نقد سينمائي

"العرب المسيحيون".. رحلة في تاريخ وحاضر إحدى أعرق الديانات الشرقية

 

خاص-الوثائقية

تجوب بنا سلسلة "العرب المسيحيون" –من سيناريو وإخراج بشار غنام وإنتاج الجزيرة الوثائقية– عبر أجزائها الأربعة ثمانية بلدان وعددا كبيرا من الأمكنة والشخصيات المدعمة بالشواهد والمباحث التاريخية في عالم العرب الذين يعتنقون المسيحية حاضرا وماضيا ومستقبلا.

فمن لبنان للأردن وسوريا ومصر وفلسطين ثم السويد والولايات المتحدة وفرنسا تتجول الكاميرا باحثة في موضوعها صورة ونصا، مستقصية بشكل واسع وجهات النظر والرؤى المختلفة حول حال العرب المسيحيين في أوطانهم ومنافيهم، تاركة لهم الفرصة للتحدث عن شجونهم ومشاغلهم وتصوراتهم عن الحاضر والمستقبل عبر سرد بصري تميز بالهدوء والنقلات المتسلسلة البعيدة عن إرباك العين أو حصرها في مجال بصري واحد.

 

نهر الأردن.. سير على خطوات السيد المسيح

لم تقتصر السلسة الوثائقية هذه على السرد التاريخي والديني لهذه الشريحة الأصيلة والفاعلة في مجتمعها العربي فحسب، بل تجولت أيضا في مناحي أخرى اجتماعية واقتصادية وثقافية عديدة تذر المشاهد كل حين مع تاريخ المسيحية العربية الحافل بمختلف أوجهه وتفرعاته.

ينطلق الفيلم من طيبة التي لجأ إليها السيد المسيح بعد التضييق عليه، حيث شهدت إحدى معجزاته المبكرة، ثم تلاحق العدسة مسيرته إلى نهر الأردن في الشرق حيث جرى تعميده، وبعد ذلك إلى سوريا حيث لجأ أتباعه هربا من الملاحقة وشرعوا في نشر دعوته التي تحث على عبادة الله والتحلي بروح التسامح بين عباده.

مدن تنطق بلغة المسيح.. ثقافة ضاربة في عمق التاريخ

نرى في الفيلم مشاهد مختلفة لكنيسة الخضر ثم نتجول مع العدسة في مدينة معلولة السورية التي تعتبر واحدة من آخر ثلاث مدن في العالم ما زالت تتحدث لغة المسيح الآرامية، فما زال الأطفال يتعلمون هذه اللغة في تواصل مع تاريخهم الحافل، كما تصحبنا العدسة في جولة داخل أنفاق معلولة المهيبة، ونطل على المكان الذي وقع فيه تعميد الرسول بولس على يد القديس حنانيا ثم تفرغه لنشر الرسالة المسيحية انطلاقا من باب كيسان في سور دمشق.

وبعد هذا المدخل التاريخي الذي يستعرض مهد المسيحية وخطواتها الأولى يبرز لنا الفيلم عبر ضيوفه الذين تنوعت اهتماماتهم ومناصبهم الدينية والدنيوية عراقة المسيحيين العرب واعتزازهم بانتمائهم العربي الموغل في التاريخ، فالرسالة المسيحية هي رسالة شرقية نشأت في الشرق الكنعاني – الفينيقي – الآرامي، ويجري استعراض المشتركات التي تجمع بين اللغتين العربية والسريانية التي كتب بها المسيح عيسى بن مريم، مثل التوحد في الجذر اللغوي والتشابه الكبير في القواعد النحوية بينهما.

كنيسة بيزنطة.. معركة السيطرة السياسية باسم الدين

لقد عانت المسيحية في أصلها الشرقي من عدة أحداث تاريخية كبرى حاولت استلالها من تربتها الشرقية والانحياز بها إلى خارج رحمها الطبيعي، كما حدث عندما انقسمت الكنيسة المسيحية إلى كنيسة شرقية وأخرى غربية، وهو في الأساس انقسام سياسي وقع داخل الإمبراطورية الرومانية، وكيف أن مسيحيي الشرق من السريان والآراميين قد تعرضوا للمذابح والمجازر الشنيعة بدعاوى الهرطقة.

وأما السبب الحقيقي فيكمن في محاولة كنيسة بيزنطة السيطرة عليهم ولمهم تحت شملها، وهي محاولات قابلتها دفاعات شرقية ساهمت تركيبة الكنيسة الشرقية المتمثلة في قيادتها من قبل المجمع الكنسي، وكانت مساهمة فعالة في الدفاع عنها والاحتفاظ بسيماتها الأساسية في وجه تلك المطامع البيزنطية.

