نقد سينمائي

”الحافة“.. ستيف بانون نحو جبهة عالمية جديدة للكراهية والعنصرية

قيس قاسم

لن يتخلى ”ستيف بانون“ الإستراتيجي الأمريكي ومخطط الحملة الانتخابية للرئيس ترامب عن أفكاره اليمينية العنصرية المتشددة الداعية لكراهية الآخر، وذلك حتى بعد إبعاده من البيت الأبيض. هذه هي الخلاصة التي تتوصل إليها المخرجة أليسون كلايمان بعد مُلازَمة قريبة له استمرت سنة كاملة، انكبّ خلالها على تشكيل جبهة شعبوية عالمية مناهضة للديمقراطية.

لإقناع مُشاهِدي فيلمها ”الحافة“ بما توصلت إليه؛ عملت على تسجيل أدقّ تفاصيل حياته العملية، فمن خلالها يمكن الكشف عن أفكاره وطريقة صياغتها بما يؤَمّن تطبيقها الفعلي على أرض الواقع، حيث استغلت نشاطه خلال فترة انتخابات نصف الفترة الرئاسية للكشف عن دوره في تثبيت مواقع الجمهوريين والرئيس المُنتخب، وأيضا عن التناغم الأيدولوجي بين قيادات اليمين وتوافقهم على كراهية المسلمين والسود والمهاجرين.

 

من أجل جبهة شعبوية عالمية

في مكتبه الشخصي يبدو بانون -”ذو القميصين“ كما تسميه الصحافة لارتدائه أغلب الوقت قميصين واحد تحت الآخر- مشغولا طيلة الوقت، فهو لا يتوقف لحظة عن الاتصال بشخصيات سياسية مهمة، حيث يشرب العصائر المُنشطة، ويشتكي من فترة الحملة الانتخابية التي ازداد فيها وزنه وأهمل فيها صحته فغدا مثل ”وحش ضخم“.

أما عن الفترة القصيرة التي قضاها في البيت الأبيض وتولى فيها منصب المستشار الشخصي للرئيس وأحد واضعي إستراتيجيات السياسة الأمريكية، فيصفها بانون بالفترة المتعبة والمزعجة.

لم تتوقف مخرجة الوثائقي الأمريكي طويلا عند أسباب إبعاده من منصبه رغم قربه الشديد من الرئيس، حيث تركت ذلك يأتي ضمن سياق حياته العملية، وعملت على تسريبه ضمن إطار رسمها لـ“بورتريه“ الشخصي.

أكثر ما يشغل بال بانون هو تشكيل جبهة شعبوية عالمية مُستندة على مبدأ ”قومية الاقتصاد“ لا عالميته. وفي السياسة ما يهمه هو تحقيق الانفصال ونبذ فكرة الاتحاد، ولتحقيق ذلك راح يعمل مع أصدقائه اليمينيين الأوروبيين على تفكيك ”الوحدة الأوروبية“، وتغذية الروح القومية الانفصالية.

ينقل الوثائقي مقاطع من اجتماع لقادة الجمهوريين حضره بانون بمناسبة مرور عام على تولي ترامب الحكم، حيث قال فيه ”سأبذل كل جهدي لدعم الشعوبية والتعامل معها كبديل عن مفهوم ”النخب السياسية“. ولتحقيق ذلك كان المستشار السابق يعمل على تأسيس تنظيم جديد قابل للتوسع، وذلك من خلال تنشيط وسائل الإعلام الخاصة، والتخطيط الدقيق للظهور الدائم في بقية المنصات الإعلامية، خاصة الليبرالية منها، يقوم من أجله بجمع الأموال من الأثرياء المتحمسين لأفكاره ومن ”الجيل الجديد لجمهوريي ترامب“ كما يسميهم.

