نقد سينمائي

"الخراب العراقي".. طواف حول أوجاع العراق العميقة

 

محمد موسى

"اكتشفت في حياتي أني كلما اقتربت من جذوري العربية في الشرق الأوسط، كلما كَبرت الصراعات، رغم ذلك تراني أرجع كل مرة.. ما الذي آمل بالعثور عليه هنا؟". هكذا يفتتح الهولندي ذو الأصول الفلسطينية صقر خضر كل حلقة من حلقات برنامجه التسجيلي "خراب العراق" الذي عرض مؤخرا على شاشة التلفزيون الحكومي الهولندي.

يُعرف خضر لماذا اختار العراق كموضوع لبرنامجه التسجيلي الجديد، فحكايات ومصائر هذا البلد العربي كانت حاضرة في كل مرحلة من مراحل حياته، إذ يصف الفلسطيني الشاب أنه رضع حب العراق مع حليب الأطفال، فعائلته الفلسطينية في هولندا ترتبط وجدانيا بالعراق. وأنه كلما زار نابلس في فلسطين حيث تعيش عائلته الكبيرة، سيُذَكَّر بالعراق عن طريق جده الذي كان يحب الزعيم العراقي الراحل صدام حسين، حتى أن هذا الجد نظم قصيدة من الشعر بعد إعدام صدام، وقد احتفظ الشاب الفلسطيني بتسجيل فيديو للجد وهو يقرأ بتأثر شعرا عن الرئيس الذي أحبه كثيرا.

 

صدام حسين.. متناقضات الذاكرة الشعبية

اتخذ المراسل التلفزيوني الشاب حُبّ صدام مدخلا لمقاربة موضوع العراق، وإن كان هذا الأمر يتضمن إشكاليّات عميقة لا يشيح المراسل وجهه عنها. يعرف خضر أن حُبّ صدام الذي طُبع عليه من الطفولة هو إشكاليّ وإلى حدود كبيرة، فكيف يمكن التوفيق بين صورتين للرئيس العراقي الراحل: صورة حاكم عنيف للغاية وبسيرة معروفة للجميع، وصورة أخرى يحملها محبوه، وبالتحديد الفلسطينيون.

يضع المقدم الشاب هذه الإشكاليّة أمام المُشاهد منذ الحلقة الأولى، فيعترف أنه ما زال مشتتا أمام هاتين الصورتين المتضادتين، بين صورة القائد العربي الذي كان ينادي بتحرير فلسطين، والدكتاتور الذي حكم العراق بقبضة حديدية.

يأخذ صقر في الحلقة الأولى المُشاهد إلى طفولته حيث كان يعيش في جنوب هولندا، وهناك يتعرف الطفل الفلسطيني حينها بزميل له في المدرسة من أصول عراقية اسمه علي كانت عائلته تركت العراق قبل فترة وجيزة ولجأت إلى هولندا، ليرتبط الطفلان العربيان بصداقة، ويتعرفا على ظروف حياتهما السابقة. وحينها اكتشف صقر أن عائلة الطفل العراقي تحمل مشاعر تجاه صدام حسين، هي على الضد تماما مما كان يسمع عنه من أهله.

يُقرر المراسل التلفزيوني الشاب أن يُقابل والد علي من أجل برنامجه التسجيلي الجديد، وسيستعيد الأب تفاصيل من حياته السابقة في العراق، وكيف أنه هرب بجلده من نظام دموي، كان لا يتورع عن قتل قبيلة كاملة لأجل محاسبة فرد واحد من هذه القبيلة، إذا تجرأ وتمرد هذا الفرد على حكمه.

يشرح الأب العراقي من صالون منزله الهولندي، كيف أن سلاح النظام العراقي السابق كان موجها في معظمه تجاه شعبه، وأن بعض العرب الذين كانوا موالين للرئيس السابق، لم يعرفوا حقا ماذا يعني العيش في العراق تحت ظل حكمه، لذلك فهو يعذرهم قليلا على حد قوله.

