نقد سينمائي

"القصة الخامسة".. نبش في نفسيات ضحايا حروب العراق

 

عدنان حسين أحمد

تشارك "الجزيرة الوثائقية" بخمسة أفلام في الدورة الـ33 لمهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية "إدفا"، وتأتي هذه المشاركة بفيلمين من إنتاجها بالكامل، وهما "القصة الخامسة" للمخرج العراقي أحمد عبد، وفيلم "في زاوية أمي" للمخرجة المغربية أسماء المدير، إضافة إلى ثلاثة أفلام ذات إنتاج مشترك مع مؤسسات دولية أخرى.

وقد ضمّت مسابقة الفيلم الأول 12 فيلما وثائقيا، بينها فيلم "القصة الخامسة" مناط بحثنا ودراستنا النقدية، وفيلم "في زاوية أمي" الذي انضوى تحت عنوان أجنبي هو (The Postcard)، إضافة إلى عشرة أفلام أخرى، من بينها فيلم "خمسة منازل" لـ"برونو غولارته باريتو"، وفيلم "كل شيء لن يكون على ما يرام" لـ"أدريان بيرفو" و"هيلينا ماكسيوم"، وفيلم "المرأة الأولى" لـ"ميغويل إيك"، وفيلم "هذا المطر لن يتوقف" لـ"إلينا غورلوفا"، وغير ذلك من الأفلام الوثائقية التي تسجل ظهورها الأول.

 

شخصيات القصص الأربع.. آثار خدوش من حروب العراق

يجمع فيلم "القصة الخامسة" للمخرج العراقي أحمد عبد بين تقنيات سردية وبصرية متميزة، رغم اعتماده على بنية درامية متشظية لا تقوم على زمن خطّي مستقيم، وإنما تتنقّل بحريّة بين الماضي والحاضر، كما تستشرف المستقبل برؤية تمكن قراءتها بين السطور المثقلة بالمشاعر والأحاسيس الإنسانية المُرهفة التي اخشوشنت بفعل الحروب العبثية، وسنوات الحصار المريرة، وهيمنة اليأس المُطلق على شرائح واسعة من المجتمع العراقي المخذول.

يمتلك المخرج أحمد عبد خبرة جيدة في كتابة السيناريو يمكن تلمسها في فيلم "القصة الخامسة"، وفي أفلامه السابقة أيضا مثل "عِش الحرب" و"صافيا" و"طيور سنجار"، حيث تتجسّد قدرته في سرد الأحداث بطريقة قصصية أو حكائية شائقة ومشذّبة لا تُثقلها الزوائد.

كما يقوم الفيلم ذاته على بنيتين أساسيتين، الأولى تتعلّق بالقصص الأربع وشخصياتها الرئيسية، وهم البدوي اليافع نصّار الذي يعيش في صحراء الموصل، والمقاتلة الكردية الإيزيدية آخين شنكَالي التي بدأت تقاتل داعش بعد ارتكاب جريمتهم البشعة في مدينة سنجار وسبي ثلاثة آلاف امرأة وفتاة إيزيدية وبيع البعض منهن في أسواق النخاسة، ووالد الراوي عبد الذي عمل دفّانا خلال الحرب العراقية الإيرانية، ثم أخذ يرسم ملامح الموتى الذين غيّبتهم الحرب. وعدنان الذي اشترك في الحرب العراقية الإيرانية ووقع في الأسر، ثم عاد منها بعد مدة زمنية طويلة، لكنه نأى بنفسه عن الناس وعاش مُحتفيا بعزلته الشخصية.

المخرج العراقي "أحمد عبد" وهو الراوي لفيلم "القصة الخامسة" باعتباره البطل الخامس الذي يروي قصته عن الحروب التي عاشها في العراق

 

أحمد الراوي.. بنية موازية للشخصيات الأربع

تتعلق البنية الموازية للشخصيات الأربع بالراوي أحمد الذي وضعها في ثلاث مراحل، تبدأ بالخوف والرُعب، وتمرّ برغبته الشديدة في التحوّل إلى مقاتل يُجابه العدو ويقارعه بشراسة، ثم تنتهي المرحلة الأخيرة بتحوّله إلى ثائر ينفض عن نفسه غُبار السنوات الماضية بأفراحها وأتراحها، ليفرغ رأسه من هذه الحمولة الثقيلة التي كانت تؤرقه على الدوام.

