نقد سينمائي

”الكَنّاوي“ .. ساجر النار

 
عدنان حسين أحمد
 
يُشكِّل فيلم ”الكَنّاوي: ساجر النار“ إضافة نوعية لرصيد المُخرج السينمائي العراقي محمد توفيق، المُقيم في الدنمارك حاليًا، فلقد سبق له أن أنجز 21 فيلمًا روائيًا ووثائقيًا وتجريبيًا خلال مشواره الفني الذي يمتدّ من أواسط السبعينات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا. وقد تميّزت أفلامه بجديّة الموضوعات وصرامتها، ولم يُعرف عنه إقدامه على تنفيذ أي عمل سينمائي من دون بحث دقيق أو دراسة معمّقة للثيمة التي يتعاطى معها، باستثناء فيلمه الارتجالي ”كَلكَامش والكواكب الثلاثة“ الذي كان يعوِّل فيه كثيرًا على عفوية الشخصيات الثقافية وتلقائية أدائها في اللحظة الإبداعية اللا مُخطَّط لها.
 
يتجشّم المخرج محمد توفيق عناء السفر البعيد إلى قارة أخرى من أجل تجسيد فكرة الفيلم الوثائقي على وجه التحديد كما هو الحال في فيلم ”الكَنّاوي“ الذي تدور أحداثه بمدينة مراكش المغربية حيث يتتبّع فيه شخصية الكَنّاوي كساجرٍ للنار في حمّام شعبي، وعازف موسيقي على آلة ”الكُمبري“ Guembri أو الهجهوج، ومُنشِد للأغاني الروحية سواء في ”الليلة الكَنّاوية“ أو في مناسبات دينية أو استشفائية أخرى. كما يثير الفيلم أسئلة إشكالية من بينها التهجير القسري، والانعتاق من العبودية، والتماهي في المكان الجديد وما إلى ذلك من محاور إنسانية أخرى تهزّ المتلقي، وتضطّره للتفاعل والاندماج مع حيثيات الثيمة وتشعباتها الكثيرة على الرغم من قِصَر مدة الفيلم التي لم تجتزْ الثلاثين دقيقة.
 
أصداء التاريخ
لسنا بصدد الاستغراق في الخلفية التاريخية لـ ”الكَنّاوة“ لكن ينبغي التنويه على قدر الإشارة التي وردت  في الفيلم على لسان محمد الكَنّاوي بأن أجداده وأسلافه البعيدين كانوا عبيدًا في السودان وقد تمّ جلبهم إلى المغرب قبل عدة قرون لكنهم تماهوا في هذا الشعب وأصبحوا جزءًا من نسيجه الاجتماعي. وكلمة ”كَنّاوة“ أو ”غنّاوة“ التي سارت على ألسنة الناس هي تحريف لاسم ”غينيا“ التي ينحدر منها العبيد الأفارقة الذين كانوا يقطنون في القسم الغربي من القارة السمراء. إذًا لم يُهاجر هؤلاء الكَنّاوة العبيد بملء إرادتهم وإنما تمّ اقتلاعهم من جذورهم وبيعهم كواحدة من البضائع التي كان يجلبها التجار إلى الإمبراطورية المغربية التي ازدهرت في أواخر القرن السادس عشر. وقد حمل هؤلاء الكَنّاوة معهم آلاتهم الموسيقية، وفلكلورهم، وأغانيهم، وذكرياتهم المُحبّبة لينشروها ليس في ربوع المغرب فحسب وإنما في مختلف أرجاء العالم بفضل المهرجانات العالمية التي تُعنى بهذا الضرب من الغناء الشعبي، والموسيقى التراثية الأصيلة.
 