صدام حسين الذي يراه البعض بأنه القائد العربي الذي هتف بتحرير فلسطين، والبعض الآخر يراه الدكتاتور الذي حكم العراق بقبضة حديدية

 

في قصر صدام.. "تحيا فلسطين"

حتى يُبيّن شعبية الرئيس العراقي السابق في أوساط معينة في العالم العربي، زار مقدم البرنامج نابلس المدينة الفلسطينية التي يعيش فيها أقرباؤه، وهناك صوّر لصدام في ساحات المدينة، وهناك شخصيات عامة تتصدر صفوف المحبين العاديين في مبالغتها في تمجيد الرئيس العراقي، ومنهم رجل يلقب بأبو عدي (صدام حسين كان له ابن اسمه عدي).

يبحث البرنامج عن أبو عدي ويعثر عليه بسهولة، لكونه بنى قصرا على شاكلة أحد قصور صدام في العراق، وباب هذا القصر حُفرت عليه في الحديد صورة للرئيس العراقي الراحل. يُحاول خضر عبر حواره مع أبو عدي أن يكتشف أسباب حُبّ بعض الفلسطينيين العميق لصدام حسين، وبالنسبة إلى أبو عدي فموقف صدام حسين مع الفلسطينيين وقضية فلسطين لا يقارن بأي موقف عربي رسمي آخر.

يحاجج أبو عدي الفلسطيني الذي بلغ نصف عمره من صالة منزله التي تزينها صور مُختلفة الأحجام للرئيس العراقي السابق قائلا: كان يذكر فلسطين في كل خطاباته، وكانت آخر كلمة قالها قبل شنقه: "تحيا فلسطين".

يتواصل النقاش حول سيرة الرئيس العراقي السابق في الحلقة الأولى من البرنامج، ويغلب عليه أحيانا التشنج والغضب، إذ إن المنتج العراقي المحلي للبرنامج التسجيلي واسمه رسول، يحمل وجهات نظر مختلفة تماما عن تلك التي يؤمن بها أبو عدي في نابلس. يرى الشاب العراقي أن صدام كان وراء خراب العراق، وأن ما يجري منذ 2003، هو جزء من التركة التي تركها الرئيس العراقي بحماقاته وقراراته الكارثية.

لحظة سقوط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس العراقية عام 2008

 

سقوط التمثال.. كوكب المتضادات

تُقابل الحلقة الأولى من البرنامج مُصورا فوتوغرافيا عراقيا اسمه وفيق عمل مع وكالات صور عالمية، وعبر صور هذا المصور الفوتوغرافية، يستعيد البرنامج سنوات العنف العراقية الدامية منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003 وحتى اليوم. كان وفيق حاضرا عند سقوط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس العراقية في الثامن من شهر أبريلنيسان عام 2008، ويتذكر أنه بكى حينذاك تأثرا بما حدث، وخوفا على مدينته وبلده من الآتي.

بيد أن العراق ليس فقط ساحة للعنف والموت اليومي، إذ يسعى البرنامج أن يوجه الانتباه إلى الحياة العادية المُتواصلة في البلد، لكنه سيميل إلى التركيز على نماذج متطرفة، مثل الشاب العراقي الثري الذي سيرافقه البرنامج في حياته اليومية.

يملك هذا الشاب سيارات فارهة غالية جدا، ويخبر مقدم البرنامج وهو يشير إلى سيارته التي كانت تقف في مرآب بيته: توجد سيارتان فقط من هذا النوع في الشرق الأوسط.

ويواصل حديثه بالغرور نفسه لكاميرا البرنامج: "يوميا تصلني عشرات الطلبات من فتيات عراقيات للزواج"، بل إنه سيعرض نموذجا من رسالة وصلته عبر موقع فيسبوك من شابة عراقية تطلب يده للزواج.

مقبرة في بغداد تضم رفات مَن قُتوا في العنف الطائفي في البلاد

 

"لا أنام منذ سنوات".. شبح ما بعد الصدمة

يترك البرنامج العاصمة العراقية في حلقته الثانية، ويتجه إلى الأنبار المحافظة العراقية التي يتطلب الوصول إليها أذونات أمنية خاصة، ويرافق في جولته في الأنبار معالجا نفسيا من المنطقة اسمه هيثم، ويزوران معا مخيمات عراقيين، من الذين ما يزالون مهجرين بعد خراب بيوتهم وقراهم في حروب داعش.

