نقد سينمائي

البرازيل.. السّير تحت تأثير الباءات الثلاث

قيس قاسم

يرصد الوثائقي ظاهرة جديدة جاءت مع وصول اليمين، تتمثل بتغيير الجنرالات بدلاتهم العسكرية بأخرى مدنية

عن طريق الانتخابات وصل البرازيلي جايير بولسانارو إلى دفّة الحكم مدعوما من اليمين المحافظ وقادة الجيش وكبار مُلّاك الأراضي، برنامجه الانتخابي تضمن وعودا بالسماح بشراء السلاح وحمله دون قيود، وبمنح مزيد من تراخيص الاستثمار في أراضي حوض الأمازون، وللجيش أعطى صلاحيات تضعه فوق القانون والمحاسبة، وعلى الجانب السياسي تعهد بتعطيل دور المنظمات المهنية والمجتمع المدني.

مباشرة بعد إعلانه رئيسا للبلاد خرجت الجهات التي ساعدته في حملته الانتخابية إلى الشارع للتعبير عن بهجتها. رضاها عنه طرح أسئلة عن الطريق الجديد الذي ستسير عليه البرازيل بعد الانتخابات، وإلى أين سيؤدي بها؟

المخرج الفرنسي فرانسوا كاردونا حمل تلك الأسئلة في وثائقيه “البرازيل تحت تأثير الباءات الثلاث”، وراح يراجع وقبل كل شيء العوامل التي أثرت فيها وجعلت من ضابط سابق في الجيش رئيسا للبلاد.

 

عودة الجنرالات

ترمز الباءات الثلاث إلى الأحرف الأولى من الجهات التي ساعدته على الفوز، وهي الجيش وكبار أصحاب الأراضي ومربي الأبقار والكنيسة الإنجيلية. ولإشباع كل جانب منها بحثاً قسّم الوثائقي زمنه بينها ليأخذ كل جانب منها حصته، ومن خلالها مجتمعة يمكن تقديم صورة دقيقة عمّا يجري في المجتمع البرازيلي ومعرفة القوى الفاعلة والمؤثره فيه.

يذهب الوثائقي إلى مدرسة المظليين التي تخرج منها بولسونارو، وهناك يقابل ضباطا يُدَرّسُون فيها، ودون مقدمات عبّروا عن تأييدهم المطلق للضابط المظليّ الذي أصبح رئيسا للبلاد، وأكدوا أيضا ثقتهم بقدرة الجيش على بسط الأمن.

وبدوره لم يتأخر الرئيس عن إعلان ولائه للجهة القوية التي ساندته في حملته الانتخابية، واعتزازا بها سيظهر بعد ثلاثة أسابيع فقط على تولي منصبه في إحدى مسيراتها الاستعراضية.

مشهد يعكس الدور الجديد للجيش في الحكومة الجديدة، حيث يحصل الوثائقي على قوائم بأسماء الضباط الجدد الذين أوكلت إليهم مهام سياسية، ويستعرض التركيبة الجديدة للبرلمان، حيث حصل الجيش على نسبة كبيرة فيه بلغت مئة مقعد.

عن طريق الانتخابات وصل البرازيلي جايير بولسانارو إلى دفّة الحكم مدعوما من اليمين المحافظ وقادة الجيش وكبار مُلّاك الأراضي

“الحقيقة المخنوقة”.. عن الحقبة المظلمة

دور كبير للعسكر في الحياة السياسية يُذكّر بالحقبة الدكتاتورية التي عاشتها البرازيل بين الأعوام 1964 و1985. إلى المرحلة السوداء التي غرقت فيها البلاد بالدم يعود الوثائقي ويقف عند أهم محطاتها، وهي فترة كتب عنها الجنرال ريناتو أوسترا كتابا عنوانه “الحقيقة المخنوقة” برّر فيه أعمال القمع والتعذيب التي مارسها الجيش بحق المعارضين للدكتاتورية.

سيكون هذا الكتاب مرجعا للجنرالات والضباط البرازيليين، ومن بينهم رئيس الوزراء المُعيَّن هاملتون موراو، وهو الجنرال الذي أعلن قبل فوز قائمة بولسانارو أنه لن يتردد في القيام بانقلاب عسكري للسيطرة على الحكم، أما الآن فهو يتحدث عن الديمقراطية والانتقال السلمي للسلطة.