وكان ذلك من خلال هاتين البنيتين المدروستين منذ زمن طويل يمتدّ إلى عام 2003، وهو التاريخ الفاصل الذي يمثل سقوط فكر البعث ونظامه الدكتاتوري السابق الذي حفّز مخرج الفيلم وصانعه أحمد عبد على كتابة خمس قصص عن أبطال خارقين سوف ينقذونه فيما بعد لكنهم ماتوا جميعا.

وقد وضع المخرج اللمسات الأخيرة على أربع قصص، بينما ترك القصة الخامسة التي فتحت له بابا للتأمل والجمال بعد أن اجتثّ من ذهنه فكرة الأوهام والخيالات المضطربة التي كانت تهيمن على عقله الباطن، ومع ذلك فإن وحش الخوف والرعب بدأ يتسلل إليه شيئا فشيئا.

الصبي البدوي "نصّار" الذي تطارده الكوابيس المزعجة ومشهد الموتى للأربعة الذين ذبحتهم "داعش" وعلقوا جثثهم في الشوارع

 

هواجس الموت.. كوابيس داعش تلاحق نصّار

ثمّة أحداث وصور سينمائية بعضها جميل وبعضها الآخر مؤثر ومؤلم يحزُّ في النفس، مثل أطفال البدو في صحراء الموصل الذين كانوا يقلّدون ما يفعله الدواعش من إعدامات جماعية للضحايا العراقيين من مختلف القوميات والأديان والطوائف. وهذا يعني من بين ما يعنيه، أنّ هذه الصور الوحشية البشعة لن تغادر ذاكرة أطفالنا الجمعية، وإنما ستعيش معهم طالما أنهم أحياء يتنفسون.

لا يناقش فيلم "القصة الخامسة" موضوع الحرب فقط، وإنما يتتبّع تأثيرها على المواطنين العراقيين من مختلف القوميات والأعمار، بل إنه يذهب أبعد من ذلك حينما يفحص وقعها على الأسوياء والمجانين، إذا ما وضعنا في الاعتبار عدنان الذي اشترك في الحرب ووقع في الأسر وعاد منه ليجد نفسه مختلا أو مضطربا في أقل تقدير، وقد اتخذ من عربة في أحد القطارات المهجورة في المحطة المركزية في بغداد مأوى له، وكأنه يرفض العودة إلى الحياة الطبيعية التي كان يعيشها قبيل اندلاع الحرب التي تركت بصماتها على الجميع.

ما تشترك فيه الشخصيات الأربع إضافة إلى الراوي هو عنصر الخوف أو الفزع من الموت الذي يمكن أن ينبجس، مثل أي وحش يخرج من مغارة ويفاجئ الضحايا المحتمَلين. فنصّار البدوي الذي ودّعه الراوي أحمد قبل ثلاث سنوات قد كبر سنا وتغيّرت قريته وتبدّلت الأجواء التي كان يعيش فيها، لكن الشيء الوحيد الذي لم يتغير فيه هو الخوف الذي يسكن في أعماقه، لأنه رأى في تل عبطة أربعة أشخاص ذبحهم تنظيم داعش وعلّق جثثهم في الشارع، وحينما رآهم هذا الفتى اليافع أصيب بصدمة قوية لم تفارقه أبدا، وصاروا يداهمونه في  كوابيسه ويزورونه في أحلام يقظته، بينما هو يرعى الغنم فيشعر بالكآبة وتخنقه العبرة.

المقاتلة الكردية" آخين شنكَالي" تمسك قناصتها وتقاتل داعش على مشارف جبل سنجار

 

آخين شنكَالي.. أزيدية تقاتل داعش بضراوة الأسود

لم يكن اختيار كاتب السيناريو والمخرج أحمد عبد لشخصية آخين شنكَالي اعتباطيا، فقد أرادها أن تكون نموذجا لكل الإيزيديات في العراق اللواتي تحولن إلى مقاتلات شرسات يتدربن تدريبات قاسية، ويقاتلن داعش بضراوة الأسود.

