نقد سينمائي

"الميم".. تاريخ وأسرار ومُستقبل لا حدود له

 

محمد موسى

صورة قط يتكئ على طرف من أطرافه ويحدق باسترخاء وثقة للكاميرا، وأخرى لشاب يلتفت ليلاحق بنظراته فتاة جميلة مرّت قربه في شارع عام بينما كان يسير مع صديقته أو زوجته التي بدت ممتعضة وغاضبة من تصرف صاحبها.

هاتان الصورتان هما مثالان شائعان لما يمكن أن يعد مادة خصبة لإنتاج الميم (Meme)، أي الأفكار والممارسات التي يتم نقلها عن طريق الصور والفيديوهات والإشارات. ومن أجل إنتاج الميم يتم غالبا التلاعب بصور وفيديوهات عبر إضافة نصوص أو أشكال عليها، لتعطي معنى ودلالات مختلفة غالبا عن طبيعتها الأصلية.

هذه الميم التي وجدت في مواقع التواصل الاجتماعي المحيط الأمثل للرواج؛ كانت موضوع الفيلم التسجيلي البريطاني "كيف تصبح شعبيا.. فن الميم مع ريتشاد كلاي" (How to Go Viral: The Art of the Meme with Richard Clay)، وهو الفيلم الذي عرضته القناة الرابعة البريطانية (بي بي سي) على هامش احتفالها بالذكرى الثلاثين لانطلاق شبكة الإنترنت الذي يُوافق هذا العام.

الميم.. حاضر قبل الإنترنت

إذا كان مصطلح الميم غير شائع كثيرا في الثقافة العربية، فإن معظم مستخدمي شبكة الإنترنت يتعاملون بشكل يومي مع "الميم"، فهو الفيديو الهزلي للمطرب الشعبي الذي يتصدره تعليق ساخر يُضيف كوميديا إضافية إليه، وهو أيضا صورة الزعيم العربي الراحل أو الرابض فوق الصدور التي يتم التلاعب بها، لتنتشر بعدها مثل النار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي.

والميم أيضا هو الآلاف من الصور الهزلية المنتجة في العالم الغربي، والتي يتم تداولها ومشاركتها على مواقع مثل فيسبوك وتويتر وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي.

يبحث الفيلم التسجيلي البريطاني في تاريخ الميم، وقد ظهر هذا المصطلح للمرة الأولى قبل اختراع شبكة الإنترنت بعقود، وبالتحديد مع إطلاق كتاب الجين الأناني للعالم البريطاني ريتشاد دوكينز والذي ابتكر مُصطلح "الميم" (العالم ذاته المعروف بكتبه التي تنكر وجود الله).

يقود التحقيق الدكتور ريتشارد كلاي المحاضر في جامعة نيوكاسل البريطانية والمتخصص في ثقافة الديجيتال، ليجمع بين عمق وفهم الأكاديمي، والنباهة والحضور التلفزيوني المقبول، كما يضيف فكاهة بريطانية محافظة خاصة يتميز بها كثير من البريطانيين، والتي تنطوي على سخرية مبطنة مُغطاة بطبقة من اللياقة الاجتماعية.

الميم.. صراعات وحروب

يعود تاريخ الميم إلى أزمان بعيدة، بل يرتبط بالتطور الذهني البشري، فما أن وَجَدَ الإنسان وسيلة للتعبير عن ذاته حتى بدأ بإنتاج منظومة للإشارات والتي يصنف بعضها تحت خانة "الميم".

يقدم الفيلم في هذا الاتجاه أمثلة على "الميم" استخدمت قبل عصر شبكة الإنترنت، مثل حركة الأصبع الشهيرة للزعيم البريطاني تشرتشل إبان الحرب العالمية الثانية، وحركة الأصابع المعروفة الأخرى التي تدل على النصر والتي استخدمها بكثرة الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون أثناء حرب فيتنام، واستخدمتها أيضا حركات السّلام الأمريكية والعالمية التي ناضلت كثيرا لوقف تلك الحرب، حيث إنه من الممكن تطويع "الميم" نفسه أحيانا للتعبير عن اتجاهين فكريين متعارضين.

يقدم الفيلم في هذا الاتجاه أمثلة على "الميم" استخدمت قبل عصر شبكة الإنترنت

البساطة.. سرّ النجاح

يُقابل الفيلم مدير موقع إلكتروني على شبكة الإنترنت متخصص بتاريخ الميم، ويحاول المخرج أن يفهم أسباب نجاحات بعض الميم، في حين يتم نسيان وتجاهل مئات الآلاف من الميمات التي يتم إنتاجها كل يوم وتسقط سريعا من ذاكرة مستخدمي الشبكة العنكبوتية.

لا توجد قواعد خاصة أو وصفات سحرية يمكن السير عليها لخلق ميم ناجح، رغم أنه يمكن تحديد خطوط عامة لنجاح الميم، منها أنه يجب أن يتحلى بالبساطة والوضوح، ويخلو من التعقيدات اللفظية والإشارات الصعبة، بحيث لا يتطلب جهدا كبيرا منا لفهمه، نحن الذين نغرق كل يوم بطوفان الصور والميمات.

يقابل المخرج خبيرة في صناعة وتنفيذ الميمات، لتتضح الصورة أكثر عن ماهية الميم

صناعة الميم على الهواء

يقابل المخرج خبيرة في صناعة وتنفيذ الميمات، لتتضح الصورة أكثر عن ماهية الميم، فهي ترسم وبتكليف من الفيلم "ميم" من صورة قط التقطتها الكاميرا وهو يحرك أحد أطرافه في الهواء، وكأن الملل قد وصل إليه.

