نقد سينمائي

"السلطان الفاتح".. النبوءة التي قهرت حصون القسطنطينية

 

عدنان حسين أحمد

يُعدّ فيلم "فتح 1453" بنسخته التركية أو "السلطان الفاتح" بنسخته العربية المدبلجة للمخرج التركي "فاروق آكصوي" أعلى فيلم في السينما التركية تكلفة، فقد بلغت 18,200,000 دولار أمريكي، لكنّ شبّاك التذاكر جلب لشركته الإنتاجية "آكصوي فيلم" أكثر من 61 مليون دولار أمريكي، إذ شاهده في اليوم الأول من العرض 300 ألف شخص ثم توالت عروضه الدولية، وقد اختلفت الآراء بصدد مضامينه الفكرية والدينية بين مؤيدين معجبين بالفيلم، ومعارضين منتقدين له، إذ اتهمه البعض بالعنصرية وحجب الحقائق التاريخية.

يُصنِّف النقاد هذا الفيلم بالدرامي والتاريخي ويُدرجونه ضمن أفلام الحركة التي تتعلّق بالحروب وفنون القتال المتعارف عليها في القرن الخامس عشر، لكنهم نسوا أو تناسوا بأن هذا الفيلم الروائي -الذي كتب قصته "مليح عزة آجيل"، واشترك في كتابة السيناريو "آتيلا إنجين" و"عرفان ساروهان"- هو فيلم سيرة ذاتية (Biopic) للسلطان محمد الفاتح الذي تتبعناه منذ ولادته وطفولته التي تفتقر لحنان الأب ورقته، ثم يفاعته ونضجه الفكري والسياسي والعسكري، وفتحه للقُسطنطينيّة واستمراره في فتوحات المدن والأمصار شرقا وغربا طوال مدة حُكمه التي بلغت 31 عاما.

ولو وضعنا فكرة الفتح جانبا، وهي الفكرة الأساسية في القصة السينمائية؛ فإن الفيلم برمته يكاد يكون فيلم شخصيات تبدأ بالسلطان محمد الفاتح الذي يقف بمواجهة قُسطنطين الحادي عشر، والقائد ألوباتلي حسن في مقابل القائد جيوفاني جوستينياني، وهكذا دواليك لبقية الشخصيات التي تحتل الوزارات والمناصب الرفيعة في الدولتين العثمانية والرومية وما سواهما من الممالك والإمبراطوريات الأوروبية والآسيوية.

 

"نعم الأمير أميرها".. نبوءة مقرونة بالمعجزات

تبدأ الأحداث في المدينة المنوّرة في زمن الرسول محمد "ص" سنة 627م حيث يُستهَل الفيلم بمشهد للصَحابي أبي أيوب الأنصاري الذي يروي حديثا عن النبي محمد ﷺ يقول فيه: "لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش".

يعزز القائمون على الفيلم هذا الحديث بعدد من المعجزات والأعاجيب حدثت في السنة التي ولد فيها محمد خان الثاني، ومن بينها أن الأفراس أنجبت توائم كثيرة، وأغلت الأرض أربع مرات في السنة، وانثنت أفرع الأشجار ناحية الأرض من فرط ثقل الفاكهة، كما خرَّ المذنّب في سماء القسطنطينية في العام ذاته، وعد دليلا على أن أسوار القسطنطينية التي لا تتحطم ستتداعى قريبا جدا.

السلطان محمد الثاني الذي أحبّ الفتوحات وأتقن فنون الحرب والقتال

 

"سأسميه محمد إجلالا للرسول ﷺ".. ميلاد الفاتح

مما يؤكد النزعة البيوغرافية لهذا الفيلم التاريخي الذي يرصد 25 عاما من حياة محمد الفاتح أنّ كاتب القصة بدأ الأحداث بولادة هذا الطفل الذي سيكون مُختلفا عن بقية السلاطين العثمانيين، فبينما كان والده السلطان مراد الثاني منغمسا في تلاوة القرآن الكريم جاء أحد العاملين في القصر وأخبره قائلا: "هُما خاتون" قد أنجبت لك ولدا مُعافى يا جلالة السلطان. فردّ عليه فرحا: سيكون اسمه محمد إجلالا للرسول ﷺ، لعلّ الله العظيم يباركه بهذا الاسم.

