نقد سينمائي

الحرب الباردة.. تقاطعات الزمن والذاكرة والموسيقى

آية طنطاوي

فيلم "حرب باردة" يكشف لنا الوجه الحالم لبولندا حيث الأغاني الفولكلورية والرقص الشعبي البولندي وقصة حب خفية تنشأ بين موسيقي ومغنية شابة

"حتى اللحظة العابرة لها ماضٍ خصيب" (الشاعرة فيسوافا شيمبورسكا)

بالتأكيد لا يمكننا أن نعود بالزمن إلى الوراء، لكن يمكننا استحضاره من ذاكرتنا بالصور الفوتوغرافية والحكايات التي طالما سمعناها من أجدادنا ونرددها دائما كأنها طقس ذاتي نستعيد به الماضي، كأن نفتح صفحات من كتب التاريخ دون أن نطويها، نستعيد السلام والحرب، الحياة والموت، وكل شيء لم يعد موجودا.

في فيلمه الأخير "حرب باردة" يعود المخرج بافل بافليكوفسكي بالزمن إلى أواخر الأربعينيات، حيث يكشف لنا الوجه الحالم لبلده بولندا حيث الأغاني الفولكلورية والرقص الشعبي البولندي وقصة حب خفية تنشأ بين موسيقي ومغنية شابة.

 

فرقة مازوفيا.. استعادة روح بولندا

تعد "مازوفيا" واحدة من أهم الفرق الشعبية في بولندا وفي العالم، بدأت الفرقة عملها على إحياء الرقصات الشعبية والأغاني البولندية بالتحديد في المنطقة الوسطى ببولندا؛ مازوفيا، ثم توسعت الفرقة بالتدريج لتضم إلى عروضها أغاني مناطق أخرى.

بدأت الفرقة نشاطها الرسمي بعد إصدار وزارة الثقافة والفنون مرسوما في 1948 بهدف إنشاء فرقة شعبية ترتكز عروضها على الأغاني التراثية ورقصات قرية المازوفيا، وراح منظمو الفرقة يطوفون في القرى من أجل البحث عن مواهب فنية شابة لتنضم للفرقة، وبالفعل نجحت المهمة في جمع الأصوات التي ستصدح بالأغاني وبدؤوا مراحل التدريبات الصوتية والرقص، وقدمت الفرقة عام 1950 أول عروضها على المسرح البولندي في وارسو حيث الغناء الشعبي والرقص واستعادة روح بولندا من جديد[1]. هذا باختصار تاريخ بدايات فرقة الـ"مازوفيا"، والذي استلهمه بافليكوفسكي وأعاد تقديمه في حرب باردة.

فرقة "مازوفيا" تعد واحدة من أهم الفرق الشعبية في بولندا وفي العالم

الأغاني في سرد موازٍ للأحداث

عندما وقفت زولا لتغني في اختبار الأصوات لاختيار أعضاء الفرقة كانت هذه هي اللحظة الأثيرة التي بدأت بها شرارة الحب الأولى بينها وبين ويكتور، كانت حالمة ومبتهجة وهي تغني ما حفظته ذاكرتها من أغنية سمعتها في فيلم روسي قديم، وبتطور الأحداث تتغير طبيعة الأغاني في تواز مع التغيرات التي تطرأ على علاقتهما العاطفية، فعندما دخلت الأغاني الوطنية إلى الفرقة دخلت الحدود الجغرافية لتفرق بين الحبيبين، وعندما التقيا مجددا لم تعد الأغاني التي تغنيها مبتهجة كما اعتدنا عليها، فأصبح الفراق والاحتقان هي الكلمات التي تتغنى بها زولا بعكس أغنيتها الأولى التي تتحدث عن القلب والحب الذي يجب أن نفسح له الطريق ليمتلكنا. عندما غادروا بولندا واستقروا في فرنسا أصبحت زولا تغني موسيقى الجاز، واندثرت تماما الأغاني الشعبية التي كانت تصدح ويتغنى بها الجميع في بداية الفيلم، فالوطن ابتعد والموسيقى اختلفت والحبيبان لم يعودا كما في السابق.

اللغة السينمائية لبافليكوفسكي تتشكل من خلال منظوره الشخصي للعالم

المرجعية البصرية

يتقن بافليكوفسكي توظيف أدواته جيدا، ويتعامل بحساسية شديدة مع الأبعاد البصرية وتكوين الإطارات التي تذكرنا بالصور الفوتوغرافية القديمة لأجدادنا، أو الصور الأرشيفية للمدن والشوارع والناس كأنها استعادة لحظية للتاريخ والزمن.

يختار بافليكوفسكي أن تتحرك الشخصيات بحريّة داخل الإطار وخارجه دون أن تتحرك الكاميرا، فالكاميرا ثابتة تماما مثل كاميرا التصوير الفوتوغرافي.

وفي حديث معه عن فيلمه السابق "إيدا"  (Ida)يقول "أردت أن أصنع فيلما يكون بمثابة تأمل، شعرت أنه لا بأس إذا لم أحرك الكاميرا ولم أستخدم "الـتقريب" (Close up)، ولم أخبر كل المعلومات من خلال الحوار، وعندما اختبرت الأمر وجدت أن الأمور تسير بشكل جيد وكان هذا اكتشافا بالنسبة لي"[1].

كان "إيدا" هو البداية التي شكّل بها بافليكوفسكي لغته السينمائية المميزة، والتي تبني حالة خاصة بين المشاهد والفيلم تساعده على تأمل الوجوه والنظرات والأماكن ليغوص أكثر فيما يختبئ داخل الشخصيات.