 
حرية الروح
يركّز المخرج في هذا الفيلم على محمد كَنّاوي عاملاً كساجر للنار في حمّام شعبي يستحمّ فيه الناس، ويتوضأون، ويغتسلون من الجَنابة، وعلى مقربة من موقد النار في قبوه يطبخ ”الطنجية“ التي تنضج على نار الجمر الهادئة. نُدرك منذ مستهل الفيلم بأن محمد الكَنّاوي دؤوب في عمله، ومخلص لمهنته التي استمرت ثلاثين عامًا من دون أن يتسرب إليه الملل على الرغم من مشقّة مواجهة النار لخمس عشرة ساعة يوميًا. وإذا ما شعر بالتعب والإرهاق فإما أن يأخذ قيلولة في القبو أو يتجه إلى دكّة خشبية قريبة ليعزف على آلة الكَمبري، ويغني مع أصدقائه الخُلّص الذين يزورونه في أوقات الراحة.
 
تتردّد كلمة الحرية كثيرًا على لسان محمد الكَنّاوي لأنها كنزهُ الأثير إلى نفسه. وبما أن هذا الفيلم بَصَري بامتياز، أي أن الصورة تتسيّد على الكلمة وتهيمن عليها في غالبية لقطات الفيلم ومَشاهِدهِ، فإن البوح والكلام والمونولوغ يحضر بدرجة أقل بكثير من الصور المعبِّرة ضمن الخطاب البصري لهذا الفيلم الوثائقي الممتع الذي لا يمكن نسيانه بسهولة لأنه يلامس القلب، ويلِج إلى تلافيف الذاكرة بسبب ثيمته الإنسانية الحسّاسة التي ينبغي أن يمجِّدها الجميع، باستثناء العنصريين وذوي النفوس المريضة الذين يحبّذون استعباد الناس وسلب كرامتهم.
 
لا يستذكر محمد الكَنّاوي طفولته بالأرقام الدقيقة والتواريخ المضبوطة ولكنه يعرف أن والده جاء به إلى هنا وهو في سنّ الثالثة عشر أو الرابعة عشر تقريبًا، ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن وهو يعمل مُوقِدًا للنار ومؤججًا لها وبأجرٍ زهيد لا يلبّي كل احتياجاته الأُسرية لكنه يشكر الله على نعمته بُكرة وعَشيّا، فهو لم يتذمّر من ضيق ذات اليد لكنه يشير من طرف خفيّ إلى استغلال المالِك وجشعه بحيث لا يجد حرجًا في أن يبتزّ عاملاً بسيطًا يعمل معه منذ ثلاثين سنة!
كانت أسرته موزّعة بين الريف والمدينة، فهو يعيش ويعمل في مراكش، بينما تعيش بقية الأسرة في قرية زكورة. وعلى الرغم من بُعد المسافة واشتطاط المَزار إلاّ أن قلوبهم قريبة جدًا من بعضها، ومع ذلك فقد استقدم زوجته بعد عشر سنوات من عمله في مراكش وبقي على صلة بأسرته المقيمة في القرية يزورها بين آونة وأخرى.
 
الشغف الفني
يتعرّض أي شخص يواجه موقد النار المشتعل لمدة خمس عشرة ساعة في اليوم إلى ضغط أو توتّر نفسي شديد جرّاء العيش في قبوٍ حار ومنعزل ولكي يحطِّم جدران الوحدة التي تُحاصره من الجهات الأربع فلابد أن يلتجأ إلى الموسيقى والغناء طالما أنه عازف محترف، ومغنٍ مشهور حيث يمضي أوقات راحته بالعزف على آلة الكَمبري والغناء مع أعضاء فرقته الموسيقية الذين يترددون عليه كلما سنحت لهم  الفرصة. وبما أنه سوداني الأصل فمن الطبيعي أن يغنّي أغانٍ سودانية تحمل نكهة المكان البعيد وهمومه، فهو لم ينسَ أسلافه الذين هُجِّروا من ديارهم قسرًا وبِيعوا كما تُباع البضائع الأخرى في الأسواق لأنهم كانوا عبيدًا يعيشون تحت رحمة أناس آخرين، أما هو فقد انتبه بفضل القرآن الكريم وبركته التي شرحت صدره وحفّزتهُ على ألا يكون عبدًا لأحد الأمر الذي أفضى به إلى الشعور بالحرية المطلقة. كثيرة هي اللقطات والمَشاهِد السينمائية الآسرة في هذا الفيلم ولكن أهمها على الإطلاق حينما يواجه النار صامتًا أو يبوح بإحساسه المُرهَف بالحرية المطلقة وخاصة حينما ينطق بالجملة المُعبِّرة التي ستُصبح ثيمة مهيمنة على مَدار الفيلم مفادها:“إني عبدالله ولست عبدًا لأحد“.
 