لكنّ هذا الأب السلطان لم يكرّس لابنه شيئا من وقته، فقد كان مشغولا بالفتوحات وصراعات السلطة في داخل الدولة العثمانية وخارجها، يتأثر محمد بعدم مبالاة والده ويشعر أن أباه كان يُجافيه ويعرض عنه، حتى يتطوّر هذا الإحساس إلى ما يشبه العقدة النفسية، فلا غرابة أن يعامل محمد ابنه بايزيد بنفس الطريقة القاسية التي تخلو من الحُب والرِقّة والتحنان.

فعندما أخبروا محمدا بأن أباه قد فارق الحياة دخل عليه لوحده وخاطبه قائلا: كانت ذراعاك قويتين قادرتين على إخضاع الجيوش وغزو المدن، لكنك لم تحملني بهما أبدا، وكنت تملك عينين حادتين تريان مستقبل دولتنا، لكنك لم تنظر إلي بعطف ولو لمرة واحدة، ليتك علمت كم كنت أحبك جدا، كان قلبي يتوق لتقبيل الأرض التي تخطو عليها، لكنه الآن يتوق لغزو الأراضي التي لن تسير عليها لأَبنيَ إمبراطورية تشمل العالم بأسره.

وعلى الرغم من هذا الجفاء الذي لمسناه كمشاهدين فإن السلطان مراد الثاني خص ابنه بخيرة المعلمين الذين أشرفوا على تدريسه مختلف العلوم، ومهدوا له الطريق لحفظ القرآن الكريم وقراءة الأحاديث النبوية الشريفة والتبحر في الفقه الإسلامي ودراسة الفلَك والرياضيات وفنون الحرب والقتال.

كما أتقن ست لغات أجنبية على أيدي أساتذة مختصين بعلوم الألسن، لكن مدة الفيلم لا تسمح بالإشارة لكل هذه العلوم والمعارف الكثيرة التي نهلها محمد الثاني في طفولته وشبابه، فقد رأيناه فقط وهو يبارز قائد جيشه وصديقه حسن الذي خسر المبارزة أول مرة، وكان يتمنى هذه الخسارة لأنها تدل على أنّ دروسه وتدريباته لم تذهب أدراج الرياح.

السلطان محمد الثاني بين وزرائه ورجال دولته العثمانية التي تسلمها بعد وفاة والده

 

إمارة مغنيسيا.. ميدان التدريب على شؤون الحكم

لم يتسلم محمد الثاني سُدة الحكم بشكل مفاجئ، فقد عهد إليه والده بإمارة مغنيسيا وهو شاب يافع لكي يتدرب على شؤون إدارة الدولة ومعرفة أسرارها تحت عناية الشيخ "آق شمس الدين" والمُلا "أحمد الكوراني" اللذين سيؤثران فيه كثيرا ويزرعان في عقله الباطن بأنه هو الأمير المقصود بفتح القُسطنطينية، فلا غرابة أن يفكر ببناء جيش قوي يحاصر به هذه المدينة العصية ويفتح به لاحقا الممالك والأمصار.

يتنازل مراد الثاني عن العرش لابنه محمد لأكثر من سبب، فقد سئم ألاعيب السياسة ومؤامراتها، كما أن وفاة ابنه الشاب المفضل لديه علاء الدين دفعته لأن يتخلى عن كل شيء وينقطع للعبادة، غير أن الأخطار المُحدقة بالدولة العثمانية كانت كبيرة من جهة الغرب، وهو الأمر الذي دفع الصدر الأعظم خليل باشا لأن يُقنع السلطان بالعودة إلى العرش كي يصدّ الخطر المحتمل من هجوم صليبي جديد وإرسال محمد الثاني إلى موقع ساروهان العسكري.