يقابل البرنامج في جولاته بين الخيام عراقيات مررن بظروف مأساوية للغاية، مثل الأم التي فقدت زوجها وولدين لها في الحروب الأخيرة. تتحدث المرأة التي غطت وجهها بنقاب أسود لكاميرا البرنامج: لا أنام منذ سنوات، كل ليلة أترك الخيمة حيث نعيش وأجلس في الخارج أراقب السماء.

يشكو هيثم من ضعف اهتمام الدولة بالأمراض النفسية وعلاجات ما بعد الصدمات، فالعراق -على حسب قوله- لا يملك كليات أو معاهد تعالج العراقيين الذين تعرضوا لصدمات الحروب، مثل الفتاة العراقية الجميلة التي تحدثت والدموع تملأ وجهها عن والدها الذي قُتل في العنف العراقي، وكيف تتمنى الموت كل يوم بسبب الحزن عليه، بل إنها حاولت الانتحار ببلع كميات كبيرة من الأدوية التي تستخدمها حتى تتخلص من ثقل الحياة عليها.

وعندما يعود البرنامج مرة أخرى في حلقته الثانية إلى العاصمة العراقية بغداد، فإنه يتوقف عند إحدى المقابر التي ظهرت في سنوات العنف في المدينة، ويظهر أحد دفاني المقبرة متحدثا: هذه المقبرة تضم قبورا لناس مختلفين منهم فلسطينيون قتلوا في معارك ضد الأمريكيين، وضحايا عنف طائفي. ويتابع: في وقت ما، لم يعد يمكنني أكل اللحم، لفظاعة ما رأيت أثناء دفن الموتى.

ثم يهمس إليه وهو يلتفت حوله خوفا من شخص ربما يسمع ما يقول: "لا أستطيع النوم دون شرب الكحول". ذلك أن شرب الكحول لم يعد يناسب الأعراف الاجتماعية الجديدة في العراق.

نتعرف في المقبرة التي توقف عندها البرنامج على مجموعة من الأطفال الذين يعيشون في البيوت القريبة، ليتحدث أحد الأطفال قائلا: عندما أكبر أريد أن أصبح ضابطا حتى أضرب بالنار المجرمين.

شاب عراقي يستعد لتنظيم سباقات سيارات، فالبرغم من مقتل أخيه في سنوات العنف إلا أن يحاول خلق أجواء الفرح

 

ثارات قاتلة.. جروح لا يغلقها الدهر

ليس من الصعب استعادة تاريخ العنف العراقي الحديث، فالبرنامج يتعثر بها أحيانا ودون قصد، مثلما يحصل عندما يقابل شابا ينظم مسابقات سيارات سريعة. إذ على رغم أجواء الفرح التي تغلف هذه الهواية، فإن الشاب نفسه يخفي جروحا عميقة، فقد قتل أخ له في سنوات العنف، وما زالت العائلة تحاول أن تجد السلام بعد موته.

يمزح أحد الإخوة منظمي سباقات السيارات السريعة، محاولا أن ينسى الماضي عبر السخرية من كل شيء، فيقول لمقدم البرنامج: هل اشتركت هولندا في حرب العراق؟ إذن علينا أن نقتلك يا صقر كعقوبة على ذلك.

هناك من بين العراقيين من لا يريد أن ينسى ما حصل، ولا سيما أولئك الذين فقدوا أحبابا لهم، فتراهم يسعون إلى الثأر من قاتليهم. تخصص الحلقة الثالثة من البرنامج التي حملت عنوان "الثارات القاتلة" للحياة لما بعد داعش.

يذهب فريق البرنامج إلى جنوب الموصل، ويرافق وحدة عسكرية من أبناء المنطقة تحاول أن تعيد الاستقرار هناك. يخبر أحد الجنود فريق البرنامج: الفقر وغياب العدالة دفع كثيرين لأحضان داعش.