 
لا يمكن لمُوقِد نار متواضع أن يُصاب بهذا الشغف ما لم يكن فنّانًا في الأعماق، يحب آلته الموسيقية، ويتعلّق بتراثه وأغانيه الشعبية التي يردِّدها في خلواته أو برفقة أصدقائه الكَنّاويين. بكلمات عميقة يصف آلته الموسيقية بالأنيسة، وشريكة العمر، والصديقة الحميمة التي تستخرج من أعماقه هذا الكمّ الكبير من المشاعر والأحاسيس الداخلية الملتاعة، فهو يبكي إذا ما بكت الكَمبري ويفرح إذا ما فرحت. لقد رافقته هذه الآلة ست وعشرين سنة، أي أنها أقدم من زوجته وأطفاله، فلاغرابة أن يحتضنها كما يحتضن شيئًا عزيزًا ونادرا في حياته.
 
يتساءل الكَنّاوي غير مرة: لماذا أُصبِحُ عبدًا إذا كان بإمكاني أن أعمل يوميًا وأكسب رزقي وقوت عيالي من كدّ اليمين وعرق الجبين؟ يتشظّى إحساسه بالحرية المُطلقة إلى رضىً عن النفس لا حدود له، فما أن يضع رأسه على الوسادة حتى يغرق في نوم عميق ناعم لأنه بحسب تأويله وقناعتة التامة لم يأكل السحت الحرام، بعكس اللصوص من محبّي السلطة، والمال، والجاه الذين ينامون نومًا مُشوشًا، قلقًا تؤرقه الكوابيس.
 
حميمية المكان
يلعب المكان دورًا مهمًا في هذا الفيلم فالأزقة التي صوّرتها عدسة رانيا توفيق هي أزقة قديمة متلاصقة البيوت، ضيّقة الشوارع لكنها تُشعِرك بالدفء والحميمية والتواصل مع الآخرين. أما سوق المدينة فهو شريانها النابض بالحياة وقد رأينا الكَنّاوي وهو يتجول فيه ليتقني بعض الحاجيات المنزلية ويقفل راجعًا إلى بيته عبر الأزقة الملتوية التي تفوح منها رائحة الأمكنة المراكشية الحمراء.
أشرنا إلى قناعة محمد الكَنّاوي التي تثير الانتباه فهو لا يريد من هذه الدنيا الفانية إلاّ حُسن الختام لكنه يتمنى فقط أن يشتري بيتًا في مراكش لا تزيد مساحته عن 50مترًا مربعًا يلمّ فيه شمل أسرته بعد أن يواجه قدَره المحتوم ذات يوم تاركًا وراءه خزينًا هائلاً من الأغاني والذكريات التي حفرها في كل الأمكنة التي كان يتردّد عليها طوال عمره المديد.
 