يرتقي محمد الثاني العرش بعد وفاة أبيه، وعلى الرغم من شكوكه بالصدر الأعظم خليل باشا ووزيريه شهاب الدين وساروكا فإنه أبقاهما في مناصبهما وراقبهما عن كثب، وقد استعدّ لهذا المنصب الكبير الذي تقلّده أول مرة حينما كان غضا في الحادية والعشرين، لكنه عاد إليه بحزم وعزيمة بعد خمس سنوات من الخبرة والتأمل ومراقبة سير الأعمال في الدولة العثمانية العلية، ومع ذلك فإن نده قسطنطين في البلاط البيزنطي كان يسخر منه، وينتقد خبرته الضئيلة، غير أن الدوق "نوتاراس" كان يحذّر الإمبراطور قسطنطين ورجال البلاط قائلا: لقد درس السلطان محمد علوم الهندسة ليكسر دفاعاتنا، وتعلم لغتنا ليفهم نقاط ضعفنا، وتعمق في ديننا ليفند عقيدتنا.

محمد الثاني ينهمك بالتفكير بالقسطنطينية لدرجة أنه يرى أجداده السلاطين في أحلامه المتواترة

 

"أنت القائد الشرعي الذي تنبأ بقدومه نبينا"

يرصد المخرج الحياة الأسرية للسلطان محمد الفاتح، ويكتفي بالإشارة إلى زوجته "كَلبهار خاتون" أم نجله بايزيد الذي كان يحاول التقرّب إلى أبيه، لكن التقاليد السلطانية تحول دون ذلك، بل إنهم لا يسمحون للطفل أن يخاطب والده بكلمة "أبي" وإنما يتوجب عليه أن يقول "سُلطاني" حتى ينتابه الإحساس بأن السلاطين لا يحبون أبناءهم، غير أن والدته تخفف عنه هذا الشعور وتخبره بأنه سيعرف حينما يكبر حجم الحب الذي يكنه والده له.

ينهمك القائد محمد الثاني بالتفكير بالقُسطنطينية ليل نهار حتى أن كوابيس أجداده السابقين تداهمه في نومه فيأتيه أحدهم ويخاطبه قائلا: "أنت من يستحق خاتم السلطنة، وأنت القائد الشرعي الذي تنبأ بقدومه نبينا، بارك الله حملتك"، وحينما تدخل عليه زوجته "كَلبهار" تجده متعرقا لاهثا من هول الحلم، وحينما تطمئنه يقول لها: "إما أن أفتح القُسطنطينية أو تهزمني هي".

رأينا في مشهد آخر "كَلبهار خاتون" وهي تتجمّل وتتضمخ بعطر الياسمين الذي يفضِّله السلطان محمد الثاني على غيره من العطور، ورغم أن طريق الرحلة كان طويلا فإن رؤية زوجها السلطان تستحق كل هذا العناء كما تطفئ غلواء الأسئلة التي تتصاعد في عقل الطفل الذي ينادي أباه في نومه.

الصدر الأعظم خليل باشا كبير وزراء السلطان محمد الثاني، المتورط في التواطؤ مع البلاط البيزنطي

 

راية سلام مع المحيط.. خطة العقل الراجح

يمتلك السلطان محمد الثاني عقلا راجحا لا تنقصه الحيلة، وقدرة واضحة على المناورة السياسية، فقد أمر كبير وزرائه خليل باشا أن يكتب رسائل عدة إلى الدولة البابوية، ومملكتي المجر وبولندا، وجمهوريتي جنوة والبندقية والإمارة الصربية، ويخبر ملوكها ورؤسائها وأمرائها بأن الدولة العثمانية تريد أن تعيش معهم بسلام.

وقد استجاب أكثر من مرة للجزية التي كان يطالب بها الإمبراطور قسطنطين عن أسْره للأمير أورخان جلبي الذي يطالب بعرش الدولة العثمانية، لكن السلطان محمد الثاني كان يضمر لهم شرا، فهو يريد إعادة بناء السفن في غاليبولي، وبناء "قلعة روملّي حصار" التي يُطلَق عليها "بوغازكسن"، أي "قاطع القناة" ويفتش كل السفن التي تأتي من البحر الأسود، ويفرض عليها رسوم المرور الجمركية.

يتدخّل خليل باشا كلما سنحت له الفرصة في الحديث لتثبيط همّة السلطان محمد الثاني بحجة أن الأعداء اللاتينيين -وهم قبيلة وسط إيطاليا القديمة- والبيزنطينيين والبابا يتربصون الدوائر بالسلطنة، لكن جواب السلطان كان قاطعا حيث قال: ليس اللاتينيون ولا البابا ولا قسطنطين هم همي، بل همي الوحيد هو شعبي الذي لا يدرك أن غزو القُسطنطينية هو أمر في صالحه.

