نقد سينمائي

الضيف.. حين يكون رمزا للشر

 

إسراء إمام

يقول أدلر "إن حياة البشر ما هي إلا حرب ضد إحساسهم بالدونية". من هنا يكمن الشر، لأن حياة مثل التي ذكرها أدلر لا تُعتبر إلا بيئة خصبة لقتال غير نزيه تتناحر فيه الرغبات وتتضارب المصالح، ويصبح ترتيب الأولويات فرض عين يتعلق في النادر بأمر الجماعة، ويرتبط على الدوام بمتطلبات الذات.

أفلام كثيرة قدمت شخصية الضيف باعتباره هادم اللذات ومُفَرِّق الجماعات نَسَبَت إليه الشر، لكن على مستوى خاص يَمَسّ حدوتة بعينها، وهناك أفلام أخرى قدمته شريرا أيضا، لكن اعتبرته رمزا عاما، شر مُتجَسد في هيئة إنسان، ضيف في هيئة بشرية، لكنه يُمَثِّل مبدأ وفكرة أو حتى يُجسِّد الإنسان المُضاد، فمقولة أدلر قد نستخلص منها أن الإنسان طوال الوقت في حرب مع نفسه.

المهم أنه من خلال هذا الرمز يمكننا إعادة قراءة سلوكيات البشر وقياس مدى استجابتهم للشر، والمؤهلات التي تجعل بعضهم أكثر ميلا له من البعض الآخر، وفي المقابل أيضا العمل على إبراز دوافع البدء بهذا الشر والتمادي مع ماهيته ووجوهه المتعددة.

فيلمان فيهما نجد شخصية الضيف نموذجا ثريا للرمز، رمز لشرّ مستطير يستحضر اللعنة أينما حلّ، كما يجلب النحس ويُعَاقِب، ويحمل رسالة مُشَفَرة تَخُصّ البشرية جمعاء. الفيلم الأول هو الفيلم الإيطالي "نظرية" (teorema) إنتاج عام 1968 للمخرج بيير باولو بازوليني، والفيلم الثاني هو الفيلم الهولندي "بورجمان" (borgman) إنتاج عام 2013 للمخرج أليكس فان وارميردام.

لقطة من الفيلم الإيطالي "نظرية" (teorema) إنتاج عام 1968 للمخرج بيير باولو بازوليني

الضيف الشرير

في فيلم "نظرية" لـ"بازوليني" يحضر فجأة شاب وسيم ليشارك العائلة الحياة كضيف مُرَّحب به للغاية، نراه يستحوذ على اهتمام الجميع لدرجة وقوع كافة أفراد الأسرة في غرامه، ومن ثم يتورط كل منهم في علاقة جنسية معه، بينما هو يحاول احتواءهم وتقديم كافة سبل الحب والرعاية التي يلوذون إليه من أجلها، لكنه في يوم ما يغادر كما جاء ويترك الجميع من بعده تائهين مواجهين لعدة مصائر جحيمية غير مفهومة.

أما في فيلم "بورجمان" لـ"أليكس فان" نجد الرجل المطارد الذي هجر منزله تحت الأرض، وذلك بعد أن انكشف أمر معيشته هناك وهو يطلب الاحتماء والراحة عند أسرة راقية، وحينما ينال مُبتغاه نجده يستعين بأفراد آخرين غريبي الأطوار من جماعته، ليبدأ جميعهم بالتسلل رويدا إلى حياة الأسرة وقلبِها رأسا على عقب.

في فيلم "نظرية" لـ"بازوليني" يحضر فجأة شاب وسيم ليشارك العائلة الحياة كضيف مُرَّحب به للغاية

نبوءة مشؤومة

نرى في افتتاحية فيلم "بورجمان" مجموعة من الرجال التي تتلاقى وهي على أهبة الاستعداد مُتسَلحين مُتحفزين، ثم ينطلقون إلى الغابة ويتحسسون موضعا بعينه من الأرض، ثم يحفرون تحته فيظهر تجويف مهول، حيث يتبين أنه سَكَن لرجل قد أدرك هجمتهم وسبقهم هاربا. هذا الرجل ذاته هو الضيف الذي أفسد حياة الأسرة كما تحدثنا في الفترة السابقة، هو وأقرانه الذين عرفنا أنهم أيضا ملكوا بيوتا تحت الأرض، وقد بدأ المخرج "أليكس فان" فيلمه بجملة "إنهم ينزلون تحت الأرض كي يوحدوا صفوفهم".