عمل بانون في الموقع محررا، وقدّم في إذاعته برنامجا خاصا مفتوحا يُخاطب عبره الجمهور مباشرة

”بيرتبارت“.. منصة دعائية لبانون

موقع ”أخبار بيرتبارت“ أراده بانون أن يكون واحدا من أهم المنصات الدعائية لتنظيمه الجديد، فالموقع أسّسه اليميني الأمريكي أندرو بيرتبارت في سبعينيات القرن المنصرم، ومع الوقت صار لسان حال اليمين الشعبوي الأمريكي والغربي.

عمل بانون في الموقع محررا، وقدّم في إذاعته برنامجا خاصا مفتوحا يُخاطب عبره الجمهور مباشرة. فللموقع ودوره الفضل الكبير في حشد التأييد لحملة ترامب الانتخابية، ونشر الأفكار العنصرية الداعية لكراهية السود والمسلمين والمهاجرين.

في مكتبه يظهر بانون إلى جانبه ”رحيم كسام“ المسؤول عن فرع الموقع في بريطانيا، فمهمة رحيم ترتيب اللقاءات مع قادة الأحزاب اليمينية الأوروبية، وتنشيط الدعاية لنشر أفكار بانون، والتي من بين أخطرها مفهومه الجديد للمواطنة، حيث يظهر كسام في الوثائقي ملازما له طيلة الوقت، يحضر اجتماعاته ويرافقه في تنقلاته.

صِلات بانون مع القادة العنصريين وجولاته الدعائية خلال انتخابات ممثلي الولايات الأمريكية لمجلس الشيوخ تُعلن عن توجهه الحقيقي لتغيير مفهوم ”المواطنة“

مفهوم جديد للمواطنة

صِلات بانون مع القادة العنصريين وجولاته الدعائية خلال انتخابات ممثلي الولايات الأمريكية لمجلس الشيوخ تُعلن عن توجهه الحقيقي لتغيير مفهوم ”المواطنة“ وحصرها بالبيض ”الأصليين“، أو مَنْ يسير معهم ويتوافق مع أفكارهم كرحيم كسام. إلى جانب كل ذلك تُبيّن بوضوح حقيقة دعم اليمين المسيحي الأمريكي لأفكاره الشعبوية، وحماستهم ليكونوا من بين أكثر المؤيدين له.

تسجيلات الوثائقي تُظهر ذلك، وتُظهر أيضا انعدام خشيته من تثبيتها في شريط سينمائي ”خصم“ له أعلن استقلاليته وحرصه على التزام حياد دقيق في تتبع نشاطه في مرحلة ما بعد الخروج من البيت الأبيض.

فراسم السياسات الأمريكية ومنذ تبنيه ترشيح ”روي مور“ لتولي منصب سيناتور عن ولاية ألاباما، ورغم التهم الموجه إليه بالاعتداء الجنسي على الأطفال والتحرش، فإنه لم يعد يتردد في إعلان مواقفه وحماسته لأكثر اليمينيين تطرفا.

اتفق بانون على برنامج عمل يحقق من خلاله حلمه في إنشاء جبهة شعبوية عالمية جديدة

أخطاء قاتلة

ترشيح مور وخسارته المدوية أمام مرشح الديمقراطيين ”دوغ جونز“ وانحيازه للعنصريين البيض خلال أحداث منطقة تشارلوت فيلا، حيث تعرض السود فيها لهجمات متكررة قُتل خلالها عدد منهم أمام أنظار رجال الشرطة، وإقناعه لترامب بتبني موقف ”وسط“ خلالها؛ أثار غضب السود وحفيظة بقية القوى الليبرالية والديمقراطية.

وموقفه السلبي من هجرة الأمريكيين اللاتينيين زاد أكثر من صعوبة وضعه، إلى جانب تحريضه على إصدار قرار منع دخول المسلمين للأراضي الأمريكية. كل تلك المواقف اليمينية العنصرية ربما تكون هي السبب وراء اتخاذ ترامب قرار إبعاده، إلى جانب خوفه من ترسيخ موقعه ليكون منافسا له.