ثم يتدخل خليل باشا ثانية حينما يشرع السلطان في بناء قلعة روملّي حصار، لكن تدخلاته تذهب هباء منثورا ويكتمل إنجاز القلعة خلال بضعة أشهر ويعززها بالجنود والمدافع والذخيرة، ليقطع الطريق على الأعداء الذين يحاولون كسر شوكته في البر والبحر، لكنهم لم يُدركوا طبيعة عزمه وإصراره الذي لا يلين، وأكثر من ذلك فإن جنود السلطان محمد الثاني قد أحرقوا "مورا" وقتلوا جنود الإمبراطور قسطنطين، وفرّقوهم شذر مذر.

تتمثل حكمة السلطان محمد الثاني في إخماد التمرد الذي حدث في آقشهير، فلم يتوقع "كرمان أوغلو إبراهيم" مثل هذا الجيش العرمرم، وما إن طلب السلام حتى وافق السلطان مباشرة لأنه لا يريد أن يلحق الأذى بجيشه الذي أعده لمهمة أكبر مثل فتح القسطنطينية.

يصادف السلطان في طريق عودته بعض الإنكشاريين، ويدفع لهم الأموال رغم أنهم لم يشاركوا فعليا في المعركة، لكنه يُصدر أمرا مهما حينما يقرر إرسال قائدهم "كورتشو دوغان" إلى المنفى لأنه الحليف الأقوى لخليل باشا، وقد كان تأثير هذه الحادثة كبيرا لأن السلطان استعاد سيطرته على الجيش بالكامل، ولم يجرؤ أحد على التململ أو التمرد.

القائد "ألوباتلي حسن" يقع في حُب شابة تُدعى "إيرا" التي يروي لها سيرته الذاتية ويعدها بزواج قريب

 

"إيرا" والقائد "ألوباتلي".. قصة حُب على غرار السينما الهوليودية

ثمة قصة حُب أو أكثر نجدها في غالبية الأفلام الدرامية أو التراجيدية لثلاثة أسباب رئيسة: الأول أنها تخفّف من وقع المأساة، والثاني لأنها تجذب جمهورا واسعا من مختلف الأعمار وخاصة الشباب، والثالث أنها تمنح المتلقين فرصة لالتقاط الأنفاس والاسترخاء بعيدا عن بؤر التوتّر والانشداد النفسيّين.

يقع القائد "ألوباتلي حسن" في حُب فتاة شابة تُدعى "إيرا" ثم يروي كل منهما للآخر سيرته الذاتية المقتضبة جدا، فنفهم أنّ الإمبراطور قسطنطين قد هجم على القرى المسلمة وهو في طريقه إلى البلقان وأباد كل من فيها، وقد نجت "إيرا" بعد أن اختبأت عن أعين الجنود المهاجمين الذي قتلوا أمها وأخواتها، وفي خاتمة المطاف يعثر عليها أحدهم فيبيعها في سوق العبيد.

يصادف في ذلك اليوم أن يكون "أوربان"، وهو سيد هنغاري رفض أن يصنع مدفعا للإمبراطور قسطنطين فأنقذه حسن من ورطته، وجاء به إلى أدرنة مع ابنته المُتبناة "إيرا" التي كان يظنّها الجميع ابنته الحقيقية، أما حسن فقد ماتت أمه وهو صغير جدا، بينما كان والده محاربا واستشهد في كوسوفو.

المدفع السلطاني العملاق تجرّه الثيران لتدمير جدران القُسطنطينية المنيعة

 

خطة تدمير جدران منيعة.. صناعة المدفع السلطاني العملاق

نظرا لشجاعة حسن كمحارب مخلص من الطراز الرفيع فقد أصبح قائدا في جيش السلطان محمد الثاني، فقبل أن يهرب "أوربان" و"إيرا" هاجمهما رجال قسطنطين في منزلهما، وقد أوشك أحدهم أن يطعن "أوربان" في ظهره، لكن وصول حسن في اللحظة المناسبة أنقذه من موت محقق.