في مرحلة الإعداد لفيلم "إيدا" كانت الأفلام البولندية في فترة الستينيات هي المرجع البصري لبافليكوفسكي مما ساعده في تكوين الصورة التي سينقل بها هذا العالم الدرامي، بدأ في العمل مع مدير التصوير ريزارد لنشفسكي  لكنه تعرض لوعكة صحية لم تمكنه من الاستمرار في المشروع وأوكل المهمة للوكاش زال وكان هذا بمثابة "الحلم" بحد وصفه[2]، ووجدوا راحتهما في العمل سويًا، وأصبح لوكاش هو مدير تصوير حرب باردة.

"يلزم على الفوتوغرافيا أن تكون صامتة، هي ليست مسألة رصانة، ولكنها مسألة موسيقى.. إن إغماض عينيك يجعل الصورة تنطق في الصمت" (رولان بارت)

الفيلم يتابع قصة الحب منذ بدايتها ثم التطورات التي يمر بها الحبيبان عبر مواقف وأحداث فاصلة في علاقتهما والتي تحدث على فترات زمنية متباعدة

مونتاج الزمن

نتابع قصة الحب منذ بدايتها ثم التطورات التي يمر بها  الحبيبان عبر مواقف وأحداث فاصلة في علاقتهما والتي تحدث على فترات زمنية متباعدة لأنهما يفترقان أكثر من مرة هنا يلعب المونتاج لعبة خفيّة في الانتقال السلس بين المَشاهد في الزمن الواحد، وبين الانتقال الزمني عبر السنوات دون أن نشعر بانفصال يربكنا، كل هذا يبقينا على وتيرة واحدة من المشاعر نفسها لقصة الحب تلك. فإذا افترق الحبيبان ومرت على بُعدهما سنوات طويلة سيذبل الحب بداخلهما ولن يستمر كما كان، وسيحدث هذا مع المشاهدين بالتأكيد، لكن هنا لا وجود للفجوات الزمنية  فالمشاعر تظل متأججة ولا تحتاج إلى إيقاظها من جديد، وكأنها تُحكى من ذاكرة أحدهما بدون فواصل، فقط تُحكى الحكاية في خيط واحد دون انفصال. تذكرنا هذه اللعبة الزمنية بفيلم "مشاهد من الحياة الزوجية" (Scenes from a marriage) للمخرج إنجمار برجمان الذي راح ينتقل بين السنوات ليلتقط تطور المشاعر بين الزوجين بطلي الفيلم في كل مرحلة.

"قصة الفيلم هي بشكل ما عن قصة والداي" (بافل بافليكوفسكي)

يحكي بافليكوفسكي بحميمية ولمعة في عينيه أن قصة الفيلم هي قصة حقيقية لوالديه، ليس بكل تفاصيلها، لكن حالة الانفصال والعودة حدثت لوالديه في تلك الفترة الزمنية التي يدور فيها زمن أحداث الفيلم.

كانت بدايات بافليكوفسكي مع إخراج الأفلام التسجيلية، فهو متيّم بالواقع والأشخاص والحكايات والمواقف والحوارات الشخصية، وكان يستخدم التصوير الفوتوغرافي لخلق حكايات بصرية، وفي فيلم حرب باردة نجده بالفعل وظّف قصة فرقة المازوفيا وأضاف عليها رؤيته الخاصة ليقدم لنا قصة حب اقتطعها من ماضي وذكرياتِ والديه الذي أهدى لهما الفيلم.

يقول بافليكوفسكي "أردت أن أراها على الشاشة بوضوح وبشكل جميل"، وهذا هو الدور الذي تلعبه السينما في حياته حيث مكنته أن يعيد تجسيد الماضي والذكريات التي طالما سمع عنها، بل إنه يهرب من الحاضر، وهذا يزيد من شعور بالراحة والمتعة، وهذا يفسر استخدامه لزاوية التصوير 4:3 التي قلما تُستخدم في الأفلام الحديثة، وتوظيفها يعني بصريًا الشعور بالنوستالجيا (الحنين إلى الماضي) فيصبح الفيلم كأنه مجموعة من الذكريات على خلفية الأغاني الشعبية القديمة[1].

"عندي نوستالجيا للماضي، للعالم الذي لم يكن مليئا بالإزعاج والمعلومات والألوان" (بافل بافليكوفسكي)

بافليكوفسكي حصل على جائزة أفضل إخراج في الدورة الـ71 لمهرجان كان السينمائي عن فيلمه الحرب الباردة

تتشكل اللغة السينمائية لبافليكوفسكي من خلال منظوره الشخصي للعالم، وهو بذلك يخطو بثبات ليضع نفسه في عالم سينما المؤلف، حيث تتشكل مفرداته السينمائية وفق عناصر معينة يمكن إجمالها في محدودية الحوار وتبسيط الصورة والإطارات واستخدام زاوية 4:3، إضافة إلى تصوير الأفلام بتقنية الأبيض والأسود مع مراعاة التباين بين الألوان ليبدو الفيلم كأنه نابض بالحيوية ومفعم بالدراما ومعبر بدرجة كبيرة.

في شهر مايو من هذا العام حصل بافليكوفسكي على جائزة أفضل إخراج في الدورة الـ71 لمهرجان كان السينمائي عن حرب باردة، والفيلم مرشح أيضًا للمنافسة على جائزة أفضل فيلم أجنبي في جوائز الأوسكار 2019، وهو ثاني ترشيح لبافليكوفسكي بعد فوز فيلمه "إيدا" بالأوسكار عن نفس الفئة.

[1] http://www.anothermag.com/art-photography/3955/director-pawel-pawlikowski-on-ida