يبتكر البرنامج الهولندي أسلوبا بصريا جديدا على الأعمال التي تتناول الوضع العراقي، حيث يقابل جنودا بشكل منفرد في بيت طيني، ويتركهم يتحدثون بحرية عما حدث لهم. يقول أحد الجنود: المنطقة اليوم تشكو من الثارات، فهناك من يريد أن ينتقم من الذين التحقوا بداعش وقتلوا أبناء المنطقة في ذلك الزمن.

ويأخذ هذا الجندي نفسه فريق البرنامج إلى أحد الأنفاق ويقول وهو يشير إلى حفرة في الأرض: قتلنا هنا أربعة من الدواعش، وما زالت جثثهم تحت هذا النفق تنتظر من يخرجها.

"رسول" المنتج التلفزيوني العراقي للبرنامج، الذي رفض الذهاب مع البرنامج إلى منطقة الصقلاوية في الموصل لخطورتها

 

"بين الحياة والموت".. منطقة الصقلاوية

يرفض رسول المنتج التلفزيوني العراقي الذهاب مع البرنامج إلى منطقة الصقلاوية الخطرة في الموصل، وهناك يقابل البرنامج نساء عراقيات فقدن أزواجا وإخوانا على أيدي الحشد الشعبي العراقي.

ترفع عراقية شابة صورة زوجها الذي اعتقلته قوات الحشد الشعبي، وتقول "لا أعلم أي شيء عن زوجي". وتكمل أخرى "نعيش معلقات بين الموت والحياة" فقد حاولت أن تحصل على راتب زوجها الغائب، لكن السلطات طلبت شهادة وفاة له، وتواصل حديثها قائلة: "من أين لي أن أحصل على شهادة وفاة؟ هو عندهم إما أن يرجعوه أو يقتلوه".

ومرة أخرى يبتكر البرنامج أسلوبا بصريا مؤثرا، إذ إنه يطلب من السيدات أن يرفعن صور أحبابهن الغائبين في حقل زراعي قريب من المنطقة، بينما كانت الكاميرا تتنقل من سيدة إلى أخرى، وهي تنقل ألما نسائيا لا يحتمل.

لم يبق في الصقلاوية الكثير من الرجال، والذين بقوا رفضوا الحديث للكاميرا، لكن البرنامج يعثر على رجل واحد وافق على الحديث بشرط تغطية وجهه، ويشرح هذا العراقي كيف أن قوات عسكرية كانت تنتزع أعضاء داخلية من الذين كانت تقبض عليهم، وأن بعض الداعشيين التحقوا بقوات الحشد الشعبي بعد هزيمتهم ليواصلوا القتل في المنطقة.

 

ألغام داعش.. حين تصبح المخاطرة حظا

يهتم البرنامج التسجيلي بالمناطق السنية في العراق، فيسافر في حلقته الرابعة إلى جنوب الموصل، حيث يرافق شابا يعمل في منظمة دولية لنزع الألغام التي تركتها داعش في المنطقة، وعلى الرغم من خطورة ما يقوم به، فإن هذا الشاب يعتبر من المحظوظين، فهو وعلى خلاف معظم أبناء منطقته وجد عملا يدفع له راتبا شهريا.

يقابل البرنامج في جنوب مدينة الموصل، رجلا تعدى الخمسين من العمر، ويستعيد تاريخ العراق، ويلقي الملائمة فيما حصل بعد عام 2003 على الحكومة الأمريكية التي حلت الجيش العراقي وقتها، ليَغرق البلد في الفوضى.

يتذكر الرجل الخمسيني سنوات صدام حسين كسنوات أمن، وعندما تسنى له الذهاب إلى الموصل لأول مرة منذ تحريرها بكى كثيرا على أطلال المدينة، وعلى الأصدقاء الذين قتلوا في معارك الموصل.

أطفال عراقيون يعيشون الأحياء السكنية المدمرة في الموصل

 

"لا نستطيع ترك أولادنا لوحدهم".. جثث تطوق العراء

يبقى البرنامج في الموصل في حلقته الرابعة، ويُصور الدمار الذي لحق بالمدينة القديمة، حيث لا تزال بعض من مناطقها مغلقة بالكامل، وهناك جثث ملقاة في العراء في بعض الأحياء السكنية.