يقضي حسن خلال دقائق معدودة على المهاجمين ويأخذ "أوربان" وابنته إلى أدرنة، وفي الطريق يعرض عليه فكرة السلطان محمد الثاني بصناعة مدفع عملاق لم يُرَ مثله في التاريخ بحيث يكون كبيرا بما يكفي لتدمير جدران القُسطنطينية المنيعة، فيوافق أوربان ويشرع في صناعة المدفع العظيم الذي سيطلقون عليه اسم "المدفع السلطاني"، وسوف تشترك "إيرا" في صناعته بعد أن تقص شعرها وتتنكر بملابس الرجال.

المعلم "آق شمس الدين" يشحذ همة السلطان محمد الثاني ويرفع من معنوياته بعد أن عجز عن اختراق أسوار القسطنطينية

 

فشل اختراق أسوار القسطنطينية.. عزلة السلطان

يشتمل الفيلم على أربع معارك رئيسية، واحدة تشن على مورا وينتصر فيها الجيش الإسلامي ويعود محملا بالغنائم، أما المعارك الثلاث الأخرى فتشن على القسطنطينية بعد حصارها لمدة 53 يوما، وتأخذ مساحة كبيرة من الفيلم.

يخفق الجيش السلطاني في المعركتين الأولى والثانية، ويعجز عن اختراق الأسوار الحصينة للقسطنطينية، الأمر الذي يدفع السلطان محمد الثاني للاعتزال في خيمته ورفضه استقبال أي شخص مهما علا شأنه وكَبُر منصبه، خاصة بعد أن دمر أسطول سفنه بالكامل، ولكي يكسروا حاجز العزلة التمسوا من معلمه "آق شمس الدين" أن يذهب إليه ويقدّم له الأفكار والمقترحات المناسبة التي يمكن أن تشدّ من أزره، وترفع معنوياته التي هبطت وأسقطته في يأس خانق.

يشحذ "آق شمس الدين" همّة السلطان ويذكِّره بالصحابي أبي أيوب الأنصاري الذي قاتل على أسوار القسطنطينية رغم أنه كان سقيما وطاعنا في السن، لكنه قاتل الأعداء حتى نال الشهادة ودُفن تحت أسوار القسطنطينية.

تهزّه كلمات معلمه وتحفزه الأفكار التي تتزاحم في رأسه، وأبرزها نقل السفن على اليابسة حيث توضع على أخشاب مدهونة بالزيت، ليجرها ليلا المئات من الرجال، كما أنّ بناء القلعة قد اكتمل وآلاف الجنود يحاصرون المدينة برا وبحرا، وقد خطرت في باله أيضا فكرة حفر الأنفاق تحت السور للوصول إلى القسطنطينية التي تضم خمسة آلاف مقاتل لا غير.

السلطان محمد الثاني يؤم آلافا من الجيش العثماني بصلاة الجماعة قبل الشروع في الهجوم على القسطنطينية

 

"صباح جديد لم يرَه عبد من عباد الله قط".. خطبة السلطان

يشرع الإمبراطور قسطنطين بمخاطبة رعيته قائلا: "يا قادتي النبلاء وجنودي الشجعان وشعبي المخلص، إنهم يتجرأون على تهديد أسوارنا التي تحميها الأم مريم التي لا يغلبها أي شيء، إن الهراطقة الأتراك في طريقهم لأن يذوقوا سموم أفعالهم وهم يتصورون أن بمقدورهم عبور أقوى وأمتن أسوار عرفها التاريخ، لكننا سنغرقهم في بحور دمائهم"، ثم يمضي في حثّهم على اجتراح ملحمة جديدة تضاف إلى سلسلة ملاحمهم القديمة التي يفتخرون بها أمام الملأ الأعظم.

