نقد سينمائي

"الجيش الأحمر" الرياضة والسياسة في عالم متغير

أمير العمري

خارج مسابقة مهرجان "كان" السينمائي الأخير، شاهدنا الفيلم الوثائقي الأمريكي "الجيش الأحمر" Red Army الذي أخرجه المخرج الأمريكي (من أصل روسي) جابي بولسكي Gabe Polsky وهو أحد الأفلام النادرة التي تدور في عالم الرياضة، ولكن ليس من الممكن يصلح اعتباره فيلما "رياضيا" حول "تقنيات" لعبة من الألعاب الرياضة، هي في هذا الفيلم تحديدا، لعبة "هوكي الجليد" التي يمارسها اللاعبون بواسطة مضارب طويلة وهم يتزلجون فوق سطح ملعب مغطى بالجليد.

جابي بولسكي

يتخذ الفيلم خصوصيته من تفرده في اختيار الموضوع والمادة والنفاذ إليهما من زاوية إنسانية سياسية مثيرة لاهتمام المتفرجين حول العالم، فهو ينطلق من خصوصية الموضوع الرياضي لكي يروي قصة أخرى لا تتعلق فقط بالبطولات والمنافسات الرياضية وما يدور عادة وراء كواليس اللعبة، بل يكشف بمهارة، عما وراء تلك البطولات الرياضية، من معاناة إنسانية، ثم يتسع الفيلم لكي يروي- على نحو ما- قصة سقوط النظام السوفيتي مع المحافظة على خصوصية الموضوع والشخصيات والأحداث.
ولعل من أكثر من يجعل هذا الفيلم عملا ممتعا ونموذجا فريدا للفيلم الوثائقي الحديث، اعتماده على قصة تكمن في داخلها الكثير من العوامل الدرامية التي تشد المشاهد، وتقدم له، في الوقت نفسه، الكثير من المعلومات التي يجهلها، سواء عن "هوكي الجليد" أو عن الجوانب الداخلية التي كانت خافية في المجتمع السوفيتي، واشتباك الرياضة بالسياسة، بالجيش، بالحرب الباردة بين المعسكرين، وكيف كان يتعين أن يدفع الإنسان أن الثمن في النهاية.

الفريق الأحمر
عنوان الفيلم يشير على نحو مجازي، إلى فريق هوكي الجليد السوفيتي الذي كان تابعا للجيش الأحمر، وكيف كان يُعد لكي يصبح، ضمن رياضات أخرى كثيرة في الاتحاد السوفيتي السابق، مجالا لإثبات التفوق السوفيتي في الإعداد والتنظيم، ودليلا عمليا على نجاح فكرة "العمل الجماعي" وهي من أركان النظرة الشيوعية التقليدية، مع إنكار الذات والتخلي عن الروح الفردية والعمل معا كفريق متجانس متحد من أجل تحقيق الهدف. وكان الهدف بالطبع دعائيا. وكان التفوق والفوز والحصول على البطولات يخدم السياسة الخارجية السوفيتية، ولكن كانت لهذه السياسة في الوقت نفسه، أضرار كبيرة أصابت اللاعبين أنفسهم. ويشير عنوان الفيلم "الجيش الأحمر" إلى فريق هوكي الجليد الذي اعتبر الأنجح من بين كل الفرق الرياضية في الاتحاد السوفيتي، ويحمل العنوان مجازا ساخرا حينما يعتبر أن فريق الهوكي يختصر الجيش السوفيتي كله، فقد كان في الصدارة، يخوض المعارك "الرياضية" مع الغرب!

