نقد سينمائي

"القتل على الساحل".. سجينة بريئة وسفاح طليق برعاية الإعلام الإسباني

 

عبد الكريم قادري

"كنت أفكر منذ سنوات عدة أن هذه القصة جديرة بأن تنشر عبر فيلم وثائقي، وقد عمِلت بقدر كبير من الاحترام، وبمنظور انتقادي وتأملي ضمن المساحة التي أتاحها لنا الوقت. لقد كنت أبلغ 22 عاما حين وقعت هذه الجريمة، والآن وبعد مرور عقدين من الزمن، يمكنني تقديم نظرة أكثر نضجا أعبّر فيها عن رأي المجتمع بأسلوب سرد سينمائي نوعا ما".

هذا ما قالته المخرجة "تانيا بالو" عن قصة فيلمها. فما الذي حدث في ذلك الوقت وظل راسخا في وجدان المخرجة حتى أعادت تجسيده سينمائيا لاحقا؟

 

جريمة القتل الثانية.. مفتاح العثور على السفاح الحقيقي

حفر الفيلم الوثائقي الإسباني "القتل على الساحل" (Murder By The Coast) عميقا في ذكريات الماضي، وعاد بالجمهور إلى أحداث مؤلمة وقعت في إحدى البلدات الإسبانية الهادئة قبل أكثر من عقدين من الزمن، وقد اهتزّ لها في ذلك الوقت المجتمع بكل شرائحه، بداية من الأفراد العاديين، ووصولا إلى الطبقة السياسية والبرلمان والأحزاب وفعاليات جمعيات حقوق الإنسان، وغيرها من التنظيمات الأخرى، بعد أن شعر هؤلاء بثقل المُصاب، وميل إحدى كفتي ميزان العدل واختلاله.

وقد سلّط الإعلام وقتها عدسات كاميراته على تلك الوقائع، فأخذت حصة الأسد من نشراته الإخبارية لشهور من الزمن، إلى أن كُشفت جميع خيوط القضية، وظهرت كل التفاصيل، وحسب ما جاء في ملخص الفيلم -الذي أنتجته "نتفليكس" وبدأت عرضه في 23 يونيو/حزيران من العام الجاري- فإن هذا الوثائقي يعود إلى هذه الجرائم التي حدثت عام 1999، حين تعرّضت الفتاة المراهقة "روسيو فانينكوف" للقتل، ودخلت شريكة والدتها السابقة "دولوريس فازكيز" السجن لاشتباهها في ارتكاب الجريمة دون وجود دليل قاطع يثبت ذلك.

وبعد تأثر الرأي العام الإسباني بحملة تمييزية واسعة؛ أطلقت مطالبات للبحث عن الجاني، وبعد العثور على جثة مراهقة أخرى اسمها "سونيا كارابانتيس" في عام 2003؛ ألقت الشرطة القبض على القاتل الحقيقي، لكن بعد أن تجاوز المجتمع القضية، وأصبحت طيّ النسيان.

أم الفتاة المراهقة "روسيو فانينكوف" تقدم تصريحا للإعلام فيما يخص جثة ابنتها المتحللة التي وُجدت بعد 20 يوما من مقتلها

 

إعادة إنتاج الألم.. رحلة المتلقي في عوالم الضحايا

استطاعت المخرجة "تانيا بالو" أن تضع المُتلقي أمام صورة الأحداث الشاملة التي وقعت قبل 22 عاما، وأكثر من هذا فقد أعادت إنتاج الألم الذي أحسّت به وقتها الأم المفجوعة على ابنتها المراهقة "روسيو فانينكوف" التي وُجدت جثة متحللة في منطقة خالية بعد عشرين يوما من مقتلها.

أعادت المخرجة ألم شريكتها السابقة والمُقرّبة منها في محنتها، التي دخلت السجن حين أدانها القضاء بعد أن اتهمها بجريمة القتل، وألم عائلة المراهقة الثانية "سونيا كارابانتيس" التي قُتلت هي الأخرى بعد أربعة سنوات من طرف القاتل نفسه.

وقد كان مقتل "سونيا" هو المفتاح الذي أشرع أبواب الحرية لـ"دولوريس فازكيز" بعد أن حكم عليها بسبب فرضيات خاطئة وبدون أدلة، كما أعادت ألم أصدقاء وقريبات الضحايا، وألم المجتمع الإسباني الذي عاش الوقائع مرة أخرى.

