نقد سينمائي

المرأة العربية في المسلسلات.. ظلم متعدد الأوجه

د. الحبيب ناصري

من الصعب تحقيق أي خطوة نحو الأمام في مجتمعاتنا العربية خارج شرط الاهتمام بوضعية المرأة، عادة ما نقول إنها نصف المجتمع، بل هي المجتمع برمته. كثير من المؤتمرات والدراسات والبحوث واللقاءات والندوات المكرسة والمتمحورة حول المرأة، ومن أجل البحث عن كيفية رسم توصيات ونصوص ومراسيم قانونية منصفة لها من المحيط إلى الخليج، عادة لا تلتفت إلى طبيعة ما يجري في الخطاب السمعي البصري، وكيفية تقديمه للمرأة بصورة نمطية ظالمة ومكرسة لصورة مؤلمة ومعرقلة لما تقدمه بعض الدساتير العربية الرسمية، والتي قد نجد فيها مواد صريحة ومساوية في الحقوق والواجبات بين الجنسين معا.

فهل ننتبه إلى ما يجري في المجال البصري الذي هو اليوم لغة وسر من أسرار التحكم وصناعة الرأي، لا سيما في ظل هذه العولمة التي انتبهت إلى الصورة كشكل من أشكال جر المشاهد ولساعات طوال وعلى امتداد النهار والليل لتحقيق العديد من أغراضها؟

ما واقع صورة المرأة العربية في خضم ما ينتجه ويخرجه ويقدمه التلفزيون العربي في ظل هذا المشهد الذي تحتل فيه الصورة اليوم الرتبة الأولى على مستوى الاستهلاك التكنولوجي سواء أكانت متحركة أم غير متحركة؟

هل من إمكانيات قانونية وتربوية وثقافية وجمعوية يمكن رسمها لانتشال صورة المرأة من هذا التقديم المناقض لحقيقة جهدها واجتهادها وتجاوزها للرجل في العديد من الانشغالات المجتمعية، في ظل صورة نمطية وظالمة تطاردها وبشكل غير عادل في العديد من الإنتاجات التلفزيونية؟

سننبش في هذه المقالة في مكون المسلسلات التي تقدمها العديد من التلفزيونات العربية وبالضبط من خلال بعض الدول العربية التي شملتها دراسة تقنية علمية دقيقة وموضحة لنا وبلغة الأرقام الدالة (1)، لطبيعة هذا الصورة النمطية التي ما زالت تعرقل مسيراتنا التنموية العربية لا سيما في الدول التي شملتها هذه الدراسة العلمية وهي لبنان والأردن ومصر وتونس والجزائر والمغرب.

 

مسلسلات مختارة وأرقام ذات مغزى

ولتتبع صورة المرأة العربية اختارت الدراسة المشار إليها هذه القائمة من المسلسلات، فمن مصر اختارت مسلسل أفراح القبة ومسلسل لعنة كارما ومسلسل طايع ومسلسل الأسطورة، ومن لبنان اختارت مسلسل الهيبة العودة ومسلسل طريق، ومن الأردن اختارت مسلسل ضوء أسود، أما من تونس فاختارت الجزء الثاني والثالث من مسلسل أولاد مفيدة، ومن الجزائر اختارت مسلسل النار الباردة، ومن المغرب اختارت مسلسل حياتي.

وفيما يلي بعض الأرقام المختصرة والمختزلة التي تتعلق بطبيعة حضور المرأة خلف وأمام الكاميرا:

– %70 نسبة احتكار الرجال لفريق عمل هذه المسلسلات.

– تم ضبط 205 صور نمطية خاصة بالنوع الاجتماعي في هذه المسلسلات.

– استهلاك العربي لصورة ونصف صورة نمطية في كل حلقة من حلقات هذه المسلسلات التلفزيونية العربية.

– هيمنة ظهور الرجل في الأماكن العامة الخارجية وبقاء المرأة في الأماكن المغلقة نتيجة جد دقيقة تخلخل كل الجهود المبذولة والرافضة لربط صورة البيت وحاجياته فقط بالمرأة.

– تقدم المرأة بصفتها العائلية (زوجة، أم، ابنة..)، بينما يقدم الرجل بصفته المهنية (أستاذ جامعي، مهندس..).

– بنسبة تفوق 90% تظهر صورة المرأة في هذه المسلسلات كـربة بيت ومتحملة لمسؤوليات الرعاية الاجتماعية لفضاء البيت ومن فيه.

– وجود الرجل كشخصية مركزية في 5471 مشهدا مقابل وجود المرأة كشخصية مركزية في 660 مشهدا فقط.

– ضرب الرجل للمرأة شيء عادي في هذه المسلسلات وغير مرفوض في المجمل، بل مبرر في الكثير من الأحيان، بعكس ضرب المرأة للرجل.

– خيانة الرجل للمرأة عادي ومبرر، أما الرجل فإنه "مهما فعل يظل رجلا".