وقد اختار المخرج مراحل مختلفة من حياة هذه الفتاة الشابة التي لم تجتز عقدها الثاني بعد، لكنها قررت الالتحاق بوحدات المقاومة الإيزيدية التي تقاتل تنظيم داعش المتطرّف الذي وصل إلى مرحلة التوحش في استباحة الأعراض.

ثم تحدثت في موضع آخر عن الخيانة العظمى التي تعرّضت لها هذه الشريحة الإيزيدية الكريمة في 3 آب/آغسطس 2014، حينما اجتاحتهم عناصر التنظيم الداعشي بعد انسحاب البشمركة من سنجار، ولم يكن أمامهم سوى تسلّق جبل شنكَال الذي يعدّونه مثل الأم الرؤوم التي تحتضنهم وتحفظهم من كل مكروه.

وعلى الرغم من هول الفجيعة وألم المصاب تؤكد "آخين" بأنها لم تقتل حيوانا من قبل، لكنها تجد نفسها مضطرة لاستعمال السلاح وقتل الدواعش الأشرار. لم تكن المسافة التي تفصل بين المقاتلات الكرديات والدواعش أكثر من خمسين مترًا في مدينة سنجار التي تقوضت غالبية منازلها، وكان الطرفان يقتتلان إمّا بواسطة القنص أو الرمي المباشر بالأسلحة الخفيفة أو بإرسال السيارات المفخخة التي يتقنها الداعشيون جيدا كي يزرعوا الرعب في قلوب المقاتلات اللواتي نذرنَ أنفسهن للدفاع عن الأرض والعِرض والمال، وديانتهم التي آمنوا بها منذ قديم الزمان.

أربعة عقود من الحروب.. صخب العراق الذي لا يهدأ

يمتدّ الفيلم زمنيا منذ الحرب العراقية الإيرانية التي اندلعت عام 1980، ويستمر لغاية انتفاضة أكتوبر /تشرين الأول عام 2019، ليغطي فترة أربعة عقود تقريبا.

أما الأمكنة فهي تمتد من أقصى الشمال في سنجار وصحارى الموصل إلى أقصى الجنوب في البصرة الفيحاء، وتمرّ ببعض جبهات القتال على الحدود العراقية الإيرانية، ثم يصل بنا المطاف إلى العاصمة بغداد، وتحديدا في المحطة المركزية، قبل أن ينتهي الفيلم في ساحة التحرير وما جاورها من أمكنة رمزية احتضنت انتفاضة تشرين التي رفعت شعار الإصلاح، ثم استبدلته بإسقاط النظام الفاسد الذي قمع الثوار وقتل منهم زهاء 700 شاب وشابة، كما أصاب الآلاف منهم بدم بارد، وألقى التهمة على طرف ثالث.

والد الراوي "عبد" يرتدي قناع الوقاية من الغازات الكيمياوية السامة مستذكراا معارك الحرب العراقية الإيرانية

 

والد الراوي.. دفّان الجنود في الحرب العراقية الإيرانية

تتسيّد الشخصيات في هذا الفيلم، لأن كاتب السيناريو منحها مساحة واسعة كي تعبّر عن أفكارها الخاصة في رؤية المناخ السياسي العام.

والد الراوي عبد الذي اشترك في الحرب العراقية الإيرانية وكُلف مع جنود آخرين بدفن الموتى لمدة 15 يوما أثناء معارك شرق البصرة؛ انعكست عليه هذه التجربة المؤلمة، فبدا مهموما ومكتئبا طوال مدة الفيلم، لكنه كان يتحدث كخبير في جثث الجنود القتلى من الطرفين.

وقد ذكر العديد من القصص والحوادث الغريبة التي لم نسمع بها من قبل، مثل استعمال الأسلحة الكيمياوية والجمرة الخبيثة، ويستدل على ذلك من خلال الجثث التي لم تُصب بطلق ناري، وقد ساهم هو شخصيا مع المجموعات المكلفة بدفن الكثير من الموتى المتناثرين في ساحة المعركة التي وصلت إلى الشارع الرئيسي الذي يربط العاصمة بغداد بمدينة البصرة.

