل وإلهاً في أحيان أخرى، أوامره ورغباته تنُفذ على الفور دون لمحة تفكير واحدة، ففي أحد المشاهد نرى فرانك وراسل يسهران في أحد الملاهي الليلية، ليفاجآ بأحد زعماء العصابات الشباب المعروف عنه التهور يسخر من راسل، فُيبدي راسل إشارة بعينيه لا يَفهم مغزاها سوى فرانك، فيتخلص من ذلك الشاب بعدها بأيام قليلة.

فرانك طوال الأحداث مُسخر لخدمة راسل، لا يهتم كثيراً إن كان مُقتنعاً بما يفعل أو لا، المهم هو إرضاء سيده حتى الرمق الأخير في ولاء واضح له، فالشخصية تبدو مفعولاً بها في كل أفعالها، حتى لو بدر منها عكس ذلك.

أما العلاقة بين فرانك وجيمي هوفا فتحوي بُعداً آخر يختلف كلية عن علاقته براسل، فإذا كانت علاقة فرانك وراسل في طياتها علاقة بين سيد وعبد، فعلاقة فرانك بهوفا تبدو علاقة صداقة أكثر منها علاقة رئيس بمرؤوس.

فهوفا الذي يستعين بفرانك للوقوف بجواره لمواجهة المشاكل المتفاقمة في نقابة سائقي الشاحنات، تتوطد بينهما العلاقة حتى تصل إلى مرتبة يتأثر فيها فرانك بهوفا، وذلك نادر بالنسبة لشخصية مثل فرانك، خاصة وأن عواطف مثل هذا النوع من الشخصيات تكاد تكون مُنعدمة تماماً.

ففي أحد المشاهد نرى هوفا وهو يوارب باب حجرة نومه في الجناح المخصص لهما هو وفرانك في أحد الفنادق، وتُركز الكاميرا لثوان على باب الغرفة الموارب. وفي المشاهد النهائية من الفيلم نرى فرانك وهو في دار المسنين ويطلب من القس الذي يُلقنه صلواته ألا يُغلق الباب، مثلما كان هوفا يفعل أثناء نومه، في إشارة إلى تأثير هوفا على شخصية فرانك، وكأنه يُعبر عن محبته العميقة له رغم ما جرى بينهما.

على صعيد آخر بدت علاقة فرانك بأفراد أسرته يشوبها التوتر وانعدام التوازن، وتحديداً بابنته الكبرى بيغي التي تُدرك سر مهنة أبيها، فلا تتواءم معها بل ترفضها بشدة.

فقد صنع السيناريو بداية التوتر في العلاقة بينهما منذ الصغر عندما كانت ترى والدها وهو يتشاجر مع صاحب متجر الخضراوات تعنيفاً له على طرد ابنته من المتجر. وفي مشهد آخر نرى بيغي وهي تُراقب والدها وهو يُجهز مسدسه للخروج ليلاً، وحينما تسأله ببراءة إلى أين يذهب يُخبرها بحدة أنه ذاهب إلى العمل، لتتحول العلاقة بينهما بعد ذلك إلى تصاعد وتشاحن مستمر؛ صامت في البدء لكنه يصل للذروة مع الكبر حتى يصل لمرحلة القطيعة والرفض التام.

وبالتالي لا تتناغم شخصيتها مع راسل أو أي من أصدقاء والدها الذين يعملون في المافيا، فهي تتوجس منهم وترتاب من التعامل معهم، لكن في المقابل نجد علاقتها مع هوفا على النقيض تماماً، فهو الوحيد الذي رأت أنه جدير بالاحترام بخلاف فرانك وراسل. قد يبدو هوفا لها مثل والدها، فهو يُعاملها بمحبة وود حقيقيين، على عكس راسل أو فرانك اللذين يصطنعان الحب إذ إن مشاعرهما الحقيقية خالية منه تماما.

العلاقة بين فرانك وجيمي هوفا تتعمق، خاصة بعد اتهام هوفا بالتلاعب بالمشاعر الوطنية

 

أحداث متصاعدة

تتعمق العلاقة بين فرانك وجيمي هوفا، خاصة بعد اتهام هوفا بالتلاعب بالمشاعر الوطنية، ليودع السجن أربع سنوات، ويصبح مستقبله السياسي على المحك، ويرفض أن يتنازل عن رئاسة نقابة سائقي الشاحنات، رغم تورطه في العديد من التهم الأخرى التي تتعلق بتعطيل العمل. فقد رسم السيناريو جميع شخصيات الفيلم وبداخل كل واحدة منها نقيصة ما، لا أحد كامل النقاء أو كامل السوء؛ وإنما شخصيات تحوي من هذا وذاك.