يشكو مَوصلي للبرنامج في حيّ من أحياء المدينة القديمة قائلا: صدقني لا نستطيع أن نترك أولادنا دقيقة واحدة لوحدهم خوفا عليهم من الكلاب التي تأكل الجثث في المدينة.

بدا الطريق طويلا للغاية لإعمار المدينة التي يصور البرنامج لقطات من أحيائها السكنية المُدمرة، وجسورها التي ما زال بعضها مُعطلا، رغم أهمية الجسور الكبيرة في المدينة، حيث ما زالت مثل غيرها من مرافق المدينة الحيوية، تنتظر اهتماما حكوميا غائبا حتى اليوم.

 

"لا مستقبل هنا".. هاجس الهجرة الجماعية

في الحلقة الخامسة والأخيرة من البرنامج، يزور بعض الشخصيات التي قابلها في أثناء رحلته في العراق، ويتعثر بشخصيات جديدة من الذين قابلهم في حلقته الأخيرة، ومنهم أُمّ فقدت ابنها وابنتها التي فقدت عائلتها في قارب من القوارب البحرية كانت تتجه إلى أوروبا محملة بالباحثين عن حياة أفضل بعيدا عن شرق المتاعب.

تعرف هذه الأُمّ تماما تفاصيل الساعات الأخيرة قبل انطلاق القارب من تركيا، وما زالت تأمل أن تعثر على أحبابها، رغم أن أخبارهم انقطعت تماما منذ حوالي أربع سنوات.

يفكر كثيرون بالهجرة من العراق، وتتردد عبارة "لا مستقبل هنا" في معظم حلقات البرنامج، وبالخصوص في حلقته الأخيرة. يلعب المقدم الهولندي مع أطفال عراقيين، بينما يبدو القلق واضحا على ملامح أهلهم، الذين يأملون بمستقبل مختلف لأبنائهم بعيدا عن البلد الذي يغرق كل عام في هاوية لا قرار لها.

المخرج الفلسطيني صقر خضر يلتقط صورة لنفسه على مرآة، حيث يظهر العلم العراقي في الخلفية

 

"خراب العراق".. مشاكسة في التناول وضعف في التحليل

أنتج البرنامج للتلفزيون الهولندي عبر أستديوهات "فايس" الكندية، وهي المعروفة بنهجها الخاص، سواء على صعيد الصياغات البصرية أو المقاربات الأسلوبية، ويتميز أسلوبها بالمشاكسة وتحدي تقاليد صناعة التلفزيون بشكل عام، فالشركة التي بدأت على الإنترنت قبل أن تنتقل إلى الشاشة الصغيرة، تبحث عن مقاربات مختلفة لكل شيء.

تمنح شركة "فايس" العاملين فيها حريات كبيرة على صعيد تطوير أساليب خاصة تناسب شخصياتهم واهتماماتهم، كما تولي مساحة للكوميديا التي يمكن أن تطفو على السطح في أكثر المواقف سوداوية وخطورة، كما كان الحال في مواضع عديدة في برنامج خراب العراق، إذ كان يحتفي ويُبرز المواقف التي تكسر حدة وقساوة الموضوع العام.

أما على الصعيد الصوري فيبحث البرنامج عن صور مغايرة أو غير معروفة عن العراق والعراقيين، ويتقرب كثيرا من بعض الشخصيات، ويمنحهم المنصة لعرض أوجاعهم العميقة، عبر مجموعة من المشاهد التي تخطف القلوب.

ولعل الأمر الغائب عن برنامج "خراب العراق"، هو ضعف حسّه الصحفي التحليلي، فهو يترك المجال لبعض الشخصيات التي مرّت به، لتوجه اتهامات خطيرة للغاية وأحيانا غير عقلانية لأطراف بعينها، دون أن يحاول أن يتحدى شهادات هذه الشخصيات، أو يوفر مساحة زمنية للتحقيق في صحة بعض القصص والحوادث التي ترد في هذه الشهادات.

ذات صلة