الغريب أنه وفي كل لقاءاته مع قادة اليمين الأوروبي المتشدد لم يطعن بالرئيس ترامب، بل كان يعتبر وجوده مؤشرا على نجاح الشعبوية، ويجد في انتخابه أملا في تحوّل دول الغرب كله وخاصة القارة الأوروبية إلى دول شعبوية. الشيء الوحيد الذي كان يؤكده باستمرار هو عدم وجود علاقة صداقة حقيقية في عالم السياسة، وأنه غير نادم على مغادرته البيت الأبيض.

في المقابل تُظهر مواقفه الإيجابية من الشخصيات المتنفذة فيه شدة ارتباط مصالحه المالية والسياسية بهم. ينجلي ذلك في لقاءاته مع عدد من ممثلي اليمين الأوروبي المتشدد، وكيف كان خلالها يدغدغ أحلامهم بالفوز عبر تقديمه الوعود بتدخله لدى الإدراة الأمريكية لتقديم الدعم السياسي لهم.

في مقابلة ستيف مع بيغل فاراغ زعيم ”حزب استقلال المملكة المتحدة“ يتفق معه على أهمية ”بريكست“

الإسلاموفوبيا والهجرة.. أجندة مشتركة

مع كل واحد منهم اتفق بانون على برنامج عمل يحقق من خلاله حلمه في إنشاء جبهة شعبوية عالمية جديدة. قد لا يبدو شخصا ألمعيا خلال اللقاءات ولا متحدثا لبقا، لكنه يعرف كيف يضرب على الأوتار الحساسة عند مضيفيه الراغبين أصلا في التعاون معه كونه يمثل دولة وتيارا شعبويا كبيرا.

المراوغة وإرباك الخصوم من أساليبه المتبعة، لهذا نراه يحسب خطواته جيدا، ويضع أخرى بجانبها تُعينه على التراجع وقت الضرورة. انتهازيته صارخة ومصالحه فوق كل شيء، فلا أصدقاء عنده ولا مقربين، وكل ما يعرفه هو العمل المثابر لتحقيق أحلامه السياسية.

مجموع اللقاءات تُنير بعض البقع الغامضة في تحركات التيارات الشعبوية، ومن بينها عدم الإفصاح عن كراهيتهم للغير، والادعاء المستمر بـ“الوطنية“، وعدم إشهار مواقفهم السلبية من المهاجرين الأوروبيين على وجه الخصوص.

في مقابلته مع بيغل فاراغ زعيم ”حزب استقلال المملكة المتحدة“ يتفق معه على أهمية ”بريكست“، وأن المكسب الأساس من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو الحدّ من وجود المهاجرين في بريطانيا. كما يتفق مع فاراغ بأن بريطانيا تدفع المليارات سنويا لغير البريطانيين، لذلك لا بدّ من وقف ذلك ”النزيف“، حيث اتفقا سوية على بناء ”حركة شعبوية كونية“، والعمل على دحر الزعيم العمالي جيرمي كوربين بوصفه يساريا متشددا.

في مقابلات أخرى مع مارين لوبان رئيسة ”الجبهة الوطنية“ الفرنسية، والإيطالي ماتيو سالفيني رئيس رابطة ”حزب الشمال“، وممثل حزب ”ديمقراطيو السويد“ كينت إكَروث، وغيرهم من قادة الشعبوية الأوروبية؛ يجري التأكيد على الأفكار المشتركة بينهم، وعلى أهمية تحديد الخصوم والأصدقاء بوضوح.

في المحصلة تظل ”الإسلاموفوبيا“ و“الهجرة“ الجامع الأكبر لهم، والمحرك لنشاطهم المعادي للأغراب في أكثر دول القارة. في رحلاته إلى دول شرق أوروبا يكيل بانون المديح لممثلي أحزابها العنصرية، ويعتبرهم صمّام أمان أوروبا من خطر انحرافها نحو العولمة والأسلمة.

من مخططات بانون السيطرة على البرلمان الأوروبي

السيطرة على البرلمان الأوروبي

من مخططات بانون السيطرة على البرلمان الأوروبي، وذلك عبر وصول قادة اليمين إلى مواقع القرار فيه. كان ذلك التوجه موجودا قبل انتخابات عام 2019، لكن الرياح جرت لا كما كان يشتهي فظهر غضبه المستتر. فبدأ الرجل المسيطر على أعصابه طيلة الوقت يفقد التحكم بها، وذلك حال سماعه أنباء خسارة اليمين في بعض الدول الأوروبية، إلى جانب سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ في موطنه.