أما السلطان محمد الثاني فقد كان يؤم آلافا مؤلفة من المجاهدين ويصلي بهم ثم يشرع في خطبته العصماء التي قال فيها: "يا جنودي أمامنا تاريخ مجيد من الانتصارات، لقد فتحنا العديد من القلاع والمدن الحصينة، وعبرنا الجبال الشاهقة، وكسرنا الرماح التي وجهها الأعداء إلى صدورنا، وقد مزقنا رايات العدو، ومتنا وعانينا من أجل هذا المجد، واليوم علينا أن نبرهن بأننا جديرون بمجد أجدادنا، وتذكروا أن النصر يتحقق بالإيمان، وأنا متيقن من عبورنا لهذه الأسوار بشجاعتنا، وغدا سنستيقظ على صباح جديد لم يرَه عبد من عباد الله قط، ولن ننال الشهادة إلا بعد أن نركِّع عدونا"، ثم يكبِّر فتتعالى التكبيرات المدوية التي توقع الرعب في صدور الأعداء المختبئين وراء الأسوار.

المدافع والمجانيق العملاقة لجيش السلطان الفاتح

 

"ادفنوا إمبراطوركم الراحل وفقا لأحكام دينكم".. تحقيق النبوءة المحمدية

تبدأ المعركة الأخيرة في يوم الثلاثاء المُصادف 29 مارس/أيار 1453 م كعلامة فارقة في تاريخ الدولة العثمانية التي يشتبك رجالها برجال العدو في معركة نادرة تبدأ برمي النبال والمبارزة بالسيوف وقصف المدافع وقذف المجانيق، ثم استعمال المدفع العملاق الذي كان يقوّض جدران الأسوار الحصينة.

وقد استعمل الجيش العثماني القلاع الخشبية المتحركة بطبقاتها المتعددة التي تفوق ارتفاع أسوار المدينة، وكان المقاتلون من رماة النبال يبلون بلاء حسنا رغم التضحيات الكبيرة التي كانوا يقدّمونها في كل هجوم على انفراد.

وإذا كان السلطان محمد الثاني قد كتب رسالة مطوية إلى زوجته "كَلبهار" يعبر فيها عن لواعج حُبه ومشاعره الداخلية المختلطة؛ فإن القائد حسن الذي تزوج من "إيرا" وترك في بطنها جنينا شاهدناه وهو يقاتل بضراوة الأسود، خاصة حينما واجه الفارس المغوار "جوستنياني" وصرعه بعد نزال مرير، وبينما كان يقاتل على إحدى القلاع المتكئة على السور الخارجي أصيب بعدة أسهم في صدره وبطنه، لكنه ظل متماسكا إلى أن أسقط الراية البيزنطية وثبت بدلا منها الراية الإسلامية.

بينما كان يتطلع إليه من ساحة المعركة السلطان محمد الثاني الذي سيُلقب منذ الآن بالفاتح، وزوجته "إيرا" التي كانت تتلمس الجنين الذي ينبض في رحمها بعد أن انتقمت لعائلتها من الجنود البيزنطيين الذين أبادوا آلاف الضحايا من أطفال المسلمين ونسائهم ورجالهم العُزّل.

ينتهي الفيلم نهاية إنسانية مليئة بالتسامح حينما يدخل السلطان محمد الفاتح إلى المدينة وسط أهازيج جنوده الذين يهتفون "عاش السلطان المُحرِّر" ثم ينتهي به الأمر بكنيسة آية صوفيا التي احتشد فيها جمع كبير من الناس الذين كانوا يتراجعون كلما تقدم السلطان الفاتح لكنه طمأنهم في خاتمة المطاف، وأدخل على قلوبهم السيكنة حين قال:"ادفنوا إمبراطوركم الراحل وفقا لأحكام دينكم، وإنّ حياتكم وممتلكاتكم ومصائركم قد أصبحت جزء منّا، ومن حقكِّم علينا ممارسة عقيدتكم بحرية"، فتهللت وجوه الجميع، وابتسمت الطفلة الصغيرة التي حملها السلطان بين يديه وراحت تداعب شعر لحيته وشاربيه، وتقبّل خدّه من دون خشية أو وجل.

السلطان محمد الفاتح يدخل القسطنطينية محفوفا بقادته وجنوده المنتصرين

 

اختلاق القصص وحجب الحقائق.. موازين النقد الفني

تستدعي الأمانة العلمية أن تكون الأفلام التاريخية مطابقة للحقائق، وعلى كاتب القصة السينمائية أن لا يحرف الوقائع والأحداث، كأن يحوّل النصر المؤزر إلى هزيمة شنعاء، ولكنه يستطيع أن يضع لمساته الفنية المتفردة هنا وهناك، ويرى المواضيع من منظوره الشخصي الذي قد يختلف بالضرورة عن زوايا نظر المبدعين الآخرين.

