نقد سينمائي

الرجل المتحف.. عندما يتلبس الفن بصاحبه

 

د. الحبيب ناصري

من الممكن اليوم أن نراهن على الفيلم الوثائقي كمكون ثقافي وفني وجمالي وإنساني بجانب كل مكونات الثقافة في انتشالنا من عنف القبح والهيمنة المادية التي هي اليوم ميزة مميزة لعولمة عالمنا. فكلما تطورت الحياة تعقدت وأصبحت الإنسانيات في مهب الريح، مما يفرض على مجتمعاتنا البشرية تقوية خدمة سؤال الثقافة والفنون، وجعله ملاذا آمنا ومطمئنا لنا جميعا.

قصص إنسانية عديدة تُروى بلغة الصورة الوثائقية من لدن مخرجين ومنتجين ومهنيين عشقوا الثقافة الفيلمية الوثائقية وفضلوا أن تكون قبلتهم التي من خلالها يبوحون بآلامهم وآمالهم ومن خلالها قرروا قول لا لأي شكل من الأشكال التي لا تمجد وتحتفي بالإنسان وما خَطّته يداه من إبداع.

وحده الإبداع ما تبقى في أيادي المقهورين والمظلومين ومن طردوا من دائرة الاستمتاع بالحياة وفق خطة عولمة محكمة، غايتها التحكم في الإنسان وترويضه وتطويعه وتبعيضه وتضبيعه وفق معايير استهلاكية فقط في أفق تحويل هذا الإنسان الجميل الذي خلقه الله واستخلفه في الأرض ليستمتع بها وفيها ويتقاسم خيراتها وحلاوتها ومراراتها، إلى مجرد كائن استهلاكي فقط.

لكن الحياة تستمر بالإبداع ويبوح العاشق لها بأسراره، ومن هنا ترد الحياة عليه بكونها تحبه وستخلد اسمه حتى بعد مماته. فماذا كانت ستكون عليه حياتنا لولا سؤال الإبداع الذي دشن به الإنسان حياته منذ صيحته الأولى؟

مروان الطرابلسي فنان متعدد الاهتمامات الفنية

ثقافة المتحف

لماذا تخلخلنا صورة الأجنبي السائح وهو يقف أمام متحف من متاحفنا العربية على الرغم من قلتها من المحيط إلى الخليج؟ لماذا يدفع هذا السائح الأجنبي ثمن تذكرته وقد يصطف منتظرا دور دخوله لزيارة أثر من مآثرنا العربية في المغرب أو الأردن أو مصر أو لبنان أو تونس في حين قد يمر مواطن عربي بجانبها ولا يلتفت إليها؟

وحدها الثقافة المدخل الحقيقي للإجابة عن هذا السؤال الحارق والمؤلم إلى درجة دهشتنا ودهسنا بصور آتية من بلد عربي ما وآلة الهدم تنقضّ على جانب من جوانب هذه المآثر التي تركها الأجداد بغية التوسع لبناء عمارة أو شارع.

ثقافة المتحف ثقافة لا بد منها لغرس قيم الجمال في النفوس، وإلا فكلما همشنا هذه الثقافة وجد الفكر المخيف المرعب للناس الساحة فارغة من أجل زرع العديد من الأفكار اللاإنسانية والبعيدة عن أي دين سماوي أُنزل من أجل الإنسانية وجعلها أكثر طمأنينة وجمالا. ووفق ما سبق نموقع الرسالة الضمنية التي رغب في قولها مخرج فيلم "الرجل الذي أصبح متحفا".

ثقافة المتحف ثقافة لا بد منها لغرس قيم الجمال في النفوس

الطرابلسي مخرجا

مروان الطرابلسي فنان متعدد الاهتمامات الفنية (فوتوغرافيا، إخراج..)، مهووس وعاشق للصورة التي تسكنه حتى وهو بصدد فيلم وثائقي أو عمل فني ما. حصل على الماجستير في الفن والتواصل السمعي البصري، وماجستير آخر في علوم وتقنيات الفنون.

درس مجالات فنية عديدة، أبدع في العديد من الأعمال الفنية التي شارك بها داخل تونس وخارجها (الجزائر وأستراليا والنيجر ومالطا وإسبانيا وسوريا والعراق ومصر ومالي وليبيا وفرنسا والمغرب)، ونال منها مجموعة من الجوائز الوطنية والدولية.