غرفة المراهقة الضحية "سونيا كارابانتيس" التي كان مقتلها هو المفتاح لمعرفة القاتل الحقيقي

 

عين العدالة الإسبانية العمياء.. تعرية القانون والمجتمع

أعادت المخرجة "تانيا بالو" نسج الوقائع بطريقة سلسة، وكأنها تعمّدت التركيز على الزوايا التي تولّد المشاعر لتصنع بها فيضا من الحزن، بسبب شعور الفقد القاسي الذي أحس به المقربون من الضحايا، أو الظلم الذي شعرت به "دولوريس" حين أودعت السجن، لتتحول هي الأخرى إلى ضحية على يد العدالة الإسبانية التي كانت هي الجاني هذه المرة.

يتحول الألم في فيلم "القتل على الساحل" إلى مُحرّك ومُولّد أساسي للأحداث، فيرشد المتلقي ويدفعه للتفكير مرة أخرى في القانون الذي يستند عليه القضاء حتى يحكم على الأبرياء ويدخلهم السجن، بينما يعيش الجاني -على الأقل لفترة زمنية محدودة- خارج أسوار السجن العالية، يفكر في جرائم أخرى.

وقد لعبت "تانيا" على حبل الألم لتُرسخ في ذهن المتلقي وتُشعره بما شعر به هؤلاء، وبالتالي تُعري الآلة الكبيرة التي تُسيّر المؤسسات الإسبانية عامة، وفي الوقت نفسه تُعيد شحن وتذكير المجتمع بالأخطاء التي ارتُكبت حتى يتعظ بها ولا يُكررها مرة أخرى.

أثناء قبض السلطات الإسبانية على "دولوريس فازكيز" وإدانتها بجريمة قتل لم ترتكبها

 

انتقام العشيقة السابقة.. كبش الفداء في أروقة القضاء

استجاب القضاء في جريمة قتل المراهقة "روسيو فانينكوف" بعد سنتين من موتها، حيث وجد كبش فداء يمكن أن يُهدّأ من روع الإعلام الذي لم يتوقف عن الضغط والحديث عن الجريمة، إضافة إلى شعور الخوف وعدم الأمان الذي أحس به المجتمع، لهذا بدأت الشكوك تتجه نحو "دولوريس فازكيز" التي كانت على علاقة سابقة مع الأم، وهي من ساهمت في تربية "روسيو"، وبدأ الإعلام يحكم عليها بسبب ميولها الجنسي.

وقد فسروا ووجدوا الدافع لقتل المراهقة، وهي أنها كانت السبب وراء إنهاء هذه العلاقة، لهذا صُنفت الجريمة على أنها بدافع الانتقام، ورغم أن "دولوريس" كانت تملك حجة غياب وقت وقوع الجريمة، ولا توجد أي أدلة تدينها، فقد قُبض عليها سنة 2001، وحُكم عليها بـ16 سنة سجنا نافذا، بعد أن أدانتها لجنة المحلفين ورأت بأنها مذنبة وتستحق العقاب.

لكن بعد مرور حوالي سنتين وقعت جريمة قتل أخرى مشابهة للأولى، وبعد التحقيق في الأدلة ومطابقة الحمض النووي من عقب سيجارة وجدت في مسرح جريمة الضحية "روسيو"، صار من المؤكد أن القاتل الحقيقي لا يزال حُرّا.

 

دوافع القتل الجنسية.. اعتقال الهارب من العدالة البريطانية

بينما كانت الشرطة تسعى خلف القاتل الحقيقي قدمت امرأة شكوى حول سلوك زوجها وشكها فيه، فتقوم الشرطة بمراقبته ثم توقيفه حين كان يعمل في إحدى الحانات، حيث وجدوا كل الأدلة ضده، وقاموا بمطابقة ما اقترفه في حق المراهقتين، وعندما بحثوا عن تاريخه وجدوا بأنه كان يقتل بدافع جنسي، وقد ارتكب الكثير من الجرائم في بلده بريطانيا، ثم فرّ منها بعد أن التقطت الكاميرا صورته على خلفية جرائم تحرش ومحاولة قتل.

وكانت بريطانيا قد طلبت بريطانيا في وقت سابق توضيحات بخصوصه من نظيرتها الإسبانية، لكنها تجاهلت الأمر مساهمة في إهمال القبض على المجرم، فلم يقبض عليه إلا بعد ذلك بزمن طويل، ليطلق سراح "دولوريس" بعد القبض على المجرم الحقيقي.