يرصد الوثائقي ظاهرة جديدة جاءت مع وصول اليمين، تتمثل بتغيير الجنرالات بدلاتهم العسكرية بأخرى مدنية. وفي مناطق التوتر المحيطة بالمدن الكبرى يصور مجموعة ضباط تقوم باعتقال مواطنين برازيليين بحجة تسترهم على مهربي المخدرات، ويشي حديثهم بثقة وعدم خوف من المحاسبة، فالنظام الجديد منحهم حق الاعتقال واستخدام القوة.

فالقانون المُستَحدث ينص على منع تقديم ضباط الجيش للمحاكم لأي عمل يقومون به أثناء تأدية واجبهم. لقد أطلق النظام الجديد يد الجيش، وصارت قيادته عمليا من بين أقوى الأطراف المتحكمة بإدارة البلاد، إلى جانب أصحاب الأراضي ووعاظ الكنيسة الإنجيلية.

لعب الواعظ سايلاس مالافايا رئيس الكنيسة الإنجيلية دورا محوريا في وصول جايير بولسانارو إلى الحكم

12 مليون صوت

لعب الواعظ سايلاس مالافايا رئيس الكنيسة الإنجيلية دورا محوريا في وصول جايير بولسانارو إلى الحكم، حيث استغل منابره وقوة تأثيره على المنضمين لكنيسته لحشد التأييد اللازم للضابط المرشح، فصوّت له 12 مليونا من أعضائها.

يلازم الوثائقي الواعظ فترة طويلة، وعبرها يتعرف على مواقفه السياسية، حيث لا يخفي مالافايا يمينيته وكراهيته للحركات اليسارية، ويجد في دعوات المنظمات الحقوقية ما يتعارض مع قناعاته، ويرى في الجيش القوة الأكثر أهلية لأخذ البلاد إلى بر الأمان، وذلك بعد فترات من التخبط السياسي التي مرّت بها البلاد وهزّت قناعات المواطن وأضعفت ثقته بالسياسيين التقليديين.

طريقة عمله وتأثيره على الناس من خلال قناته التلفزيونية الخاصة جعلت من كنيسته التي كانت نسبة المنتمين إليها قبل عقدين فقط لا تتجاوز 4٪ من نسبة السكان، تصل نسبتهم اليوم إلى نحو 60٪، مع أن أغلبية البرازيليين مسيحيون كاثوليك.

في حوارات مطولة معه يكشف الواعظ عن جمعه ثروة طائلة تقدر بملايين الدولارات من بيع مؤلفاته

المال والسلطة

ولتوفير المال اللازم لحملة المرشح اليميني أجبر الواعظ سايلاس مالافايا أعضاء كنيسته على التبرع بعُشر مدخولهم الشهري لها، ورفع خلالها شعارات مؤيدة للمرشح، وألبس مريديه قمصانا طُبعت عليها رسومات تجمع بين رشاش الكلاشنكوف والصليب.

وفي حوارات مطولة معه يكشف الواعظ عن جمعه ثروة طائلة تقدر بملايين الدولارات من بيع مؤلفاته، ويكشف أنه وبسبب قربه من الرئيس الجديد فإن ثروته ستزداد، كما يكشف أيضا أنه عيَّن نفسه ناطقا باسمه، وأنه اعتبر فوزه واحدا من عوامل نجاحه السياسي.

واليوم أضحت الكنيسة الإنجيلية عمليا بعد فوز ممثل اليمين؛ الكنيسة الرسمية للدولة دون الإعلان عن ذلك صراحة، وصارت الذراع الخفي الداعم للعسكر. ولا ينق تحالفهما سوى دخول أصحاب مزارع تربية الماشية عليه لتكتمل الباءات الثلاث.

من المفارقات الصارخة التي يلتقطها الوثائقي الاستقصائي والتحليلي أن حكومة بولسانارو عيَّنت ممثل اتحاد مُلاك الأراضي وزيرا للزراعة

حُماتها لصوصها

ومن المفارقات الصارخة التي يلتقطها الوثائقي الاستقصائي والتحليلي أن حكومة بولسانارو عيَّنت ممثل اتحاد مُلاك الأراضي وزيرا للزراعة. ودون تأخير أصدرت الوزيرة تيريزا كريستينا قوانين جديدة تتوافق مع مصالحهم وطموحاتهم في شراء أكبر مساحة من الغابات المطيرية في حوض الأمازون وتحويلها إلى أراض زراعية.