لعل في هذا الترحال الفني لعرض أعماله الفوتوغرافية والوثائقية والروائية ما هو مغنٍ ومفيد لتقاسم الخبرات والتجارب وتخصيب الذاكرة الفنية للفنان بشكل عام، مما يجعلنا نؤمن ومنذ البدء بأن هذا المخرج آت إلى مجال الفنون من بوابة الإعداد والبحث والتجريب والمعرفة العلمية مثل بلده تونس، ولا يزال إلى الآن في مجموعة من المهرجانات السينمائية الروائية والوثائقية والفوتوغرافية.

اخترنا فيلمه المعنون "الرجل الذي أصبح متحفا" لكونه يشكل عينة جميلة لطبيعة ما يقوم به هذا الفنان والمخرج التونسي.

صاحب هذا المتحف رجل "بوهيمي" بكل امتياز

الرجل المتحف.. توثيق الفن

"الرجل الذي أصبح متحفا" فيلم وثائقي طويل تبلغ مدته 61 دقيقة أُنتج في سبتمبر/أيلول 2019 بدعم من وزرة الثقافة التونسية. بُنيت فكرته الرئيسية على النبش في متحف رجل تونسي عاشق للتحف، وفنان تلبس بالفن في أرقى أشكاله.

تمكن المخرج التونسي مروان الطرابلسي على امتداد الفيلم من أسرنا بلغة فنية وثائقية تنهل من لغة تلبست بدورها من الجماليات الفوتوغرافية.

يروي الفيلم تفاصيل من داخل متحف علي عيسى، وهو ميزة الفيلم الوثائقي الذي نجح في نقل بوح الرجل الفني والإنساني والوجداني دون السقوط في لغة "الربورتاج"، بل منذ البداية أسرنا المخرج وجعلنا نتلمس تفاصيل الحياة الغريبة لدى هذا الرجل. صحيح أنه كلما تعمقت الغرابة ازداد الفن جمالا وبهاء وإنسانية، ولكن كيف؟

صاحب هذا المتحف رجل "بوهيمي" بكل امتياز، عاش حلاوة الحياة وزار العديد من البلدان الأوروبية والأمريكية، وصور العديد من جوانب هذه البلدان في السبعينيات والثمانينيات، تزوج لبنانية وأخفى زواجه وانجابه ولدا عن أسرته، ويشاء الله أن يموت الولد وأمه في حادث سير، وكأن الأقدار رفضت كتمانه الزواج عن أهله، فاختطفت روحه وعقله، زوجته وابنه، لاسيما وأنه قرر بعد هذا الحادث عدم الزواج والتفرغ المطلق لتحويل سكنه (الجزء السفلي منه) إلى متحف يجمع فيه كل المقتنيات الفنية، بل حتى بعض النفايات تمكّن من تحويلها إلى تحف جميلة شاهدة على خصوبة الرجل الفكرية.

تتنوع أصول الرجل المتحف، فأم أبيه من أصول تركية، وأم أمه من أصول قرطبية أندلسي

متحف.. دواء العليل

نتابع تفاصيل التفاصيل داخل هذا المتحف ونقبض على العديد من متع التفاصيل الفوتوغرافية التي اختارها المخرج بأسلوبه الوثائقي المازج بين جماليات الفوتوغرافيا وجماليات الرؤية الفنية الوثائقية، مما يجعل المسافة تُطوى بين فني الفوتوغرافيا والقول السينمائي الوثائقي. ولم لا والأصل واحد هو البوح بلغة الصورة عن فكرة اكتوى بها المخرج.

"سلام لبيروت".. صوت فيروزي يعلن المخرج -الذي تماهي مع الرجل المتحف- بين الفينة والأخرى كيف عشق هذا الرجل زوجته اللبنانية الراحلة، وكيف حولت وعيه إلى الفن ليسكنه بشكل أبدي وقد تجاوز عتبة الثمانين سنة، ولايزال شامخا عاشقا للفن شاربا من مياهه العذبة الآتية من رحم "تجميع" تحف فنية لا تخطر على البال، بل حتى خلال إعداده وجبة عشائه، تمكن المخرج من جعلنا "نتلذذ بها" وهو يعدها بالطريقة التونسية المولودة من رحم الحضارات المتوسطية العديدة التي فعلت فعلها في هذا الكائن التونسي العاشق للحياة والحرية.

وجبة عشاء في شتاء بارد تناولها الرجل المتحف على إيقاعات صوتية إعلامية تتحدث عن بعض الفتن في بلداننا العربية فقط.

بعد وجبة العشاء، نصاب بمفاجأة مؤلمة لأن هذا العشاء خُتم بحصة دوائية للرجل المتحف، ليتبين لنا أنه مصاب بداء الربو وهو الداء الذي يصعب التغلب عليه دون دواء. قد يكون المتحف هو الدواء الأساسي المعِين للدواء الطبي في جعل علي عيسى يستمر نابشا في هذه الحياة ومصرا على كون الثقافة هي مدخل الحياة، بل موصيا وبوثيقة عدلية قانونية أن يورث متحفه هذا للشعب التونسي ومن خلال وزارة الثقافة وأن يبقى فضاء مخصصا للفن والثقافة دون بيع لغرض آخر.