وهنا يعود فرانك إلى ممارسة مهنته التي يُجيدها، حيث يطلب منه راسل أن يقتل صديقه جيمي هوفا، ويُنفذ فرانك الأمر دون أن تنتابه أية مشاعر أسى تُذكر، المهم هو تنفيذ الأمر وإن كان على حساب ذاته.

وفي أحد المشاهد يسأل القس فرانك إن كانت تنتابه أية مشاعر ندم حيال ما فعل، فيجيب فرانك بهدوء واستنكار بأنه لا يشعر بأي شيء على الإطلاق. فشخصيته تكاد تكون مصمتة منزوعة المشاعر؛ قد يشعر بتأثير هوفا عليه لكنه في مقابل ذلك لا يشعر بأي ذرة حزن.

فرانك هو المركز الذي تدور حوله الأحداث، فهو إما فاعل فيها أو مفعول به، ومن فرانك تتفرع شخصيات أخرى مثل راسل وهوفا. فعلى مدار أزمنة الفيلم الثلاثة الماضي بطبقتيه الاثنتين والحاضر، فإن شخصية فرانك لا تغيب عن المركز حتى تعود للحاضر مرة أخرى.

فبعد خروج فرانك من السجن ورحيل جميع أصدقائه، يأخذ الفيلم طابعاً فلسفياً تأملياً عن حياة الإنسان بصفة عامة، وفي الكِبر تحديداً. فنرى فرانك وهو يتأمل شريط حياته وعلاقته بابنته التي تؤرقه، ووحدته وانتظاره للموت الذي يأبى الرسو عند مرفئه.. تتوالى مشاهده وهو وحيداً عاجزا عن مواصلة السير إلا بمساعدة عكازين، وفشله في حفظ مواعيد الدواء، وغيرها من الأمور التي لا تستقيم بدونها حياته، ليضعنا السيناريو أمام مقارنة بين حال الإنسان في الشباب وبينها في الكِبر، وهي مقارنة خافتة محسوسة برفق دون افتعال أو فجاجة في التناول، خاصة مع الصورة والألوان الفاتحة التي توحي بالهدوء بعد صراع، وكأن سكورسيزي يتأمل ذاته في مرحلة الكبر وبعد بلوغه الـ77 واقترابه من الـ80.

فرانك هو المركز الذي تدور حوله الأحداث، فهو إما فاعل فيها أو مفعول به

 

فلسفة محكَمة

ثلاث ساعات ونصف الساعة هي مدة عرض الفيلم؛ قد تبدو مرهِقة وطويلة، لكنها بدت على خلاف ذلك، وهنا تكمن براعة سكورسيزي في إحكام السيناريو وتماسك بنائه الدرامي، رغم الاعتماد على اللقطات الطويلة، ليأتي المونتاج بقطعاته الهادئة ونقلاته الزمنية المتعددة سلساً وذا إيقاع محكم متدفق، لا يشعر المتفرج معه بالملل.

فالبداية مع فرانك الذي يسرد بصوته حكايته، ليصبح ذلك التعليق مُلازماً طوال مدة الفيلم كأغلب أفلام سكورسيزي ولعل أبرزها "الرفقاء الطيبون"، حيث يُصاحبنا التعليق بصوت روبرت دي نيرو الذي جاء أداؤه بجوار آل باتشينو وجو بيشي ليبدو الجميع كأنما هم في مباراة تمثيلية يتسابقون جميعاً في إظهار مكنوناتهم والتعبير عن شخصياتهم باندماج كامل معها، وخاصة آل باتشينو الذي عبر عن شخصية هوفا بسلاسة وتمكّن جديرين بالتحية.

أخيراً، لا شك في أن مارتن سكورسيزي قدم أحد أجمل أفلامه، سواء على مستوى الإخراج أو باقي العناصر الفنية، لكنْ يبقى مضمون الفيلم واحتواؤه على العديد من الأفكار -إنسانية كانت أو سياسية- هو الأقوى والأجمل كالكشف عن صراع الدوائر السياسية الأمريكية وتحالفها مع عصابات المافيا في الخفاء في مقابل صراع إنساني داخلي مع النفس، ومع الزمن الذي يركض بسرعة الريح دون أن ندري أين توارى.