نقد سينمائي

"الموقف النهائي".. طلاب المدرسة العسكرية في وجه الجيوش النازية

 

عبد الكريم قادري

كانوا طلبة في مدرسة بودولسك العسكرية للمشاة والمدفعية، يتدربون ويعيشون حياة المراهقة وعالمها، إلى أن جاء اليوم الذي دهمت فيه الجيوش النازية بعدتها وعتادها الأراضي السوفياتية وفي نيتها احتلال موسكو، لكن فرق الدفاع والمدفعية بعيدة، والمحتل الألماني يقترب بسرعة فائقة، لهذا جنّدوا طلاب بودولسك، وأرسلوهم لخط المواجهة قبل انتهاء تدريبهم، لا ليصدوهم بل ليُعيقوا تقدمهم، في انتظار أن يصل الدعم. فماذا كان مصير هؤلاء الطلبة الذين تجاوز عددهم 3500 طالبا، وما حجم الدماء التي سالت في ذلك الخريف البارد من سنة 1941؟

دفع الاتحاد السوفياتي (روسيا حاليا) فاتورة باهظة مثل كثير من الدول في الحرب العالمية الثانية، فقد خسرت أكثر من 26 مليون قتيل بين عسكري ومدني، مع تسجيل خسائر مادية يصعب تقديرها في رقم معين.

وفي خضم هذا وثّق الروس سينمائيا لكثير من الوقائع والأحداث التي تنقل جانبا من تلك الأهوال، خاصة التي تحتوي على عناصر درامية تُحرّض المخرجين على تجسيدها سينمائيا، وجرى خلق مكتبة مهمة من الأفلام التي تناولت الفترة المذكورة ووثقت لها بصريا، وأعادت من خلالها إحياء أوجاع الماضي الذي اكتوى الروسي بنيرانه، وضمنت الحفاظ على ذكرى الذين سقطوا، لتسجل قصصهم في وجدان كل روسي.

 

دروع بشرية لإعاقة جيوش "هتلر".. مراهقون في خط النار

فيلم "الموقف النهائي" (The Final Stand)، -أو بالروسية (Подольские Курсанты)، أي "طلاب بودولسك"- الذي بدأ عرضه نهاية 2020، يوثّق لواقعة تاريخية حقيقية مهمة من أحداث الحرب العالمية الثانية المظلمة، حيث أعاد المخرج "فاديم شميليوف" رسم أحداثها من جديد وفق سياق مُحزن ومؤلم، خاصة وأن الضحايا الذين سقطوا في ميدان المواجهة مراهقين لم يدخلوا مرحلة الشباب بعد، وهم طلاب مدرسة بودولسك للمشاة والمدفعية.

كان الطلاب وقتها يمارسون تدريباتهم تحت قيادة العقيد "ستيبرلسكي" (الممثل يفغيني دياتلوف) بشكل عادي جدا، عن كيفية المواجهة والقضاء على أهداف العدو، والمتمثلة في سلاح المدفعية، وهذا بخلق أجواء تحاكي أجواء الحرب والمواجهة، بينما يقوم طلبة المدفعية عن طريق الأسلحة المضادة للمدفعية بالقضاء على أهدافهم المرصودة، لتأتي بعدها أوامر عليا من أجل إرسال هؤلاء الطلبة إلى خط المواجهة، لإعاقة تقدم الجيوش النازية التي اجتازت الحدود، وتواصل تقدمها إلى موسكو.

حاول مدير المدرسة العقيد الرفض، إذ قال لهم إن الطلبة ما زالوا صغارا لم يُكملوا تدريبهم بعد، لكن وجب عليه التنفيذ وإرسالهم إلى خط النار، ليُعيقوا تقدّم جيوش "هتلر" أربعة أيام على الأقل حتى يصل الدعم، لكن أيام المواجهة طالت، وبحيرة الدماء ازداد حجمها بعد أن تلوّن النهر بها، وأكوام جثث الطلبة تراكمت جراء إمطارهم بالبراميل المتفجرة من الطائرات ورصاص المشاة والمدفعية، وذلك في ظل غياب التحصينات الاحترافية.

وأكثر من هذا فقد نال منهم الجوع لتأخر خطوط الإمداد، إضافة إلى البرد وطبيعة المنطقة القاسية، ورغم هذه الظروف والمعطيات اليائسة، فإن القيادة العسكرية الروسية واصلت تعنتها، واتخذت من أجسامهم الغضّة درعا بشريا يعيقون به تقدم العدو المسلح بطريقة جيدة، والمصمم على الوصول إلى موسكو تحت أي ظرف.