وهنا يمكن أن نتذكر فيلما آخر من إنتاج هذا العام، وهو فيلم "نحن" (us) للمخرج "جوردان بيل"، حيث تتحقق نبوءة مشؤومة، وتخرج الحشود من باطن الأرض لتستولي على حياة الحشود فيما فوقها، أي يظهر لكل واحد منا قرين شرير نسخة طبق الأصل منه، والذي ينطلق فجأة من تحت الأرض راغبا في الحصول على حياة أخيه، آملا بأن يحيا عيشته ولا يحمل له في قلبه سوى الشر.

في فيلم "بورجمان"نجد الرجل المطارد الذي هجر منزله تحت الأرض، وذلك بعد أن انكشف أمر معيشته هناك وهو يطلب الاحتماء عند أسرة راقية

الأرض.. رحم الشر

وقد تدفعنا ملاحظة احتواء الأرض لأصل الشر الذي ينبعث بغية التدمير في الفيلمين للتساؤل: لماذا تكرر استخدام الأرض رمزا لرحم الشر؟ لماذا الأرض تحديدا؟

لا بدّ أن لذلك مرجعية ما، والحقيقة أنه ذو مرجعية بالفعل، لأن بعض الحضارات القديمة مثل البابلية والآشورية وحتى الفرعونية آمنت بأن ثمّة حياة في جوف الأرض، وصَدّقت بأن ثمة عالما سفليا واسعا اختلف كُنهه ما بين ممالك شريرة، وما بين كونه مأوى للأرواح ذات القدرات الخارقة.

في فيلم "بورجمان" يحكي الضيف لأطفال الأسرة المضيفة أن ثمّة وحشا يسكن جوف أرض بحيرة في مكان ما، هذا الوحش يوجد على عمق ليس بالهيّن أبدا، لكن الطفلة بطلة القصة كانت تعرف أن هذا الوحش المخيف وهو في مكانه العصيّ عليها يقف حارسا على مفتاح السعادة أيضا، لذا قررت أن تسافر إليه بأيّ طريقة.

هذا إلى جانب الاعتقاد في القرين، وهو اعتقاد تم ذكره في عدد من الديانات، يؤمن في مطلقه العام بأن ثمّة نسخة مطابقة لكل بني البشر تملك حياتها الخاصة تحت الأرض، بينما تحضّ توأمها فوق الأرض دوما على الشر، وتجعل شغلها الشاغل تكدير مزاجه وإبدال حُسن طبائعه. ومن ثم وإثر كل هذه الخيالات المتنوعة العتيقة والتي ارتبطت بالوجود البشري ومعتنقاته؛ تحولت الفكرة لأسطورة تربط باطن الأرض بالشر، وكان من الطبيعي أن تُستَلهَم الفكرة سينمائيا ويتم الاستعانة بها في معالجات مماثلة.

أما في فيلم "نظرية" فالضيف يأتي من العدم، حيث يتلقّى الأب خطابا ما من مجهول لا يعرفه المشاهد، وقد كان الخطاب مكتوبا فيه "غدا سيصل"، ثم بالفعل نجد الشاب في البيت يتعايش بانسجام صامت ومريب مع أفراد الأسرة، كما أنه سيغادر بالطريقة نفسها، خطاب آخر يفتحه ويقرأه ثم يقول ببساطة وإقرار إنه سيذهب. إنها صيغة رمزية أيضا تُشبه وقائع القدر، وسنفهم أكثر عن تلك النقطة في الفقرة اللاحقة.

في بداية فيلم "نظرية" ثمّة مشهد افتتاحي يُدين البرجوازية بوضوح

عقاب المترفين

في بداية فيلم "نظرية" ثمّة مشهد افتتاحي قد نعدّه طرف الخيط لفك الشفرة بأكملها، المشهد يُدين البرجوازية بوضوح، ويعتبرها داءً سيقضي على أيّ أمل ثوري يلوح في أفق البشرية، فهل يمكننا اعتبار هذا الضيف تجسيدا لحالة الرخاء المادي الذي يحلّ على أسرة برجوازية كقدر مباغت يمنحها ظاهريا كل سُبل الراحة والأمان، كما أنه قد يتخلى عنهم فجأة فيخلفهم ضائعين تائهين وغير قادرين على مجاراة حياة الماضي، وغارقين في قسوة الحاضر الذي حال بينهم وبين الرفاهية والنعيم؟