الموسيقى الروحية
لم يشأ المخرج محمد توفيق أن يصنع فيلمًا عن ”الليلة الكَنّاوية“ بكامل طقوسها وشعائرها المعروفة التي تبدأ بـ ”العادة“ وتنتهي بـ ”الجذبة“ بعد أن تمرّ بثلاث مراحل وهي ”النقشة“ و ”فتوح الرحبة“ و ”الملوك“ لكنه أخذ من هذه الطقوس الغنائية والموسيقية أهمّ عناصرها التي تُذكِّر بهذه الليلة، وتُحيل إليها من دون الحاجة لاستنساخها كليًا ذلك لأن ثيمة الفيلم معنيّة بالإنسان محمد الكّناوي وما يعتمل في ذهنه من أفكار شديدة الأهمية عن العمل الدؤوب، والإحساس بالحرية، وتربية الأطفال، فيما تنصرف اهتماماته الأخرى إلى الجوانب الفنية التي تتعلق بالغناء الروحي، والموسيقى الصوفية على وجه التحديد.
 
المخرج محمد توفيق
 
يُحيلنا المخرج منذ مُستهل الفيلم إلى الموسيقى والغناء الكَنّاويين ولعل حركة رأس محمد الكَنّاوي تأخذنا إلى ”الجذبة“ التي يغيب فيها المغني أو العازف على الكَمبري أو ”القراقب“ عن الوعي وهو أقصى درجات التناغم والتماهي والانتشاء التي يصل إليه ”المجذوب“ حينما يبلغ العزف ذروته القصوى قبل أن يخفت ويتلاشى رويدًا رويدا ليصل إلى نهايته المرجوّة.
 
ولأن الرقصات الفردية والجماعية في ”الليلة الكَنّاوية“ مهمة جدًا فقد ركّز المخرج على الرقصة الجماعية التي تتألف من أربعة أشخاص يرتدون ملابس ذات ألوان زاهية يغلب عليها الأزرق والأحمر والأصفر والأسود والأبيض وهي توحي إلى رجال دين أمثال الجيلالي وسيدي موسى وغيرهم من المؤمنين الذين يبجّلهم الشعب المغربي. بقي أن نشير إلى أن ”القرقب“ هو آلة إيقاعية موسيقية تشبه حوافر الخيل وتُحيل إليها، ويُثبَّت القرقب عادة بين الإبهام وبقية الأصابع المواجهة له. كما يساهم الحضور بـ ”الرشّ“ أي التصفيق بالأيدي ليتناغم مع العزف بطريقة فنية تثير الإعجاب.
 
لا يمكن لأي فيلم وثائقي أن ينجح من دون بناء فني رصين للثيمة وللشخصيات الأساسية فيه ولو تتبعنا الفيلم منذ بدايته إلى خاتمته لشَعرْنا بهذا التدرّج العضوي المقصود في بناء الموضوع القائم على فكرة الانعتاق والإحساس بالحرية المطلقة، كما أن بناء الشخصية قد تدرّج من حرية الروح إلى الشغف الفني لينتهي بحميمية المكان المراكشي وخصوصيته الدينية والروحية لمن عاشوا على هذه المضارب المقدسة التي تحمل أصداء التاريخ الإسلامي البعيد.
 
لم يكن لهذا الفيلم الوثائقي الذي يمجِّد الفن والعمل والحرية أن يصل إلى هذه السلاسة البَصَرية لولا التصوير المدروس والمونتاج المُتقن الذي تقف وراءه عين سينمائية شديدة الرهافة للمصوِّرة والمخرجة رانيا توفيق التي عرفناها في عدد غير قليل من الأفلام الوثائقية والروائية الناجحة التي حصلت على جوائز في مهرجانات عربية ودنماركية كثيرة تعترف بموهبتها وتشيد بخبرتها الفنية في التصوير، والمونتاج، والرؤية الفنية الحاذقة على الرغم من حداثة سنّها. كما تأتى العفوية السردية لهذا الفيلم من سلاسة المونتاج الذي أنقذ الفيلم من الوقوع في أي ”مطّب“ قد يكسر النسق السردي أو يعيق تدفقه البصري المنساب برقة شديدة وعذوبة لا يمكن أن تُخطِئها العين المدرّبة.