لحظة ترك طلاب مدرسة بودولسك العسكرية للمشاة والمدفعية لمدرستهم قبل انتهاء تدريبهم وإنطلاقهم إلى جبهة الحرب

 

فوضى المراهقة.. مناورة المشاهد الأولى المضللة

جاءت مقدمة فيلم "الموقف النهائي" مضللة، على غير عادة الأفلام الحربية التي تستحضر غالبا مظاهر الدماء والدمار والقتل والتشريد والخراب، حتى تضع المشاهد في أجواء العمل، وفي الوقت نفسه تُجهّزه لمَشاهد يمكن أن تؤثر على عاطفته وتلقيه، لكن مقدمة فيلم "الموقف النهائي" نقلت في البدء صورا توحي بمواجهة حامية تحت ظروف الطقس السيء بسبب غزارة الأمطار، مدعومة بأصوات اللهفة وإلقاء الأوامر من القادة، وتقديم الحصيلة الآنية في خوف وسرعة، وهي المعطيات الحربية التي حبست أنفاس المشاهد وجعلته يترقب المواجهة ومعرفة تفاصيلها.

بعدها يكتشف هذا المتلقي بأنها مجرد تدريبات في مدرسة بودولسك، بحضور وإشراف مدير المدرسة الصارم ذي الملامح القوية والقاسية، وكأن المخرج بتلك المقدمة السينمائية المضللة يحاول أن يناور المتلقي ويُعدّه لمعطيات جديدة ومختلفة، بعد أن زرع فيه مشاعر الغضب والرفض، وأمدّه بشروط التلقي الحربي المولِدّة للمآسي والأحزان والدماء والحرق والتشظي وقطع الأطراف وتراكم الجثث، وغير ذلك من مظاهر الحرب والمواجهة العسكرية ومُخلّفاتها وإفرازاتها.

يدخل بعدها الفيلم في أجواء مدرسة التدريب وشغب الطلاب وحياتهم، وذلك من خلال تصوير ألاعيب المراهقين ومقالبهم، علاقات الحب الطفولي والغيرة بين الطلاب، مثل ما حدث مع الطالبين "ساشكا لافروف" (الممثل أرتيوم غابين) و"دمتري شيمياكين" (الممثل إيغور يودين) اللذين وقعا في حُبّ الممرضة الشقراء "ماشا غريغورييفا" (الممثلة لبوف كونستانتينوفا)، فأخذا يتنافسان من أجل الفوز بقلبها، وحدثت بينهما مناوشات وشجارات جعلت المشرف عليهما يدخلهما السجن كعقوبة، في انتظار صرفهما من المدرسة تماما، إضافة إلى علاقة الأم الطبيبة بابنها الطالب الذي يتدرب في المدرسة نفسها، وعلاقة الضابط بزوجته وابنه، فضلا عن علاقات أخرى أظهرها الفيلم، ومهّد لها في تلك المدرسة.

الممثلة لبوف كونستانتينوفا التي قامت بدور الممرضة الشقراء "ماشا غريغورييفا"

 

ثوب إنساني في قلب الحياة العسكرية.. تأسيس الفيلم

سلّط المخرج "فاديم شميليوف" عدسة الكاميرا على العلاقات الإنسانية بخيرها وشرها، رفضها وقبولها، فأظهرها وفق سياق المعطيات الحياتية العادية التي يمكن أن تحدث في كل مكان وبيئة، خاصة بوجود الخلافات ومبدأ القبول والرفض بين تلك الشخصيات، وهي الطريقة الذكية التي اعتمدها المخرج ليورط بها المشاهد عاطفيا، ويزيد من مؤشر التأثر وفهم مقاصد الفيلم وأبعاده، وقد جاء هذا خلال التأسيس الجيد للفيلم من خلال تقديم الشخصيات وإظهارها في ثوب إنساني، بعيدا عن الصرامة العسكرية، رغم أنهم كانوا في قلبها.

كل هذه المعطيات تستقر تحت الفكرة الرئيسية التي تنطلق من حادثة تاريخية مهمة لا تزال راسخة في وجدان كل عسكري ومواطن روسي رغم مرور 80 سنة كاملة على وقوعها، غير أن صداها العاطفي لا يزال يتحدى السنوات، بعد أن وثّقوها شعريا ومسرحيا وسينمائيا ودراميا في كثير من الأعمال.