الحقيقة أن ما يدعم هذا الافتراض هو مصير خادمة تلك الأسرة التي تُقرر من فورها بعد مغادرة الضيف وبعدما استسلمت لغوايته كالجميع؛ أن تترك البيت نهائيا، وتعود لقريتها الصغيرة وتزهد في كل شيء حتى الطعام، فتتحول لقديسة قادرة على شفاء السقيم، والارتفاع عن الأرض (موهبة الاسترفاع التي يتم تداولها في ثقافات وديانات عدة باعتبارها من كرامات أصحاب الأرواح النقية القريبة من الرب). إذا فمصير هذه السيدة لم يكن سيئا كالبقية، هل لأنها لفظت الثروة وكفّرت عن ذنب وقوعها في براثن غوايتها سابقا؟

نفس الملمح ينطبق على فيلم "بورجمان"، فالضيف لا يقصد عائلة بعينها، وإنما كان يتصيّد في بحثه بعد رحلة هروبه كافة المنازل الأرستقراطية دون غيرها، فهل يسعنا الفهم بأن هذا الضيف وجماعته يُطبقون آلية العقاب التلقائي لأصحاب الثروات المترفين، والذين برغم كل ما يذوقونه من رغد وأريحية لا يزالون يمتلكون نزعة عنصرية؟ (نراها وقد شدد عليها المخرج في شخصية صاحب البيت الذي يرفض شخصا غامق البشرة لوظيفة البستاني الذي نشرها في الجريدة، ويردد "هذا ثاني زنجي يأتينا اليوم").

صحيح أن الضيفين أتيا بالشر، لكن لم يكن يسعهما إنباته في غير بيئته

بيئة حاضنة

يقول نجيب محفوظ "إن الإنسان يستحق معاناته". صحيح أن الضيفين أتيا بالشر، لكن لم يكن يسعهما إنباته في غير بيئته، وهنا أشير إلى استعداد الأسرتين لاستقبال هذا الشر، بل وإنمائه ليمتد وينخر الجذور التي لم تكن راسخة بما فيه الكفاية.

وقد نلمس ذلك في فيلم "نظرية" عندما باح أفراد الأسرة واحدا تلو الآخر بمكنونه إلى الضيف قبيل مغادرته، فتبينت لنا أسباب خواء نفوسهم من البداية وتيههم المطبق، وضياعهم غير المعلن الذي كان بمقدورهم تجاهله قبل مجيء الضيف، وإنما من بعده لم يعد بإمكانهم ذلك، فمصيرهم الأول لا يختلف عن مصيرهم الأخير كثيرا، فالفارق أن هذا الأخير كان في هيئته صارخا واضحا للعيان، على عكس الأول الذي يتخذ مظهرا مُخادعا. لهذا يمكننا أن نستعيد قول الفيلسوف سينيكا "إن الثراء يُعزز الأمزجة السيئة".

في فيلم "بورجمان" أيضا نجد الضيف يفشل في اقتحام بيت قد لجأ إليه أولا، حيث يطلب من صاحبته الدخول للحصول على بعض الراحة والطعام، لكنها تغلق الباب في وجهه بقوة حاسمة، ناجحة بذلك في حماية أسرتها وعالمها. لكن في المقابل نراه يدخل بيت الأسرة المزعومة بسهولة، حيث توافق الزوجة على التستر عليه دون علم زوجها، بل وتطلب منه البقاء فيما بعد، وهذا إن دلّ فإنه يوحي بمدى هشاشة علاقتها بزوجها وافتقارها لمشاعر مهمة معه تجعلها مضطرة بغير وعي للبحث عنها من خلال إيواء متشرد غريب تعتني به وتمنحه طعاما وحماما ساخنا.

في المراحل المتوسطة من تغلل تأثير هذا الضيف سلبا وإيجابا داخل البيت، نرى الزوجة تُفضي إلى زوجها وهو جاهل بما تقصده بالضبط (لأنه ما زال لا يعلم بخصوص المتشرد في منزله)، فتقول "أشعر أن ثمة دفئا يتسلل إلى بيتنا ويحيط بنا، دفئا يؤثر فينا ويهب نفسه لنا، لكنه أيضا سيرتد علينا بشكل أو بآخر".