– "ليس من حقي فقط خيانتك، بل من حقي أن أتزوج بثلاث نساء أخريات".. لسان حال الرجل في هذه المسلسلات.

–  الزوج لا يعطي قيمة لزوجته إلا حينما تلد له ولدا.

– على الخطيبة التوقف عن التفكير وحب الخطيب فقط.

– الأب يقول لابنه: الزوجة لا تخرج من بيتها إلا إلى قبرها.

– نموذج من العنف اللفظي "اخرسي يا امرأة"، ووصف الزوج لزوجته بـ"الغنمة".

– شخصيات المسلسلات: النساء 432، أما الرجال فالعدد يصل إلى 14098.

– 2% فقط نسبة حضور شخصيات نسائية من ذوي الإعاقة في هذه المسلسلات.

– لا وجود للمرأة أبدا (%0) بصفة مدرب أو رياضي أو حكم، كل هذه الأدوار تمنح للرجال فقط.

– %95 من المهام المنزلية تُمارس من طرف النساء.

– 40% من الوظائف الموجودة في نهاية المسلسل تغيب عنها المرأة كليا، مثل هندسة الصوت ومساعد كاميرا ومساعد إكسسوار ومساعد إضاءة ومنتج فني.. وتحضر في وظائف لها بعد نمطي مثل المكياج.

هذه مجموعة من النسب المئوية التي تمكنت تلك الدراسة من الوصول إليها، وهي نسب تجعل الكل في محك صعب حكاما ومحكومين، بل المجتمع برمته يتحمل هذه المسؤولية التي ترسخ هذه الصورة النمطية وغير العادلة والمتناقضة مع العديد من الخطابات الرسمية العربية التي تدعي أنها قررت مجموعة من القرارات البرلمانية أو الحزبية أو الوزارية أو الرئاسية التي اتخذت لصالح المرأة، لكنها تهدم بصورة واحدة في مسلسل، بل في حلقة واحدة تسربت نحو وعي/لاوعي المتفرج، وتشرّب محتواها، ومن هنا، بقي ضمن خانة ومحتوى ذلك المشهد أو الصورة.

لن يختلف اثنان على طبيعة محتويات هذه الدراسة وقيمتها الإيجابية، لا سيما بالنسبة لمن لهم نية حقيقية في تطوير وضع المرأة بشكل حقيقي، ومن هنا، علينا التفكير في طرق فعلية وملموسة تجعلنا نتجاوز هذا الوضع للمرأة العربية.

كل النسب الواردة في هذه الدراسة هي في كفة الرجل، الرجل "السيد" هو القطب المركزي في هذه المسلسلات، له الحق في ضرب زوجته وله الحق في خيانتها، وتغيير طريقة تعامله معها فقط حينما تُنجب له ولدا، وهي مطالبة بالتربية والقيام بشؤون البيت.

أما المرأة، فلا حق لها في التفكير في أي شيء، بل مطالبة بالتلقي والتنفيذ وعدم اقتحام مهام أو وظائف ذكورية، بل وفي المجمل عليها أن تكون وفق ما أراد الرجل، ومن هنا تكريس صورة مجتمعية سلبية عنها، وهي الصورة التي من الصعب جعلنا نفكر في خطوة تنموية نحو الأمام دون التفكير العلمي والتربوي والثقافي والإنساني في طبيعتها المرسخة في هذه المسلسلات التلفزيونية التي تقدم في المجمل في زمن الذروة في بيوتنا العربية.

لقطة من مسلسل النار الباردة الجزائري

 

حلول عملية

هل من الممكن التفكير في حلول أولية عملية توقف هذا النزيف الإعلامي الظالم للمرأة العربية؟

تقدم لنا هذه المقالة بعض التوصيات العملية الدقيقة مثل:

1- توعية المهنيين والمهنيات المشتغلين والمشتغلات في هذا الميدان بخطورة هذه الصورة النمطية التي "تتلبس" بها أعمالهم التلفزيونية.

2- تنظيم مجموعة من التظاهرات والدورات لفائدة من يشتغل في هذا الميدان، وذلك لإشعارهم بخطورة ما يكتبون، وكيف يمكن الكتابة دون ترسيخ هذه الصورة النمطية عن المرأة.

3- ضرورة جعل المهرجانات الخاصة بهذه المسلسلات تدرك قيمة النوع الاجتماعي "المساواة"، وجعل هذا المعيار معيارا فنيا به تقاس عملية تقييم هذه المسلسلات.

4- دمج فكرة النوع الاجتماعي في كل مكونات التربية والتكوين والبحث.

5- الاشتغال على فكرة تصحيح هذه الصورة النمطية لدى وسائل الإعلام ومن خلالها كافة مكونات الجمهور المتلقي.

6- ضرورة الاشتغال على أهمية وقيمة تجاوز هذه الصورة النمطية من خلال هيئات السمعي البصري، وضرورة تعديل الصورة.