ويستعرض العمل أيضا مجاهدات المسيحيين العرب حديثا في المحافل الدولية لإثبات عربية شرقية المسيح بدل الأصل اليوناني الذي ألصق به في تلك المحافل، وهي معركة دينية وتاريخية ذات طابع ثقافي مهم.

 

كنيسة الشرق.. تاريخ طويل من الاضطهاد من إخوة الدين

في الشأن الكنسي الخاص نمر في الفيلم على الاختلافات بين المسيحيين دينيا، ونلاحظ أنها اختلافات لا تمس الجوهر وإنما تختص ببعض الشكليات، كما يستعرض العمل حياة مسيحيي الشرق في حالة سلام داخل إطارهم العربي.

وقد كانت حالة السلام هذه تتعقد في بعض الأحيان عندما تقع بين تناقضات الجغرافيا والتاريخ، مثل شواهد تنافس الشعوب على محبة رموز هذه الديانة ونسبتها شكليا له، حيث نرى المسيح يصور في الغرب مثلا بأوصاف غربية من حيث اللون والبنية الجسدية، وأيضا في اختلاف بعض الطقوس مثل العمادة والقربان المقدس.

لم تقتصر السلسلة على السرد التاريخي فحسب، بل تجولت في مختلف المناحي المسيحية، ومن حالات محاربة كنيسة الشرق المسيحي ما نتج عن الفترة العثمانية عندما استطاع اليونانيون بحكم تقربهم من آل عثمان السيطرة على المناصب الكنسية العليا، وكيف أن ذلك أدى لتحجيم الدور العربي داخل الكنيسة الشرقية، وخلف مشاكل في الحاضر لعل قصة بيع الأوقاف الكنسية الأرثوذكسية التي تفجرت أخيرا من أبرزها، وأيضا قضية تعطيل تعريب الكنيسة بسبب تلك السيطرة مما جعلها غريبة في بعض جوانبها عن بيئتها الأصلية.

الجامعة اليسوعية.. أيادي المسيحيين البيضاء في الأدب والتعليم

نعرف جميعا الدور الفاعل الذي قام به المسيحيون العرب في النهضة العربية ثقافيا وسياسيا، فيكفي أن نشير لأسماء سُجلت في السجل العربي مثل جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وأنطوان سعادة وفارس الخوري وأيضا ميشال عفلق.

كما نذكر الدور المهم الذي لعبته الجامعة اليسوعية في الأحداث الكبرى التي مر بها العرب، فقد خرّجت لنا عددا من الأسماء الكبيرة التي نافحت عن العرب وقضاياهم السياسية والفكرية كما لعبت دورا مهما في مواجهة سياسة التتريك التي قادتها تركيا.

مسيحيو المهجر.. مبالغات في الأعداد وأسباب الهجرة

خصصت السلسلة أيضا مساحة رحبة للمسيحيين العرب في ديار المهجر والغربة، فقد ناقشت مع المهتمين والشهود بتوسع قضية الهجرة وجوانبها المختلفة السياسية والاقتصادية، وأسباب ذلك المباشرة التي يرى البعض أنها تدور في محيط الحاجة المعيشية والإحساس بالتفريق في المعاملة في بعض المجتمعات نتيجة للضغوط السياسية كما لعبت الأصولية المتشددة دورا في إثارة الفزع في بعض الأوساط المسيحية ودفعتها للهجرة نتيجة الفهم القاصر لمبادئ الإسلام الرحبة والمتسامحة.

وفي هذا الإطار التقت العدسة في شكل فني مدروس بالعديد من النماذج الحية التي تحدثت عن تجاربها في المهجر وصعوبات التأقلم، كما ألقى العديد من المسيحيين بوجهات نظرهم التي حرصت على التخفيف من الهالة المبالغ فيها حول أعداد المهاجرين وأسباب هجرتهم، ونفت أن تكون تلك الأعداد والأسباب كما هو معلن عنها بسبب عدم القدرة على المواصلة في البلد الأصلي.

 

تفريغ بلاد العرب من المسيحية.. ألاعيب القوى الخارجية

نبه البعض لمحاولات مريبة لبعض القوى الخارجية لاستدراج المسيحيين العرب لتفريغ المنطقة منهم، ومن ثم إبراز الدور السلبى للمسلمين بشكل يوحي بأنهم هم من يقفون وراء ذلك، بحيث يكون المسيحي والمسلم في الحقيقة هدفا مشتركا للتغطية على سياسات مريبة في بعض الأحيان.