يروي الفيلم تفاصيل من داخل متحف علي عيسى

تعددت الأصول والبلد تونس

تتنوع أصول الرجل المتحف، فأم أبيه من أصول تركية، وأم أمه من أصول قرطبية أندلسية، ومن هذه الأصول تشكلت شخصية هذا الرجل المتحف التونسية، وهو ما جعله عاشقا للجمال في كل تفاصيله، إلى الحد الذي جعل القطط والدجاج تصاحبه في هذا المتحف، بل تمكن هنا المخرج من أسرنا بصور فردية لقط وصور أخرى لابن القط، وثالثة لدجاجة ورابعة لديك، ودائما من زاوية فردية، وكأنه أراد نقل صورة الغربة التي يعيشها هذا الرجل المتحف عبر هذه الكائنات الأليفة.

يتحرك الرجل المتحف في فضاء بناه بلغة الفن في كل جنباته التي ضاقت بمحتوياته، لكن كل ما يوجد في هذا المتحف لم نتمكن من مشاهدة محتوياته مجتمعة وبطريقة بانورامية إلا في الدقيقة الـ34 والـ35، وكأن المخرج أراد بدوره ألا تبوح كاميرته بكافة محتوياته، إلا بعد أن يتدرج بنا في تفاصيل هذه القطع الغريبة والتي هي مقتنيات ومتلاشيات وألبسة وفوتوغرافيا ولوحات ودمى قديمة.

علي عيسى فنان تشكيلي أيضا ومتمكن من الغوص في تفاصيل الفن من زاوية فكرية

الفن من باب التشكيليين

علي عيسى فنان تشكيلي أيضا ومتمكن من الغوص في تفاصيل الفن من زاوية فكرية، تفنن في الحديث عن العرب وحضارتهم في البحر الأبيض المتوسط ومنها تونس، رافضا للتصنيف الفني ضمن تسمية فنية ما، بل بحث وجدد في الفن إلى درجة تحويل لوحة الموناليزا المشهورة إلى شخصية نسائية تونسية بدمجه اللباس النسائي التقليدي التونسي، وجعل خيوط العنكبوت التي تركها تسكن متحفه "شخصية" فنية لها مكانها في هذا المتحف الذي وجدت فيه الطبيعة أيضا مكانتها (تراب، نباتات..). وقد تمكن المخرج من القبض على العنكبوت من خلال مجموعة من المشاهد والصور التي تركها ممددة وهي تهتز وفق قانون الريح.

الفن عليه أن يتحرك مع الروح والبشر، وأن يتحرر من كل القيود والتسميات ويكون ملتزما بقيم الإنسان باحثا عن عطاءات جديدة. فقد وصلت ذروة تحليل علي عيسى للفن إلى استشهاده بقراءة المثقف والرئيس السينغالي الراحل سنغور عندما حاضر عن لوحة تشكيلية واحدة لمدة ساعة ونصف وترك الحضور مبهورا إزاء ما قاله عن اللوحة.

"الفن عليه أن يكون مثل مرور الفصول الأربعة برمتها في يوم واحد".. هكذا يتكلم رجل المتحف عن الفن ووظيفته وروحه وإنسانيته، متمردا عما يسمى في الأدبيات النقدية بالأسلوب الفني، متمسكا بقراءات جديدة ومستمرة نابعة من البوح والجماليات والإنسانيات غير خاضعة لقالب فني معياري مدرسي محدد.

تمكن المخرج التونسي مروان الطرابلسي على امتداد الفيلم من أسرنا بلغة فنية وثائقية

بين زمنين متباعدين

من متع التلقي الجميلة والآتية من اجتهاد إخراجي جميل، وظف المخرج مادة توثيقية بصرية تعود إلى السبعينيات، حيث وثق رجل المتحف ذاكرة بعض الأماكن الأوروبية والأمريكية التي زارها. فقد وثق المخرج ذلك توثيقا بصريا متحركا وثابتا، شغله في جدار من المتحف مع توظيف وجه رجل المتحف، ليجعلنا جميعا نتلذذ بحياة هذا الرجل بين زمنين متباعدين؛ زمن الشباب والحياة والرغبة في السفر وعشقه للطبيعة والمآثر، وزمن حاضر تجاوز فيه الثمانين سنة ما زال يبني فيه حلمه وفنه على الحياة رغم زحف قوة الزمن على جسمه النحيل.