أعطى العقيد للطلبة أمرا بأن يتركوا المدرسة ومعها طفولتهم، ويرتدوا لباس الجندية والرجولة ويذهبوا لميدان الحرب دفاعا عن بلدهم الذي أصبح بحاجة لهم، حتى قبل انتهاء فترة تدريبهم، وفي الوقت نفسه كانت هذه النقطة هي المنعرج الحاسم في الفيلم، بعد أن ينتقل هؤلاء من فضاء هادئ ومسالم إلى فضاء مُعادٍ وصارم، لتكون لحظة الوداع من المدرسة من المشاهد المهمة التي جرى تأسيسها بذكاء نادر.

واحدة من المشاهد العاطفية القوية حين ودعت زوجة الضابط وابنته زوجها قبل الذهاب إلى الحرب

 

"الجميع يذهبون للحرب، لماذا أنت ذاهب للتدريب؟"

وقفت عائلات الأطفال في باب المدرسة يودعون أطفالهم، وحضور العائلات هو مؤشر بصري مهم على صغرهم وحاجتهم الماسّة لمن يقف في توديعهم، ومن بين المشاهد العاطفية القوية لحظة وقوف الضابط مع ابنه الصغير وزوجته، وقد جرى حوار بين الابن والوالد عكس جحيم الحرب وويلاتها:

–        أبي هل أنت ذاهب للحرب؟

–        لا، لا لست ذاهبا للحرب، فقط للتدريب.

–        الجميع يذهبون للحرب، لماذا أنت ذاهب للتدريب؟

انعقد لسان الأب ولم يجد ما يخبر به ابنه الذي فهم الأمر رغم صغر سنه.

ومن بين المشاهد الأخرى التي تظهر عبثية أن يُزجّ بهؤلاء الأطفال في أتون الحرب، تعليق جندي محترف عندما رأى وصول هؤلاء إلى الجبهة، حيث علّق متهكما "لقد أحضروا طلابا من ذوي القرون الخضراء، لا بد أن الأمور سيئة حقا"، ويقصد بالقرون الخضراء القبعات التي يضعها الطلبة على رؤوسهم، وحسب المتحدث فإن الأمر خطير جدا، لأنهم زجّوا بهؤلاء في الحرب حتى قبل استبدال القبعة.

 

عناصر الأثاث السينمائي.. منافسة إمبراطوريات السينما الكبرى

صنع المخرج "فاديم شميليوف" فيلما بعناصر بناء قوية، وأثثه بطريقة ذكية زاحم بها الأفلام الكبرى التي تُصنع في هوليود وغيرها من إمبراطوريات السينما المتطورة، غير أن الهيمنة العالمية من قبل شركات التوزيع الكبرى والترويج للنموذج الأمريكي حالت دون وصول هذا الفيلم لجمهور واسع.

استطاع مخرج الفيلم أن يُسيّر القصة على مدار (136 دقيقة) دون أن يقع في فخ الملل وقطع خيط القص باكرا، بل سار الفيلم على خط مستقيم بأنفاس منسجمة مع روح القصة، وقد استعان بقصص ثانوية تسير جنبا إلى جنب مع الحدث الرئيسي، وهي التي دفعت العمل إلى الأمام، وذوّبت الوقت في مسار الفرجة والتلقي الإيجابي الذي يساهم في بناء مرجعية المشاهد وثقافته.

كان المخرج "فاديم" كأنما يزرع في المشاهد شرور الحرب ومآسيها حتى لا يتورط فيها، ولا يصطلي بأتونها تحت أي سبب، وفي الوقت نفسه يوصل رسالة مهمة للروس يحرّضهم بها على الاستعداد دائما لأي طارئ، والتجهز لمنعرجات التاريخ الحاسمة والسريعة، وإلا فقد تكون الفاتورة مرتفعة، كفاتورة دماء حوالي 3500 طالب لم يعد منهم إلا قلائل يُعدّون على الأصابع، وقد رجعوا أجساما بلا أرواح بعدما وقفوا على جحيم الحرب ومآسيها.

 

ملامح الضباط وأزيز الرصاص.. صناعة مصداقية الحرب

استعان المخرج بعشرات الممثلين وسيّرهم بطريقة محترفة، حتى قدّم كل فرد منهم دوره بشكل يوحي بأنه فهم القصة واستوعبها بشكل جيد، وهذا ما سهّل من عملية التلقي والذهاب بعيدا في جمع التفاصيل الأخرى للفيلم، خاصة المؤثرات الصوتية التي صنعها أزيز الرصاص ودوي المدافع واحتكاك سلاسل المدافع على الأرض وأصوات الانفجارات.