وتابعت العدسة الحرص الذي يبديه المهاجرون المسيحيون العرب في ديار المهجر للحفاظ على تقاليدهم الشرقية الدينية والاجتماعية، كما جرت مناقشة مسألة التدخل الغربي سياسيا لصالح المسيحيين العرب، وكيف أنه تدخل مغرض -كما عبر بعض رجال الدين- يهدف لاستخدام المسيحيين العرب كورقة ضغط سياسية من أجل تحقيق مصالح دولية في الداخل العربي.

"شهود يهوه".. أصابع التفرقة اليهودية المشبوهة

وسلط الفيلم الضوء على بعض المحاولات المشبوهة مثل منظمة "شهود يهوه" التي تدعى المسيحية بينما اصولها اليهودية تفصح عن شكوك جدية حول أهدافها التي تتستر عليها عبر عملها التبشيري في المناطق العربية وبين المهاجرين العرب في الخارج، فالمسيحية الحقة -كما عبر مطران عراقي معروف- تتمثل في صنع المثال الإنساني الجدي الذي يدعو للتمثل به ليس للتبشير.

كما زارت العدسة أيضا السودان، وحاولت استعراض مشكلة الجنوب المسيحي والشمال المسلم والحرب التي حاول البعض هناك أن يصبغها بالصبغة الدينية، وناقشت اتفاق الطائف بين اللبنانيين، وكيف ساهم في تثبيت الحقوق المسيحية كما جاء على لسان أبرز المشاركين فيه من ذوى المناصب السياسية والدينية العليا.

وقد طرحت وجهات نظر مسيحية جريئة نحو ضرورة المجتمع المدني الذى يقوم على حقوق المواطنة لا المذهب والديانة، وطالب بعض المسيحيين إخوانهم في الديانة بالهجرة من الكنيسة نحو الدولة، والتعامل مع المشاكل الاجتماعية، والمساهمة فيها من أجل مشاركة أكثر فعالية في القضايا السياسية.

 

عيوب السلسلة.. نقاط سوداء في ثوب أبيض

شملت السلسة عبر أجزائها الأربعة جهدا واضحا في الصورة والنص، وهو عمل مرهق احتوى على تنقلات كثيرة في الأمكنة والحقب التاريخية ووجهات النظر المختلفة، وهو جهد نادر الوجود في السينما التوثيقية العربية التي ما زالت في خطواتها الأولى.

وتسجل للعمل جرأته في الاقتراب والتعمق أحيانا في موضوع حساس كهذا، كما يلاحظ إيجابيا وقوف صناع الفيلم من معدّين -شمل العمل على 11 معدا وهو رقم كبير– ومخرج أجاد في توحيد الخط العام للعمل، كما أجاد في حسن الاختيار للكادر الفني الذي قام بتصوير العمل والعمليات الفنية الأخرى.

ولكن طبعا تبقى دائما بعض المآخذ التي لا بد من التذكير بها، ونورد هنا بعضها بشكل سريع وبهدف لفت النظر وليس التقليل من الجهد الجاد والموسوعي الذي بذله طاقم العمل، فمن ذلك على سبيل المثال:

  • أن العمل لم يوفق بشكل عام في اختيار الموسيقى المصاحبة للصورة، وكان عليه التركيز على الموسيقى التي أنتجتها المسيحية سواء عبر تراتيلها الكنسية أو الموسيقى المستوحاة من ذلك، وهي مسألة كانت ستضيف الكثير من الأحاسيس للعمل، فنحن نعرف أن كبار فنانين العرب مثل وديع الصافي وفيروز وغيرهم من مؤلفين موسيقيين يحوزون على أعمال كان من الممكن الاستفادة منها أو من غيرها.
  • اقتصار المعالجة في المهجر على السويد، حيث رأينا القليل جدا من المهاجر الأخرى مثل فرنسا والولايات المتحدة. وحتى في النموذج السويدي لاحظنا عزل النماذج المقترحة في العمل على بيئتها الاجتماعية التي تتحرك فيها.
  • قلة بل ندرة المشاهد التي عرضت من السودان، وعدم زيارة الجنوب الذي يشكل محورا أساسيا في عمل كهذا.

ويمكن رد هذه السلبيات البسيطة لمشاكل تخص الإنتاج وحركة الفريق وتعدد مصادره والمشاركين فيه، ولكنها تبقى نواقص لا يهم المشاهد أن يعرف أسباب عدم توفرها لأنه غير معني بها.

ذات صلة