نرى الضيف في فيلم "بورجمان" له عدة أعوان يُكوّنون فيما بينهم تنظيما ما

الخبث والحب.. مُقوّمات الشر

نرى الضيف في فيلم "بورجمان" له عدة أعوان يُكوّنون فيما بينهم تنظيما ما، فكل منهم يساعد الآخر ولا يعمل أحد منهم وحيدا، فلا مانع لديهم من القتل واستخدام الجنس في مقابل تحقيق مسعاهم بالاستيلاء على أطفال هذه الأسرة البرجوازية، وقبلها التخلص من الأم والأب بطريقة ممهنجة يسبقها معاناة روحانية تشفي غليلهم بشكل ما.

فنجد أن وسائل هذا التنظيم متماشية في النهاية تماما مع مبتغاه النفسي والفعلي، فهم نالوا انتقامهم من جهة، وضمّوا من جهة أخرى إلى صفوفهم ثلاثة أطفال من الطبقة الراقية سيشبّون على التشبع بفكرتهم والعمل على خدمة مخططهم.

وعلى العكس تماما كان الضيف في فيلم "نظرية"، حيث إن أثره تغلغل في نفوس أفراد الأسرة عن طريق الحب والاحتواء والاستيعاب التام لكل منهم، حتى إن تلبيته لرغباتهم الجنسية لم يكن بغية السيطرة كما كان الأمر في "بورجمان"، وإنما لإعطائهم ما يحتاجون إليه ببذخ.

الحقيقة ومع تأمل هذه الملاحظة يمكننا أن نعتبر أن للشر طرقا عدة للنفس البشرية، منها الخبث والحب.

يختتم المخرج فيلمه "نظرية" بمشهد عبقريا في شكله ومضمونه

رمزية صارخة وتضاد بصري

في سبيل الحفاظ على الصورة الرمزية تجاوز كل من الفيلمين العناية بالمقدمات والتفاصيل المعهودة للحكي واتباع منطقية سردية، وإنما التزما بالتكثيف والغموض والاستعانة بالأيقونات البصرية للعمل على توصيل المعنى.

فمثلا ذلك الجرح الغائر الذي كنا نراه على ظهور أفراد التنظيم في فيلم "بورجمان" والذي كان يبدو وكأنه يحتوي شيئا غامضا بداخله، لكن المخرج لم يهتم بالحديث عنه مُطوّلا، وإنما استخدمه بشكل بصري بحت، لنُدرك بمجرد رؤيته على ظهر واحد من أفراد الأسرة أنه الآن بات تحت سيطرة الضيف وأقرانه تماما.

تكرر الأمر فيما يخص الكلاب التي كانت تروح وتجيء في البيت من وقت لآخر، وفي مرة من المرات تحدث معها الضيف آمرا إياها بأن تذهب لأن دورها لم يحن بعد. نحن لا نعرف حقا حقيقة هذه الكلاب وإلى أي شيء تُشير تحديدا، لكن المخرج استعان بها ببساطة ليغالي في إرساء انطباع غريب بخصوص عالم الضيف وأقرانه.

هذا إضافة إلى الطريقة التي كان يتخلص بها أفراد التنظيم من الجثث، والإصرار على تثبيت رؤوسهم في جردل من الأسمنت والإلقاء بهم في النهر، لنراهم في أكثر من كادر مقلوبين رأسا على عقب، وكأنه يُعَمِّق إحساس هؤلاء الجماعة بالسخرية من الحياة السابقة والمُرفهة لهؤلاء البشر، والاستهزاء بوجاهتهم الاجتماعية والتقدير الذي أحاطهم المال به.

في فيلم "نظرية" يمكننا أن نلاحظ تلك الصورة الرمزية الصارخة التي استخدمها "بازوليني" طوال الفيلم، والمتمثلة في شكل الصحراء الترابية المقفرة الواسعة، والمتدافعة من فوقها الغيوم بحركة سريعة تُغير لونها، والتي تتناقض بشدة مع شكل الثراء الذي يحياه أفراد الأسرة.

ثم يختتم فيلمه بمشهد يكون عبقريا في شكله ومضمونه، وذلك حين يلقي بصاحب البيت عاريا في قلب تلك الصحراء إياها، وقد اختار له أشدّ عقاب من بين البقية لأنه صاحب البيت والمصنع، صاحب المال المتحكم في الكادحين، فنراه وهو يركض مُثقلا مخبولا.

التضاد البصري يبدو جماليا أخاذا ما بين لون جسده الذهبي اللامع ورمادية ذرات التراب القاتمة، وذلك في واحدة من أجمل النهايات السينمائية التي ستعلق في ذهنك إلى الأبد.