المدرب

يقدم المخرج موضوعه في سياق فني ممتع، تشيع فيه روح السخرية والدعابة والمرح خاصة وأنه يعتمد على المواجهات المباشرة مع اللاعبين السابقين في الفريق، ومع المدرب العقائدي المتشدد بافل كروتكوف، الذي كان يتلقى تعليماته- كما يقول في الفيلم- من المكتب السياسي للحزب الشيوعي مباشرة، وهو يعترف هنا بأنه كان يكتب التقارير عن اللاعبين أثناء رحلاتهم الى الخارج، وكان مكلفا بالقيام بكل ما يمكنه من أجل منع انشقاقهم ولجوئهم للغرب. ويروي اللاعب الروسي البارز فياشسلاف فيتيسوف، وهو الشخصية الرئيسية في الفيلم، وكان قائدا لفريق هوكي الجليد السوفيتي، كيف كان اللاعبون مرغمين على البقاء في معسكر التدريب طول السنة، لا يسمح لهم بمغادرة المعسكر سوى ليومين كل شهر، وكيف كان المسؤولون يضمون اللاعبين في سن مبكرة، ليندمجوا داخل المعسكر بغرض تذويب شخصياتهم الفردية، وصهرهم جميعا في بوتقة واحدة بحيث يصعب وجودهم خارج منظومة الفريق الواحد.
ولعل مما يقرب الفيلم من المشاهدين، رغم ما قد يبدو من غرابة ظاهرية في موضوعه، اعتماده على بطل، نرى الأحداث معظم الوقت، من وجهة نظره، من خلال تلك المقابلات الصعبة التي أجراها المخرج معه، وكثيرا ما تعرض للرفض والاعتراض بل والسخرية المباشرة منه أيضا، بل ومن الأسئلة التي يوجهها إلى ضيفه كما نشاهد.
فيتيسوف Fetisov الذي نجح مع فريقه في انتزاع بطولة العالم سبع مرات، ولم يهزم سوى مرة واحدة أمام الفريق الأمريكي في 1980. هذا الرجل، الذي التحق بشبيبة الجيش الأحمر وهو في الثامنة من عمره، وأصبح شيوعيا مخلصا، يروي الآن بعد أن أصبح في الثامنة والخمسين من عمره، كيف أدرك بعد كل ما حققه من نجاح أسطوري، أنه لا يمكنه التعايش مع المنظومة السوفيتية التي تحكم عالم الرياضة بل والمجتمع بأسره، وأصبح متمردا ضد سياسة التعنت البيروقراطي، ونظام التشكك والمراقبة والعقاب الصارم، مما أدى إلى فتور حماسه ومن ثم تعرض فريقه للهزيمة، وهنا فقد تعرض للاعتقال والضرب المبرح- كما يروي هو- وأصبح زملاؤه يتجنبون الحديث إليه، ووضع تحت الرقابة اللصيقة.
يرى فيتيسوف أيضا أن الحرب الباردة لم تكن عن "الخوف" كما يُروج، أي خوف كل طرف من الآخر، بل كان جوهر الصراع اقتصاديا، عن "المال" كما يقول في الفيلم. ويروي كيف اضطر الاتحاد السوفيتي بعد اشتداد الأزمة الاقتصادية التي في منتصف الثمانينيات بعد إعلان السياسة الجديدة التي عرفت بـ" البريسترويكا" و"الجلاسنوست" (أي الانفتاح السياسي والاقتصادي) التي أعلنها جورباتشوف، إلى بيع بعض اللاعبين لبلدان الغرب، لتغطية العجز في ميزانية الانفاق على الرياضة في البلاد. ولم يكن الاتحاد السوفيتي يمانع طالما ظل اللاعبون يشاركون مع الفريق الوطني في المباريات الدولية.