وتعلن الوزيرة في لقائها الأول مع الصحافة عن نيتها استقطاع مساحات من الأمازون لتبلغ نسبة المناطق المجردة من غاباتها 20٪ بدلا من 4٪ المعمول بها قبل تعيينها، وأبدت أيضا ثقتها بالجيش وقدرته على تحجيم لصوص الغابات.

ولتفسير معاني الأرقام المذكورة يُقدم صناع الوثائقي مقاربات لها تعين مشاهده على فهمها، مثل حجم الإنتاج الزراعي البرازيلي الذي يشكل أكثر من ربع الدخل القومي للبلاد، وأن نسبة الـ20٪ المقترحة تعادل مساحة أربع دول أوروبية كبيرة مجتمعة.

ويعني تجريد الأرض من غطائها الزراعي وزراعتها بمحصولي القهوة والصويا خسارة البشرية جزءا مهما من أوكسجينها، فغابات الأمازون المطيرة تمثل الرئة التي تتنفس منها الأرض، وبالتالي أي تقليل من مساحاتها الخضراء يعني تقليل كمية إنتاجها من الأوكسجين الطبيعي.

يعرض الوثائقي تاريخ "حركة المحرومين من الأرض"، والتي انطلقت قبل عدة عقود احتجاجا على نهب الملاك الكبار أراضيهم التي ورثوها عن أجدادهم

المتضررون

لعرض النتائج الكارثية المتأتية من التحالف الثلاثي، يترك صانع الوثائقي قسما من مساحته للمتضررين منها، أول هؤلاء سكان البلاد الأصليون المجبرون على ترك مناطق سكناهم نتيجة عملية جرف الغابات التي يعيشون على خيراتها.

وتُظهِر مقاطع مصورة التغيّرات الناتجة عن عمليات قطع الأشجار وإقامة مزارع لتربية الماشية مكانها. ولم يكتفِ أصحاب الحقول بما عندهم داخل البلاد من مزارع تربية مواشي تقدر أعدادها بـ215 مليون مزرعة، فراحوا يستثمرون صلتهم بالحكومة الجديدة لأخذ كل قطعة أرض يمكلها مزارعون فقراء.

ويعرض الوثائقي تاريخ “حركة المحرومين من الأرض”، والتي انطلقت قبل عدة عقود احتجاجا على نهب الملاك الكبار أراضيهم التي ورثوها عن أجدادهم. فقد قرر هؤلاء البرازيليون أخذ مساحات فارغة من الأرض والقيام بزراعتها لإعالة عوائلهم بما تجود عليهم.

المخرج الفرنسي فرانسوا كاردونا حمل العديد من الأسئلة في وثائقيه "البرازيل تحت تأثير الباءات الثلاث"

تجريم الفلاحين

وعلى ضوء القوانين الجديدة بدأ بعض المُلاك بالتحرك للاستحواذ على أراضيهم بحجة سرقتهم لها من الدولة، والمفارقة الكامنة في ذلك التوصيف تكمن في أن أصحاب الأراضي والحقول الواسعة هم أنفسهم يقومون بعرض مبالغ من المال على “اللصوص” كما يسمونهم مقابل تنازلهم عنها، وهي عروض شراء تُقِر بشرعية ملكية الناس لأرض ولدوا فوقها.

ومن جانبها أصدرت حكومة بولسانارو قوانين جديدة تُجرم الفلاحين الصغار وتهددهم بالطرد من بيوتهم وبالسجن بتهمة “الإرهاب”، أما الإرهاب هنا فتقصد به المظاهرات التي ينظمونها ويطالبون فيها الحكومة بحمايتهم بدلا من وقوفها إلى جانب الأثرياء.

وعلى المستوى السياسي لم تَقِل نسب الجرائم، وظلّ عدد القتلى بين ضباط الشرطة على أيدي رجال العصابات كما هو قبل الانتخابات، والفقر زادت مظاهره كما البطالة، والمعارضة تجد نفسها محاصرة بقوانين تُجَرّم صحافتها وتُقيّد تحركاتها.

أما المنظمات الحقوقية والمدنية والنقابات فمع كل ما أُعد لتحجيمها ما زالت مصرة -كما أعلنت للوثائقي- على مقاومة المد اليميني الشعبوي، والعمل على إعادة البلاد ثانية إلى الديمقراطية بدلا من النظام العسكري والدكتاتوري القادم إلى المشهد السياسي البرازيلي بوضوح.