فقصة حسن وحبيبته "إيرا" ليس لها وجود في فتح القسطنطينية، ولكن المخرج وكاتب السيناريو أدخلاها لأسباب تجارية تتناغم مع السينما الهوليودية التي تضع عينها دائما على شباك التذاكر، كي تستعيد الأموال الطائلة التي أنفقتها، وهذا ليس عيبا أو منقصة، لأن السينما بالنتيجة هي صناعة وتجارة وفن يحتاج إلى إغراءات ودعاية وتسويق وما إلى ذلك.

يرى البعض أن وجود الجيش البيزنطي خارج أسوار المدينة المحصنة غير مبرر ولا معنى له وإلاّ فما الحاجة إلى بناء الأسوار وتحصين المدينة طالما أن الجنود سيخرجون منها لمواجهة الغزاة أو الفاتحين؟

القائدان "حسن أولوباتلي" و"جيوفاني جيوستنياني" في ذروة اشتبكاهما العنيف، حيث صورهما الفيلم كأبطال خارقين

 

تمجيد الحروب.. صراع القوميات والأديان في قاعات السينما

ثمة مبالغات كثيرة في مثل هذه الأفلام التي لا تخلو من نزعة التمجيد العرقي أو القومي فلقد رأينا أبطالا خارقين للعادة في الطرفين معا، ويكفي أن نشير إلى القائد "حسن ألوباتلي" الذي ظل واقفا بقامة منتصبة لأكثر من دقيقتين وهو يستقبل النبال في كتفه وصدره وبطنه، وهذا الغلوّ ينطبق على القائد البيزنطي "جيوستنياني" الذي كان يقاتل بضراوة الأسود قبل أن يلقى مصرعه على يد نظيره التركي.

تميز الفيلم بالمقابل بتقنيات عالية جدا فهو لا يختلف كثيرا عن فيلم "المُجالِد" من بطولة "راسل كرو" وإخراج "ريدلي سكوت" وغيره من أفلام الحروب الملحمية، فلا بد من الإشارة إلى أن هناك لقطات ومشاهد كثيرة لا يمكن أن تغادر ذاكرة المتلقي بسهولة مثل مشاهد المبارزة، واحتراق المقاتلين الذي يهاجمون السور سواء بالنار التي تلتهمهم أو بالزيت المسكوب على رؤوسهم من فتحات السور العالية.

أثار فيلم "السلطان الفاتح" حفيظة اليونانيين الذي رأوا فيه فيلما عنصريا يمجد الحروب والغزوات التي فات أوانها ويُفترض أن يحلّ محلها حوار الحضارات والأديان والسلم العالمي، بينما لاقى الفيلم إعجابا منقطع النظير في عدد من بلدان أوروبا الشرقية ذات الأغلبية المسلمة أو التي يشكِّل فيها الإسلام حضورا ملموسا وواضحا مثل ألبانيا ومقدونيا وصربيا وكوسوفو والبوسنة والهرسك إضافة إلى بلدان العالمين العربي والإسلامي.

يضاف هذا الفيلم الملحمي التاريخي لرصيد المخرج التركي "فاروق آكصوي" الذي سبق أن عرفناه في أعمال إشكالية مثيرة للجدل مثل "الضوء الأخضر" و"حريم السلطان" و"العالم الحر".

ذات صلة

الأمير علي باي.. رحلة جاسوس إسباني من قصر سلطان المغرب إلى مكة
نقد سينمائي

الأمير علي باي.. رحلة جاسوس إسباني من قصر سلطان المغرب إلى مكة

نتعرف في هذا التقرير على الجاسوس الإسباني الذي اندسّ في قصر السلطان المغربي "سليمان بن محمد" على مدى أكثر من عامين، ونجح في إيهام المغرب وعدد من الدول العربية بشخصيته المنتحلة كأمير عربي منحدر من سلاسة الرسول صلى الله عليه وسلم.