كان الابن أحمد يراقب والده عبد في تلك الفترة كلما انعزل في غرفته، وحاول أن يستذكر ملامح المئات من الجنود الموتى ويرسمهم بقلم الرصاص خشية أن يتسربوا من ذاكرته البصرية. كان عبد يحرّض الجنود العراقيين على الهرب من الجبهة، والعودة إلى أهلهم وذويهم، لأنه لا يريد لهم أن يموتوا موتا مجانيا.

ليس من المستغرب أن تنتاب عبد كوابيس مزعجة، فتارة يحلم بأنه في حقل من الألغام على مقربة من الحدود الإيرانية، وأنّ الجيش الإيراني قد شنّ هجوما واسع النطاق وأخذوه أسيرا، أو يرى نفسه حيّا بين مجموعة كبيرة من الشهداء، فيتصنع الموت كي لا يُطلقوا عليه الرصاص ويردونه قتيلا في الحال، لكنه سرعان ما يستقيظ من نومه فزعا مذعورا، ويكتشف أنه كان يحلم أو يعاني من كابوس ثقيل.

عدنان المختل الذي اشترك في الحرب العراقية الإيرانية ووقع في الأسر، وحين عاد إلى العراق تعرّض للسجن والتعذيب

 

عدنان المختل.. صديق الحيوانات المعتكف في المحطة

يبدو أنّ عدنان هو أكثر شخصيات الفيلم تعقيدا وطرافة، فقد اشترك في الحرب العراقية الإيرانية ووقع في الأسر، وحينما عاد إلى العراق تعرّض للسجن والتعذيب، وكان يفكر بالانتقام من جلّاديه لكنه لم يكلّف نفسه عناء الذهاب إلى السجون والمعتقلات، لأن الجلّادين هربوا بقضهم وقضيضهم، وتركوا البلاد لجنود الاحتلال يسرحون ويمرحون في مدنها وأزقتها، فقرر الاعتكاف في عربة قطار مهجور في المحطة المركزية في بغداد، فلا يلتقي أحدا إلاّ ما ندر، بل يفضّل الحيوانات الأليفة على البشر، ويعدُّ القطة التي تعيش معه أغلى ما يملك في هذه الدنيا.

لا يمكننا الإحاطة برؤية عدنان ما لم نأخذه كشخص مختل من الناحية الذهنية أو مضطرب على الأقل من الناحية النفسية يترنّم من فوق عربات القطار بأغاني المطرب صباح غازي، مثل "فانوسكم عالدرب" و"بيتنا ونلعب بيه شلهَ غرض بينا الناس"، مُحوّرًا بعض الكلمات بما يراه مناسبا لذائقته السمعية، فيصبح مطلع الأغنية الثانية "بيتنا ونلعب بيه شلهَ غرض بينا العرب؟".

يأخذ دور عدنان في الفيلم منحى استقصائيا بينه وبين المُخرج الذي يريد أن يعرف كل شيء عن هذه الشخصية المضطربة التي لا تعرف الاستقرار، رغم أنّ ذاكرته معطوبة ولا تُعينه في تذكّر الأحداث والتواريخ، فعندما يريد أن يسترجع السنة التي صعد فيها إلى أحد القطارات في المحطة المركزية، ورأى صورة الملك فيصل الثاني، ذكر ثلاث سنوات على التوالي وهي 1958، و 1959، و 1960 من دون أن يعرف بأنّ النظام الملكي قد انتهى تماما في 14 تموز/يوليو عام 1958، وقد تسلم الزعيم عبد الكريم قاسم سُدة الحكم، لكنه بالمقابل كان واعيًا لخطورة السلاح والسيارات المفخخة التي تتجه صوب الضحايا وتحيلهم إلى أشلاء متناثرة.

الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي اعتبرته إحدى شخصيات فيلم "القصة الخامسة" السبب في الحروب التي عاشتها العراق

 

"كيف نستطيع أن نسافر ونحن نعيش حربا إثر أخرى؟"

ومن بين الأسئلة العديدة التي يطرحها المخرج على عدنان: لماذا لم تسافر حتى الآن؟ فيأتيه الجواب من دون أن يشير إلى الرئيس السابق صدام حسين باسمه الصريح، ويقول بما معناه "كيف نستطيع أن نسافر ونحن نعيش حربا إثر أخرى؟" ثم ينهال على الرئيس بالشتائم المُقذعة لأنه أشعل حربا طويلة استمرت ثماني سنوات استدعي فيها كل جنود الاحتياط، حتى تعسكرت البلاد برمتها.

يتطرق عدنان إلى حوادث متفرقة حين جرى استخدامهم في بلدة طُويلة التابعة لمحافظة السليمانية، وقد أرسلوا معه جنديا أصمّ، في إشارة واضحة إلى أنّ ذوي الاحتياجات الخاصة لم يسلموا من المشاركة في الحروب.

وتتواصل أسئلة المخرج التي لا تلقى صدى طيبا في نفس عدنان وطريقة تفكيره، حتى إنه يصف المخرج بالمغفّل حينما يسأله: لماذا اخترت العيش في هذه المملكة؟ ويعني مملكة القطارات المهجورة، أو كم كان عمرك حينما وصلت المحطة أول مرة؟

يتذمّر عدنان وينزعج غير مرة بسبب هذه الأسئلة البسيطة، وكأن المُخرج ينوّه من طرف خفي بأنّ الحرب قد أثّرت عليه وتركت بصماتها على ذهنه الذي كان متوهجا في السابق. لا يتذكّر عدنان عدد الحروب التي خاضها العراق، ولا يعرف تواريخها جيدا، فهو يتذكر بأن العراق قد خاض أربعة حروب، وهي حرب الشمال، وحرب فلسطين، وحرب إيران، وحرب أمريكا، ثم جاء الإرهاب اللعين ليحمّل العراقيين عبئا جديدا يُضاف إلى الأعباء القديمة.

عدنان يسخر من بعض الشعارات التي كان يرفعها العراقيون وهم يهتفون "صدّام اسمك هزّ أمريكا"

 

"صدّام اسمك هزّ أمريكا".. سخرية عدنان من الشعارات السياسية

لم يكن عدنان رائق المزاج دائما، وحينما يقع في دائرة الغضب والانفعال يهدّد المُخرج بالقول: لا تفكر بالمجيء اليوم أو غد أو بعد غد، فأنا مجنون درجة أولى ولديّ بوري (أي أنبوب مياه معدني يستعمله لضرب الأشخاص الذين يستفزونه)، ولا أريد أن أرى أحدا بعد اليوم.

لكنه ما إن يسترخي حتى يستقبل المخرج أحمد من جديد، ويتحدث معه بأريحية عن الوضع السياسي وعن صدام حسين من دون أن يذكر اسمه الصريح، فيقول "أنا أعرف الصدق من الكذب"، ليوحي لنا بأنه شخص متفاعل مع الأحداث، وليس كائنا منسيا حجرته الحروب في هذه العربة المهجورة.

ثم يعرّج في الحديث عن خنوع بعض العراقيين الذين كانوا يتملقون السلطة ويتودّدون إليها، ويوهمون الرئيس بأنهم على أهبة الاستعداد لتنفيذ أوامره، لكنهم يخذلونه في اللحظة الحرجة، ويتركونه لوحده في مواجهة مصيره المحتوم.

يسخر عدنان من بعض الشعارات التي كان يرفعها العراقيون وهم يهتفون "صدّام اسمك هزّ أمريكا" ويتساءل مع نفسه متهكما "هو الذي هزّ أمريكا، أم أمريكا هي التي هزّتهُ؟"، ومع ذلك فإنه يصل إلى نتيجة مفادها بأنه -أي الرئيس- قد ذهب وكأن شيئا لم يكن، ويتهم الكثير من العراقيين بأنهم لا يملكون القوة للاعتراض على الأوامر العليا، ورفض المشاركة في الحروب.