كلها أصوات صافية ومعبرة عن محتوى قصة الفيلم، وقد أعطت مصداقية إضافية له، كما كان تصميم المعارك وإعادة تمثيل التفجيرات منسجمين بشكل كبير مع الحقيقة، فلا يخلقان الارتباك عند المتلقي، وأكثر من هذا فقد سيّر المجاميع البشرية بطريقة ذكية، ونشرهم في مساحات الفيلم وفق سياق منطقي.

ومن بين شخصيات الفيلم نجد مثلا الجنرالات الذين يحملون قسمات قاسية ووجوها لا تقبل التردد، بل تُعطي الأوامر لتُنفّذ مهما كان وقعها أو قسوتها، وهذا ما وقفنا عليه في النقاشات المختصرة التي تتطلب السرعة والبديهة في اتخاذ القرارات المناسبة في وقت محدود جدا، مثل اللواء "فاسيني سميرنوف" (الممثل رومان مديانوف)، والرائد "ديمينتييف" (الممثل سيرغي بوندارتشوك)، وغيرهم من الوجوه التي قدمت أدوارا ثانوية، لكن حضورها المختلف قدّم دعما كبيرا للفيلم، ودفع به إلى الأمام.

كما أن توظيف ذوي الشخصيات الطريفة والذكية وأصحاب الضمير والشخصيات الصارمة والمتلاعبة والمحبة والعاطفية وغيرها، كان يصنع تنوعا في العمل، وقد انعكست فيه نظرية إدارة الممثل بفضل جهد المخرج ومعاونيه وفريقه بشكل عام.

مخرج فيلم "الموقف الأخير" "فاديم شميليوف" الذي عُرف بإضافته فيلما حربيا آخر إلى المُدوّنة السينمائية الروسية

 

"فاديم شميليوف".. لغة سينمائية تلتزم الدقة التاريخية

احترم المخرج "فاديم شميليوف" الفترة التاريخية في الفيلم، ولم يهمل أي تفصيل فيها يمكن أن يشكل حجرة عثرة في تفاصيل العمل، لهذا جاءت الإكسسوارات من ألبسة وتسريحات شعر وحقائب وأحذية وساعات يد ونظارات وأسلحة بأنواعها وما اتصل بهذا الأمر، كلها موجودات تاريخية صحيحة، ويمكن مقارنتها بسهولة مع صور الأرشيف للتحقق منها، هذا الأمر سهّل كثيرا من عملية التقبّل، وهضم رسالة الفيلم وما فيها.

فيلم "الموقف النهائي" عمل حربي آخر يُضاف إلى المُدوّنة السينمائية الروسية ذات التاريخ الطويل في صناعة السينما، فقد أظهر جمالية وحرفية المخرج "فاديم شميليوف" الذي صنع إطارات بصرية تحبس الأنفاس، وذلك من خلال التصوير المختلف والمتنوع الذي عكس جميع الزوايا، ليُريح البصر ويُشبع الذائقة الفنية بجرعة كبيرة من الفن البصري.

لهذا كان المونتاج سريعا، لأن البديل البصري حاضر دائما، إضافة إلى أن هناك لغة سينمائية صنعتها المشاعر الإنسانية المتدفقة من شخصيات العمل الذين أظهروا بأنهم تقمصوا أدوارهم بشكل جيد، وقد نتج عن هذا التقمص والمعايشة بأن المتلقي تقبلهم، وأحس بمآسي الطلاب الحقيقيين الذين رحلوا باكرا، لأنهم اضطروا إلى الدفاع عن بلادهم في لحظة تاريخية مهمة.

ذات صلة

المخرج التركي نوري جيلان.. قهوة الريف التركي برائحة الأدب الروسي
نقد سينمائي

المخرج التركي نوري جيلان.. قهوة الريف التركي برائحة الأدب الروسي

واحد من أهم المخرجين العالميين الأحياء، وأعماله تعد علامة فارقة في الصناعة السينمائية بالعالم. سينماه تخلو من الوعظ، ولكنها في الوقت نفسه ناقدة للإنسان تتوغل داخل النفس البشرية في محاولة لفهم الدوافع والظروف التي ينتج عنها مجموعة من المشاعر المعينة.