ماذا لو عاش الرجل حياة عادية مثل بقية الناس، هل كان من الممكن الفوز بهذا المتحف؟

الحياة تقذف بين الفينة والأخرى بعينة من الناس البعيدين كل البعد عن التعامل معها من زاوية معيشية وحياتية ضيقة، بل رافضين للمرور فيها دون أثر، مقاومين وراغبين في بصمها ببصمات فنية وثقافية خاصة.

الطائر المذهّب

يختزل المخرج نظرة الرجل المتحف في لوحة فنية تشكيلية دالة وقوية تجعلنا نستمتع بصمت الرجل الفني، لا سيما وهو يغازل زجاجا رَسم عليه طائرا يطير مذهّبا به سواد يُحيل على لحظة ألم ما. فالرجل العليل الذي يشعر بلحظة الموت قد اقتربت ولا يمكنه أن يهزمها إلا برسم وجمع تحف وتعليق صورة فوتوغرافية قديمة لفنان عربي أو لشخصية تركت أثرا ما في حياة الناس، وهذا هو الأمل الذي يحيل عليه لون البياض.

اختياره لرسم طائر يطير جعلنا نختزل الحياة فعلا في لفظ واحد هو "الحرية"، وحدها الحرية ما يسعى إليها الناس فهي مفتاح فهم الحياة. وبالإبداع يمكن أن نقهر من قهرنا حتى ننزع هذه الحرية التي هي شرط من شروط أي قول إبداعي وفني وثقافي وإنساني.

اختزل المخرج نظرة الرجل المتحف في لوحة فنية تشكيلية دالة وقوية تجعلنا نستمتع بصمت الرجل الفني

رؤية حالمة بغد أجمل

إلى جانب الإشارات الإخراجية في تحليلنا السابق لهذا الفيلم الوثائقي، يمكن الحسم في فكرة هي جواب عن سؤال وجب طرحه وهو: ما الغاية من إخراج فيلم الرجل الذي أصبح متحفا؟

نتتبع تفاصيل رواية المخرج للعديد من التفاصيل المكانية والزمنية وحتى تفاصيل لباس علي عيسى ذات البعد المتحفي، بل حتى شكل الرجل -شعره الطويل ولحيته الكثة- يحيل فعلا على ملامح متحف ساكن في جسد الرجل.

والغاية من كل هذا الالتفات إلى من اكتوى بالفن ليس البحث عن المال، بل البحث عن أمل إنساني في جعل تونس -ومن خلالها البلدان العربية التي لازالت تتصارع مذهبيا وسياسيا ودينيا- بلدا عاشقا للحياة والجمال والفن.

من الصعب اليوم تحقيق أي تقدم علمي أو تقني خارج شرط الإبداع، وحده الإبداع طريقنا نحو التقدم، لأنه يفتح البصر والبصيرة لزمننا في بعده الثلاثي الماضي والحاضر والمستقبل، مع نقد ما هو معرقل لهذا البناء الإنساني.

وفاء علي عيسى لزوجته التي توفيت في حادث سير رفقة ابنه، ورفضه الزواج مجددا، ووصيته العدلية في تحويل المتحف بكافة محتوياته إلى ملكية الشعب التونسي عبر وزارة الثقافة.. بأن علي عيسى رجل متحف بكل المقاييس النقدية والفنية والجمالية والإنسانية. بل إن رفضه لما يسمى بالأسلوب الفني كتنميط شكّل ضمنياً أسلوبه الفني المستمَد من الحياة والإنسان، والرافض للـقولبة والمعيارية والتنميط المفضي إلى التضييع والتبضيع.

يبدو أننا في أمس الحاجة إلى هذا النوع من الأفلام الوثائقية المنصفة لمن وهب حياته وفنه وماله لشعبه وللإنسانية جمعاء، ولمن جعل من الفن رؤية حياة حالمة برؤيا منقذة للإنسان من سلطة القهر والظلم وجعله إنسانا عاشقا لأخيه الإنسان. فهل من الممكن تحقيق ذلك بمعزل عن الرجل المتحف كمثال؟

لعل حلم الرجل المتحف قد نحته بيده وهو على قيد الحياة حينما نحت اسمه كما يلي "شارع علي عيسى" ووضعه في مكان ما من متحفه، وكأنه تنبأ بما يمكن القيام به بعد موته، عند استلام الوزارة متحفه، ومن الممكن تسمية أحد الشوارع باسمه، وهو ما قام به بنفسه قبل موته. هكذا هم الفنانون، لهم نبوءاتهم الدنيوية الحالمة بما سيقع.