لحظة سقوط تمثال الرئيس الراحل "صدام حسين" في التاسع من أبريل/ نيسان عام 2003

 

"هو الذي قتل نفسه بيده".. مشهد سقوط التمثال

نرى في الفيلم مشهدا لسقوط التمثال في ساحة الفردوس في 9 أبريل/نيسان 2003، بينما يردّد عدنان في نفسه قائلا "هو الذي قتل نفسه بيده، ولو عاش حياته مثل بقية الناس لما حدث ما حدث".

يتحدث عدنان عن انتفاضة تشرين عام 2019 ويتعالق مع حكاية "روبن هود" المعروفة والبيت الشهير لأبي القاسم الشابي الذي يقول:

إذا الشعبُ يوما أراد الحياة

فلا بدّ أن يستجيب القدر

ويلوم العراقيين لأن عدد المنتفضين هو مليون فقط، بينما يمكث قرابة 39 مليونا في بيوتهم، ولا يطالبون بالحقوق التي ينادي بها المنتفضون في ساحات التظاهر في بغداد ومدن الجنوب.

يُنهي عدنان إطلالته الأخيرة بالحديث عن ثرثرة نوّاب البرلمان الفارغة التي لا يطيق سماعها، لأنها تُصيبه بالصداع والهذيان، لكنه يختم كلامه بجملة مُعبّرة جدا حينما يقول "إن الشمس لا بد أن تطلع على اللصوص، وإذا أشرقت الشمس فهي إشارة لنهاية عصر اللصوص والحرامية". ثم يطلب منه المخرج أن يصعد على ظهر عربة القطار، وحينما يترجل منها يقول متسائلا بالمحكية العراقية: شنو هاي.. هل أنا بطل الفيلم؟

مخرج فيلم "القصة الخامسة" أحمد عبد الذي ضبط إيقاع الفيلم بقصته الخامسة التي رواها

 

"القصة الخامسة".. إهداء إلى شهداء انتفاضة تشرين

لا بدّ من أن نأخذ بعين الاعتبار شخصية الراوي أحمد، وهي الشخصية التي تضبط إيقاع الفيلم برمته، ولولاها لظلت القصص الأربع سائبة لا تنتظمها بنية محددة، ولا يشدّها عمود فقري واحد. وبما أننا أتينا على ذكر أحمد عند وقوفنا على الشخصيات الرئيسية، فلا بد من القول إنه مرّ بتحولات ثلاثة، حيث انتقل من شخصية الخائف المذعور إلى المقاتل الجسور الذي يتحدى طائرات العدو، ثم تحوّل في خاتمة المطاف إلى ثائر يشارك المنتفضين في ثورتهم الشعبية الجارفة، ويفرغ رأسه من الغضب العارم الذي ينتاب كل العراقيين الشرفاء التواقين إلى إيصال سفينة العراق الموشكة على الغرق إلى برّ الأمان.

وقد أهدى المخرج الفيلم إلى شهداء انتفاضة تشرين تثمينا لتضحياتهم الكبيرة التي ترّسخت في قلوب العراقيين الذين يحبون وطنهم الجميل.

ورغم أنّ السينارست ومُخرج الفيلم قد حقق رؤيته الإخراجية، فإن هذا الفيلم ما كان له أن يرتقي إلى هذا المستوى الفني لولا تضافر جهود عدد من التقنيين الذين يمتلكون رؤية إبداعية عالية، وأولهم مدير التصوير سيف الدين، وخاصة في لقطات الرجل الذي يمشي حافي القدمين في الغابة، ومَشاهد الأشجار الباسقة، ومَشهد الشاب الذي يغطس في المياه الضحلة.

وهذا الأمر ينسحب على الصوت الذي تألقت فيه "تايلان كَيجت" و"مصطفى أتوكو غورلر"، واللون الذي أبدع فيه "سيرتاش توكسوز"، أما تدفق إيقاع الفيلم وانسيابيته فيعود إلى المونتيرة  "راي ياميشا" وزميلها في المهنة محمد علي.

ذات صلة