لا تزال "دولوريس" إلى اليوم تُعاني من تبعات هذه التهمة التي حرمتها المشي في الشارع مثل غيرها، وأدهى من هذا أنها لم تقدم لها العدالة أو الحكومة الاسبانية أي تعويض أو اعتذار عن هذا الحادث، وأما وسائل الإعلام التي حاكمتها سابقا وكانت تُطالب بتنفيذ العدالة والقانون، فقد نقلت خبر البراءة بشكل مختصر ولم تعطه أي أهمية، ونسيت دورها السلبي في تجييش القضاء وشحن المجتمع عليها، وساهمت بشكل ما في حكم 16 سنة التي صدرت في حقها.

بوستر فيلم "جريمة على الساحل" التي توثق جريمة قتل حدثت قبل عشرين عاما

 

أسلوب الرواية البوليسية.. أرشيف الفيلم المثقل بالتفاصيل

جاء فيلم "القتل على الساحل" مُثقلا بالوثائق البصرية، ونوعية المتدخلين الذين كانوا طرفا أساسيا في القضية، مما منحه مصداقية كبيرة كانت مهمة جدا للمتلقي الباحث عن الجهة التي يقف معها والجهة التي يدينها، لهذا أحسّ بما كان يشعر به الضحايا، وفي الوقت نفسه أخذ تصوّرا شاملا عن العدالة الظرفية التي تُدين البريء على خلفية أحكام مسبقة.

وقد جاء هذا التلقين الإيجابي بعد أن أشرعت المخرجة "تانيا بالو" أبواب الأسئلة المهمة التي صاغتها بأسلوب بصري بعيدا عن المباشرة، مستعينة بصور حديثة عكستها المشاهد البانورامية لمواقع الأحداث، حيث تصوير الساحل بطريقة فنية وشوارع المدينة وسطوح المنازل، لتبدأ بعدها في قصّ موضوعها معتمدة على الأرشيف السمعي البصري الغني في هذه القضية.

وقد نقلت بمعالجة ذكية وقائع الأحداث بسلاسة وإثارة وتشويق، وكأن المُشاهد يقف أمام فيلم بوليسي، أو يقرأ في رواية مشوّقة من روايات "أغاثا كريستي"، وقد اقتربت من محيط الضحايا، وفسرت سلوك المجتمع والإعلام والمجرم والشهود، وكل من كان قريبا في هذه الحيّز المكاني والزماني وقت حدوث تلك الجرائم المروعة.

 

شهادات المختصين.. غوص في أسرار علم النفس

كان للمتدخلين المختصين وقع علمي على معطيات الفيلم، فكانوا يفسرون ما حدث علميا، أو يسردون الأحداث كشهود عاشوا الحدث وكانوا طرفا فيه، ولم تكتف المخرجة بهذه المعطيات، بل سافرت بالمشاهد إلى بريطانيا، حيث نقلت شهادة ضحية سابقة اغتصبها المجرم وكاد أن يقتلها وهي حامل، حتى أنه أذهب صوتها الجميل بحكم أنها كانت فنانة.

كما تطرق إلى تحليل شخصية المجرم، وأحاطت بشكل شامل على سلوكه مستندة إلى علم النفس، لتنسج من كل هذا فيلما جميلا وساحرا ومثيرا، فلم تكتف فيه بتقديم المعطى التاريخي، بل ذهبت لإدانة بعض التصرفات السلبية، وهذه الإدانة لم تكن بتغليب طرف على طرف، بل بطرح أسئلة ضرورية عن قيمة الأشياء والمعطيات التي من المفترض أن تخدم الإنسان بدل أن تخذله، كميزان العدالة التي مال جهة الشارع ونسي الحقيقة كليا.

شارك وثائقي "القتل على الساحل" شارك في مهرجان "دوكس برشلونة" (DocsBarcelona) للأفلام الوثائقية، الذي أقيم في مدينة برشلونة الإسبانية في الفترة ما بين 18 وحتى 30 مايو/أيار 2021، وبعدها عُرض على منصة "نتفليكس".

ذات صلة

تفجير "محطة بولونيا".. جريمة إيطاليا المستمرة منذ أربعين عاما
نقد سينمائي

تفجير "محطة بولونيا".. جريمة إيطاليا المستمرة منذ أربعين عاما

في عام 1980 قام شاب وفتاة ينتميان للحزب الفاشي بتفجير "محطة قطار بولونيا" في إيطاليا راح ضيحته حوالي 90 مدنيا ومئتي جريح ودمار هائل في المحطة، ولا تزال خيوط الجريمة لم تحل حتى بعد أربعين سنة بسبب تورط جهات سياسية وسيادية كبرى.