نقد سينمائي

القوافل الوثائقية والسينما الصوفية

تواصل القوافل الوثائقية صولاتها في مختلف الجغرافيا التونسية حيث تتوقف هذه المرّة في  مدينة الحمامات. هناك تحتضن المدينة العتيقة تظاهرة بعنوان "الفيلم الوثائقي والصوفية" تنظمها القوافل الوثائقية بالتعاون مع جمعية فنّاني الحمامات وأصدقاؤهم، وقد تمّ الاختيار على موضوع الصوفية في السينما الوثائقية مواكبة مع شهر رمضان.

الفيلم الوثائقي والصوفية بالمدينة العتيقة بالحمامات:
تحيل القوافل الوثائقية إلى بداية أربعينيات القرن الماضي أين كانت القافلة السينمائية الوسيلة الوحيدة لتوفير الفرجة إلى متساكني أعماق الجغرافيا التونسية. حينها كان الفن السينمائي مجرّد حلم، وكان لا بدّ من انتظار انتشار النوادي السينمائية في مختلف أرجاء تونس في مرحلة أولى وتونسة السينما في مرحلة ثانية.
لقد لعبت القافلة دورا فعالا في بداية تأسيس مفهوم الصورة في المجال المحلّي، والقوافل الوثائقية اليوم هي محاولة لنشر سينما الوثائقي باعتبار الفيلم الوثائقي جنسا إبداعيا أصبح قائما بذاته. ومنذ شهر أفريل 2011 حاولت القوافل الوثائقية بقيادة هشام بن عمار أن تخلق حركية في المشهد السمعي البصري التونسي حيث كثفت نشاطاتها التي كان آخرها التركيز على أفلام البيئة بمنطقة الهوارية بمناسبة اليوم العالمي للطيور المهاجرة.
وستحتضن مدينة الحمامات من 24 إلى 27 جويلية حركية سينمائية تهتمّ بالأفلام الوثائقية التي تناولت موضوع الصوفية وستتخلل العروض نقاشات وأنشطة فنية مختلفة، وسيتم عرض الأفلام الوثائقية التالية:

سيدي بوهلال لرضا بن حليمة

– "وجد" للمخرج محمود بن محمود وهو فيلم يكشف لنا عن تنوع موسيقى الإسلام، حيث نكتشف موسيقات الهند وأندونيسيا والسينغال وتونس ومصر وتركيا وتحملنا بالتالي إلى غياهب الموسيقى الصوفية.
– "وايا رايي" للمخرج الشاب عصام السعيدي، يدوم الفيلم 64 دقيقة ويتناول قصة موسيقار متعلّق بحبّ تونس لكنه في الآن ذاته متشبّث بالبحث عن ماضيه وعن أصوله التي يعتقد أنها تنحدر من مدينة تمبكتو، يعرض الشريط عادات رقصة "السطمبالي".
– "سيدي بوهلال" لرضا بن حليمة وهو رحلة إلى منطقة الجريد في الجنوب التونسي حيث يتطرّق المخرج إلى العادات والتقاليد البربرية والعربية.
– "أنا العيساوي" لوليد الطايع الذي يظهر عادات العيساوية عبر موسيقاهم ورقصاتهم العجيبة.
– "الحضرة" للمنصف ذويب يسلّط الضوء على رقصة الحضرة التي عادة ما تتخذ طابع الاحتفاء الديني.
– "غرس الله" للمخرج كمال العريضي الذي يروي لنا أسطورة غرس الله في مدينة الذهيبات في الوسط التونسي.
– "رمضان في طوبى" لهشام بن عمار والذي يروي يوميات مدينة طوبى، العاصمة الدينية في السينغال، خلال شهر رمضان.
– "القلب والروح" لملكة المهداوي، تتناول من خلاله المخرجة أغاني المقدّس وعادات "الحزب اللطيف" في تونس وهو بمثابة سفرة روحية تكشف من خلالها تقاليد صوفية داخل المجتمع التونسي.

تفتتح هذه التظاهرة بعرض فن الفيديو للأستاذة والفنانة التونسية دلال طنقور بعنوان "الروابط والأماكن: من سيدي عبد القادر الجيلاني إلى سيدي أبي سعيد الباجي" وتختتم بعرض لفرقة سيدي الدعاس بقربة. وفي هذا الإطار يرى هشام بن عمار، المسؤول عن هذه التظاهرة، أنّ "هذه التظاهرة هي رقم 26 خلال سنتين منذ بداية نشاط القوافل وتهدف بالأساس إلى مزيد نشر ثقافة الوثائقي وتثمين الإنتاج السينمائي الوطني من أجل إعادة بناء قاعدة محبّي السينما في مختلف مناطق البلاد عبر التركيز على مواضيع مختلفة تتناسب مع خاصية الجهات". 

وجد لمحمود بن محمود

دلالات المقدّس في الصورة الفيلمية
يسمح الوثائقي بتكثيف الاشتغال على مواضيع لانهائية ومن ذلك تناول الصوفية كتيمة محورية للعمل الوثائقي، غير أنّ الصورة الفيلمية العربية لا تخلو تقريبا من حضور المقدّس في جلّ الأفلام باعتبار أنّ تلك الصورة عادة ما تكون انعكاسا لواقعنا وبالتالي فإنّ الصورة المنعكسة على الشاشة هي هويتنا. لا يتنافى المقدّس مع السينما باعتبار أنّ الصورة الفيلمية تكشف لنا وللآخر الأجنبي تراثنا وتقاليدنا وعاداتنا بمختلف تجلّياتها حيث تحضر صورة المسجد والزوايا ومقامات الأولياء الصالحين والفكر الصوفي والأناشيد الدينية… كما أنّ العديد من المخرجين اختاروا الصوفية كخاصية تميّز أفلامهم السينمائية، ويمكن أن نذكر في هذا الإطار المخرج التونسي الناصر خمير الذي انتهج الفكر الصوفي سينمائيا من خلال أفلام "الهائمون في الصحراء" و"طوق الحمامة المفقود" و"بابا عزيز". وقد اعتمد على أيقونات وأبعاد جمالية أثبتت ذلك الانتساب إلى الثقافة العربية الإسلامية ووظف الصحراء كفضاء حاضن يثبّت قضايا الهوية.
إنّ الفيلم الوثائقي هو ثقافة قائمة بذاتها، والثقافة كما يعرّفها إدوارد تايلور هي مجمل المعارف والمعتقدات والفنون والقيم والقوانين والأعراف وكافة القدرات والعادات التي اكتسبها الإنسان بصفته عضوا في المجتمع"، وبالتالي يكون السينمائي خادما للرؤية الفنية ومرآة للمجتمع. وإذا كانت السينما التخييلية يمكن أن تحتوي على صور المقدّس فإنّ الفيلم الوثائقي يمكن أن يسمح بالتناول المباشر للفكر الرمزي ولصور الذات ويرصد الواقع، كما يمكن أن يعرّف بتعدد الثقافة الواحدة وثقافتنا التي تختزن في طياتها مواضيع لا متناهية يمكن أن تُستثمر سينمائيا من أجل التعريف بتقاليدنا الممتدة. ولعلّ الوثائقي يمكّن بخصوصياته الجمالية والفكرية أن يعرّف بصورنا لدى الآخر من أجل أرشفة ثقافتنا من ناحية ونشرها من ناحية أخرى. هكذا تكون السينما رمز هوية ويكون الوثائقي وسيطا للانتقال من الخصوصي إلى الكوني.