هذه أهم التوصيات التي قدمتها هذه الدراسة القيمة، إن نحن أردنا فعلا، خلخلة الصورة النمطية التي تقدم بها المرأة العربية في مسلسلاتنا التلفزيونية، وهي توصيات ينبغي تحويلها إلى إجراءات إدارية دقيقة، بل إلى معايير بها تقيّم جميع الأعمال التلفزيونية، لا سيما تلك التي تعرض على الدعم العمومي وتقدم في التلفزيونات العربية التي تحصل على تراخيص رسمية.

بمعنى، أن على جميع التلفزيونات العربية أن تشتغل وفق ميثاق مهني وأخلاقي مدافع عن المرأة ورافض للصورة النمطية التي تقدم بها، لكن هل بهذه الإجراءات الإدارية والقانونية وحدها يمكن ترسيخ صورة حقيقية عن المرأة العربية التي كانت ولا تزال وستبقى دوما إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها هي العمود الفقري لكل قفزة نوعية مجتمعية عربية نحو الأمام؟

من المؤكد أن كل قرار إداري حزبي سياسي رسمي مفيد وضروري لتصحيح الصورة، لكنني أعتقد أن علينا أن نتجه نحو ما يجري في المدرسة العربية من بداية أبسط مرحلة تعليمية نحو أعلى درجة علمية وتتعلق بالحصول على شهادة الدكتوراه. فالمدرسة مجال خصب للتفكير والبناء وتصحيح التمثلات الخاطئة وترسيخ القيم الصحيحة، وإنتاج قيم أخرى تتساير وطبيعة العصر وحاجياتنا.

رهان تغيير الصورة النمطية يبنى هنا في مدارسنا ومحتوياتها الدراسية، وهذا يفرض علينا أن نخطط لثورة تربوية وتعليمية وثقافية حقيقية في فضاءات مدارسنا، من مرحلة التعليم الأولي ووصولا إلى أعلى درجة من درجات الترقي العلمي والفكري والثقافي.

عديدة هي الصور النمطية التي تقدمها مدارسنا العربية في مناهجها الدراسية، صور لامرأة في البيت، وأخرى لرجل في مكتب مكيف، صورة أخرى لطفلة تساعد أمها في الطبخ والغسيل، وأخرى لطفل يصاحب أباه في صلاة العيد، أو وهو يجلس في الصالون صحبة أبيه في انتظار أن يوضع الأكل من لدن الأم وابنتها.

عديدة هي الصور التي ترسخ في ذاكرتنا ولا تفارقنا طيلة حياتنا، مما يجعلها حاضرة بشكل أو بآخر، ونحن نَخُط عملا فنيا ما وقد تقدم بنا السن. لا يمكن أن نخلخل هذه الصورة إلا ضمن سياقات ثورية تربوية وثقافية وفكرية وجمعوية.

 

في الحاجة إلى الفلسفة

وحده النقد -لا سيما من خلال مراحله البسيطة مثل تقوية حاسة الملاحظة والفهم والتحليل والتفكيك والتأويل وخلخلة المعنى الأول نحو البحث عن معنى ثانٍ- سبيل لابد منه في مدارسنا العربية.

هذا النقد لا يستقيم إلا بنشر التفلسف في مراحلنا التعليمية وبشكل مبسط وحسب حاجيات ومستوى المتعلمين. فالفلسفة في عمقها تعلمنا العديد من الأنشطة الذهنية المولودة من رحم طرح السؤال.

ومن خلال نشر قيم الفلسفة ننجح في نشر الفكر النقدي، باعتباره آلية تربوية وتعليمية وثقافية وإنسانية مفيدة لجميع المتعلمين من المهدّإلى اللحد، لا سيما والنقد مدرسة للتفكير، وأجرؤه السؤال الفلسفي.

حينما ندفع المتعلمين إلى إبداع صور بديلة -وبطرقهم التي تعلموها- عن تلك النمطية التي تقدم في الكتب المدرسية وغيرها، نكون قد بدأنا الخطوات البسيطة الحقيقية التي من الممكن الرهان عليها في جعل الجميع يثمن مجهودات المرأة ويعتبرها منطلقا حقيقيا لتحقيق تقدم حقيقي في مجتمعاتنا العربية الذكورية التي قد نصاب بالدهشة حتى حينما تكون المرأة خلف الكاميرا وأختها أمام هذه الكاميرا.

 

هوامش:

(1) المصدر المعتمد في هذه المقالة على مستوى الإحصائيات الواردة فيه، هو:

– التقرير النهائي لرصد المساواة بين الجنسين في المسلسلات والأفلام الروائية والأفلام التسجيلية في منطقة جنوب المتوسط. إعداد الهيئة الأردنية للثقافة الديموقراطية بالتعاون مع معمل 612 للأفكار (الأردن)/الجمعية التونسية للإعلام البديل. إشراف مرصد الإعلام في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.