فيتيسوف

لا يركز الفيلم على فيتيسوف وحده، بل يتناول جميع أعضاء الفريق، ويصور ويوثق كيف رفض ثلاثة منهم المشاركة في بطولة العالم ما لم يشارك فيتيسيوف بعد اعتقاله ومنعه من اللعب في الخارج، وقد نجحوا في ذلك بالفعل إلا أن زميله وصديق عمره كازاتونوف، وكان عضوا بارزا في الفريق، أدانه علانية فيما بعد ووقف ضده ولايزال حتى يومنا هذا، خصوصا بعد أن تقدم فيتيسوف بطلب في أواخر الثمانينيات للسفر الى الولايات المتحدة للعب ضمن فريقها الوطني، ونجح بعد متاعب عديدة، في تحقيق مأربه وظل هناك لسنوات قبل أن يعود إلى روسيا ويتقلد منصب وزير الرياضة في حكومة بوتين حتى 2008.
لا يعتمد الفيلم فقط على تلك الحوارات الصعبة الشيقة التي يجرها المخرج من وراء الكاميرا مع فيتيسوف وكذلك زميله وصديقه القديم كازاتونوف الذي لايزال باقيا على موقفه منه، ومع مدرب الفريق كروتكوف (الذي نعرف من العبارات النهائية التي تظهر على الشاشة أنه توفي بعد شهر واحد من تسجيل تلك المقابلة السينمائية معه) بل هناك أيضا مقابلات موزعة على مسار الفيلم مع ضابط سابق في المخابرات السوفيتية (كي جي بي) يروي بوضوح أمام حفيدته الصغيرة التي لا تكف عن مداعبته طيلة الوقت، كيف نجح الأمريكيون في إقناع اللاعب السوفيتي الشهير ألكسندر موجيلني Mogilny عام 1989 في اللجوء للغرب مقابل مليون دولار.

إيقاعات راقصة
يستخدم المخرج الكثير من القصاصات الصحفية والصور الفوتوغرافية والحوارات ولقطات الأرشيف المصورة ومنها الكثير من اللقطات النادرة، من زمن خروتشوف وبريجنيف، ولعل من أهمها تلك اللقطات التي تصور تدريبات فريق هوكي الجليد داخل معسكر الجيش الأحمر، وكيف كانوا يتدربون على التعامل بالمضارب فوق الجليد وكأنهم فريق للرقص التعبيري على طريقة باليه البولشوي الشهير، بل يتردد في الفيلم أنهم كانوا بالفعل يستلهمون من فرقة البولشوي في تحركاتهم، فقد نجحوا في تلك الفترة، في جعل اللعبة، نوعا من الفن الرفيع، لا تتميز فقط بالقوة والقدرة على الحركة في تناغم تام بين أعضاء الفريق، بل تقدم أيضا عرضا ساحرا يثير الإعجاب والحسد!

الفريق الاحمر

يعرض الفيلم موضوعه في علاقته بالتطورات السياسية في الاتحاد السوفيتي من خلال الصور واللقطات التي نشاهدها، وينتقل من لقطات للمباريات الشهيرة التي خاضها الفريق، مثل مبارياته مع الفريق الكندي ثم الأمريكي، إلى حوارات مع شخصيات مختلفة، إلى لقطات تسجيلية للأحداث الكبرى مثل انقلاب أغسطس 1991، الذي فشل، واستقالة جورباتشوف في 25 ديسمبر 1991، إلى لقطات ليلية لمدينة موسكو، تظهر بين فترة وأخرى من أجل إتاحة مساحة للتنفس بين أجزاء الفيلم المختلفة. ويتردد في الفيلم الكثير من المعلومات، مع استخدام طريقة الكتابة على الشاشة وطبع الصور المزدوجة، واستخدام الكاريكاتير والرسوم. ويقول التعليق الصوتي إنه بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتفكك دوله الـ 15، تقلص الدعم المالي الذي أصبحت الدولة في روسيا تقدمه للرياضة عموما، ولرياضة الهوكي بوجه خاص، مما دفع 500 لاعب روسي للذهاب إلى الخارج.
يتميز الفيلم فنيا بإيقاعه السريع، وسيطرة مخرجه على مادته رغم تشعبها وتعقيداتها، بحيث ينجح من خلال المونتاج في دفع الحركة إلى الأمام، مع تعاقب خلاب للصور، وجرأة في الاحتفاظ بما لا يحتفظ به السينمائيون عادة من لقطات، خاصة تلك التي يظهر فيها فيتيسوف وهو يسخر من المخرج أو يشير إليه في استهجان.
"الجيش الأحمر" عمل وثائقي ممتع يصلح تماما للعرض على الشاشة الكبيرة والشاشة الصغيرة معا، وهو "اكتشاف" حقيقي لموهبة مخرجه جابي بولسكي الذي لم يقدم قبله سوى فيلم واحد روائي، ولا شك أننا سوف ننتظر بشوق فيلمه القادم.