نقد سينمائي

الربيع العربي .. هل هو ربيع الوثائقي ؟؟

كلّما جدّ حدث جلل في تاريخ شعب  وأمة وزعزع المستقر من المفاهيم، إلا ووجدت المؤرخين والنقاد والمفكرين يجمعون حصيلة ذلك الحدث على مسار التاريخ والثقافة علاوة على مسار الأنظمة والمجتمع. ولعل من أهم الأحداث التي تمر بها الشعوب العربية في نهاية العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين، هو الثورات التي تشهدها بعض الدول الآن وهو ما اصطلح عليه "بالربيع العربي".
لقد واكب الثورات العربية حراك سياسي واجتماعي وإعلامي وثقافي وفني. حتى أصبحنا نتحدث عن ثقافة الثورة وما بعد الثورة. وكان الفيلم الوثائقي حاضرا بقوة وربما أكثر من أي وسيط فني آخر، لمواكبة هذه اللحظة وتوثيقها واستخراج جمالياتها وقيمها. فانطلق المخرجون الوثائقيون في مصر وتونس وأقطار عربية أخرى في إنتاج أفلام وثائقية تتناول سقوط الأنظمة وتهاوي الدكتاتوريات وما ينجر عن ذلك من تحولات.

تنوعت الاتجاهات والرؤى والمقاربات وأيضا اختلفت الزوايا الجمالية والإخراجية في الأفلام الوثائقية التي تناولت الثورات. ولكن وفي وقت وجيز تحصّلنا على كمّ هائل من "وثائقيات الثورة" وكأنّ الكاميرا قد انفلتت من عقال المراقبة والقمع، لتسرح في كل ممنوع اشتهته قبل الثورة ولم تنله.
وككل مسيرة إبداعية في تاريخ الفنون يفيض الكم على الكيف، فمن عشرات الأفلام الوثائقية التي أنتجت بين سنتي 2011 و2012 لم يصل إلا النزر القليل إلى مصاف العمل الإبداعي المحترف والمتميز. ووصل أقل من عشرة افلام عن الثورات إلى المهرجانات الكبرى للحصول على جوائز. رغم المشاركات الكثيرة للأفلام الوثائقية العربية في شتى المناسبات.  وأمام تقهقر الانتاج في مستوى الفيلم الروائي وجد الوثائقي فرصته ليفرض نفسه في المهرجانات وفي الساحة الإعلامية والثقافية العربية والعالمية.
والتمس المراقبون الأعذار والمبررات:

التسرع في الإنتاج قد ينقص من القيمة الفنية .. ربما ؟؟ ..
"التغير البرقي للأحداث وتسارعها يضطر المخرج إلى أن يكون سجين الحدث".. قال أحد النقاد. ..
هيمنة الشعارات السياسية والمطالب الاجتماعية والصراعات الإيديولوجية التي عقبت سقوط الأنظمة، مباشرة، أثرت على أداء بعض المخرجين.. رأي راجح ومحترم وله ما يبرره..

لقد خرجنا سريعا من مرحلة الإنتاج إلى مرحلة تقييم المنتج. كان المخرج يعرض فيلمه والناقد يتربص به. وتلك هي العلاقة بين المبدع والناقد عبر التاريخ. بيد أن هذه المرحلة لها خصوصيتها فالناقد أيضا مأخوذ بالثورة واقع تحت غبارها. ينتظر من المخرج أفقا آخر مختلف عمّا سبق.
فهل يمكن القول إن الربيع العربي يمكن أن يكون ربيعا للوثائقي إبداعا ونقدا ؟؟
هذا العدد من المجلة يحاول أن يتناول هذا السؤال من وجهات نظر مختلفة. وقد اشتركت جل الدراسات في الانطلاق من أمثلة ناجحة لأفلام وثائقية تناولت الثورة. وذهبت بعض الدراسات الأخرى مذهبا جماليا فلسفيا يبحث في علاقة التحولات التاريخية بالفيلم الوثائقي وما يمكن أن يفتحه من آفاق. كما فضّل بعض الباحثين العودة إلى أساطين الفيلم الوثائقي من دزيغا فيرتوف وغريرسون وإيفنس، لفهم وظيفة الوثائقي منذ النشأة إلى اليوم وهي استنباط البعد الجمالي من الحقيقة الواقعة.
فهل سيستطيع الوثائقي العربي أن يوثق لجماليات الربيع العربي .. حتى يزهر؟؟