يلتقط الوثائقي الرائع المشغول بعناية لافتة اللحظات التي صبّ فيها ”الزعيم المستقبلي“ جام غضبه على كسيم وبقية مساعديه ينعتهم بـ“اللصوص“ الذين يسرقون ماله ولا يقومون بما يتوجب عليهم عمله.

خسارة بانون ليست سياسة فحسب، بل دعائية أيضا. فبمقدار ما كان يحرص على ظهوره عبر وسائل الإعلام الليبرالية واليسارية، فإنه كان يواجه في بريطانيا خاصة صعوبة في تمرير أفكاره. ففي مقابلات مع صحيفة ”غارديان“ وأخرى مع قنوات تلفزيونية رصينة؛ ظهر عجزه وانكشفت له صعوبة إلغاء تقاليد صحفية أوروبية راسخة. وفي الوقت نفسه يظهر لمتابع الوثائقي الفرق بين الهيمنة اليمينية الأمريكية مقارنة بالأوروبية، وسهولة تمرير أفكارها إلى العامة وإلى الكثير من وسائل الإعلام في أمريكا.

خسارة بانون ليست سياسة فحسب، بل دعائية أيضا

أثرياء شعبويون.. ممولو بانون؟

طيلة الوقت الذي كانت تمضيه المخرجة الأمريكية في تسجيل يوميات بانون بكاميرتها، رصدت مكوثه في أغلى وأفخم الفنادق، وكان يتنقل بطائرته الخاصة، مما يثير سؤالا عن مصدر موارده المالية. وبحذاقة يوصل الوثائقي مُشاهِده إلى منبعها؛ الأثرياء الشعبويون. فرغم زعمه برفضه استلام أموال من دول أجنبية فإن شبح تورطه في ”الفضيحة الروسية“ المتعلقة بدور المخابرات الروسية في توصيل الرئيس ترامب إلى دفة الحكم على حساب هيلاري كلينتون، وعلاقته بالمليونير الصيني جوي فينغول المُسمى أيضا ”ميليس كووك“ لا يمكن إنكارها. فالأخير وفي مناسبات عديدة كان يُلمّح ودون حرج إلى محاولات بانون مساعدته للحصول على حق اللجوء في الولايات المتحدة وكسب جنسيتها مقابل دعم مشاريعه السياسية بالمال.

وبدوره يُعلن المستشار السابق أن اتحاده مع الأثرياء هو اتحاد إعلامي بالدرجة الأولى، فالإعلام القوي المدعوم بالمال بالنسبة إليه الوسيلة الأنجع لتوسيع وترسيخ الأفكار الشعبوية، أما المنصة الأمريكية فلها أهداف مُعلنة يتم تحقيقها -حسب تصوره- عبر تأسيس جمعية جديدة اسمها ”تسي فور غروب.. المواطن الأمريكي الجمهوري“، والتي يُراد بها تحقيق أهداف من بينها القيام بـ“ثورة“ يمينية تزيح النخب السياسية التقليدية وتكسر الموروث السياسي القديم، والاستعداد لجني فوائد الحروب القادمة ودالتي يتوقع أن تنطلق من الخليج العربي وجنوب الصين، والتحضير لإقامة أوروبا شعبوية قبل نهاية عام 2049.

هل يمكن حدوث ذلك فعلا على أرض الواقع؟ ذلك السؤال يتركه فيلم ”الحافة“ مفتوحا، فالمستقبل وحده كفيل بالإجابة عليه، أما الشيء المؤكد بعد عام كامل من التسجيل والتوثيق، فهو ثبات بانون على قناعته بإمكانية قيام جبهة عالمية شعبوية تُطيح بالديمقراطية وترسخ الكراهية والعنصرية.