يُرافق الفيلم مراحل صناعة الميم، وكيف أن المصممة تجرب عدة نصوص مع الصورة، قبل أن تستقر على نصٍ قصيرٍ غير معقد، يتم التلاعب به لفظيا عن طريق تغيير ترتيب حروف كلمة باللغة الإنجليزية.

وعلى الرغم من أن المصممة ومعها ريتشاد كلاي بدا أنهما وصلا إلى الميم المثالي، فإن هذا لا يعني أبدا أن ما صنعاه سيلقى القبول والتداول عند الجمهور الواسع.

وفي اتجاه البحث عن أسرار صناعة الميم، يزور الميم شركة بريطانية متخصصة بإنتاج الميم وبيعه، وتملك هذه الشركة التي يديرها مجموعة من الشباب المتعددي الاختصاصات خبرات كبيرة في مجال إنتاج الميم، وهم يعرفون مثلا فرص نجاحه في الساعات الأولى لطرحه على شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، إذ يمنح عدد الذين يشاركون الميم في صفحاتهم للتواصل الاجتماعي في الساعات الأولى لطرح أي ميم إمكانية التنبؤ بوصول هذا الميم إلى مرحلة التداول الشعبي على نطاق واسع كثيرا أو ما يعرف بـ"فيرال" (Viral).

يطلب الفيلم من هذه الشركة إنتاج ميم يتألف من مادة مصورة للمفكر البريطاني ريتشارد دوكينز، والذي يقابله الفيلم ويضعه على الإنترنت لقياس درجة نجاحه، ليكشف الفيلم التسجيلي في خاتمته أن ميم مخترع مصطلح "الميم" لم يحقق شعبية كبيرة ولن يُكتب له عمر طويل كحال بعض الميمات التي يتم تداولها لسنوات طويلة بعد إنتاجها.

ميم في الموسيقى والإعلانات

لا يحصر الفيلم نفسه في الإطار الشائع للميم أي مواقع التواصل الاجتماعي، بل يبحث في حضور الميم في عالم الإعلانات، فيقابل في هذا الاتجاه خبيرا في إنتاج الإعلانات التجارية، والذي يوضح أن عالم الإعلانات يرتكز تماما على التواصل بين الإشارات التي تشكّل المادة الإعلانية وشعور ولاشعور المستهلك.

كما يُحاور الفيلم أكاديمية في عالم الموسيقى، لتشرح في الاتجاه نفسه قدرة بعض الألحان والنوتات الموسيقية على الوصول إلى المستمع والبقاء في الذاكرة على خلاف ملايين القطع الموسيقية التي تمرّ دون أن تترك آثارا تذكر.

لأن "إيموجي" يُعد مثالا مهما على تطور الميم في عصر الإنترنت، يفرد الفيلم مساحة لهذا الوسيط الجديد

إيموجي.. لغة تصويرية

ولأن "إيموجي" (emoji) يُعد مثالا مهما على تطور الميم في عصر الإنترنت، يفرد الفيلم مساحة لهذا الوسيط الجديد الذي يشهد انتعاشا غير مسبوق، فيقابل رسامة إيموجي متخصصة، ويطلب منها أن تصنع إيموجي خاص بالمقدم البريطاني نفسه، كما أن المصممة تتحدث عن تطور صناعة الإيموجي وإضافة أشكال جديدة له كل عام، وتحوله تدريجيا إلى لغة تُعبر عن كل العواطف البشرية، فالمصممة عملت قبل فترة قصيرة من لقائها مع الفيلم في صناعة إيموجي خاص يمثل الدورة الشهرية للنساء.

وفي الوقت الذي يذكر الفيلم أن الإيموجي أصبح قادرا على نقل عواطف بشرية مثله مثل اللغات المكتوبة، هناك من يتوقع ترجمة الروايات الكلاسيكية المعروفة إلى لغة الإيموجي في المستقبل القريب.

يأخذ الميم أشكالا عديدة ويقود إلى ظواهر خطيرة

الميم وحروب الكراهية

يأخذ الميم أشكالا عديدة ويقود إلى ظواهر خطيرة، منها ما يحصل من حروب إلكترونية تشن على دول وشخصيات عامة بلغة إشارات الميم. ويقابل الفيلم صحفية فنلندية تعاني حتى اليوم من هجمات إلكترونية مجهولة يعتقد أنها قادمة من روسيا بعد أن كتبت مرارا عن خطر تدخل السلطات الروسية في العملية السياسية لدول أوروبية، ومنها في بلدها الإسكندنافي فنلندا.

تعرض هذه الصحفية صورا من الميمات التي استُخدمت في الحرب عليها، وبعضها تم فيه التلاعب بصورتها إلكترونيا ليقدمها كعاهرة بملابس قليلة للغاية، وهناك من هاجم والد هذه الصحفية المتوفى للتو، والذي قاد الحديث عنه إلى تأثر الصحفية وبكائها، إذ إنها لم تقترف جريمة، بل كانت تؤدي ما يفرضه عليها عملها الصحفي.

ولأن موضوع الهجمات والتنمر الإلكتروني يُهيمن على العالم في العامين الأخيرين، يركز الفيلم على هذا الجانب ويستضيف أمريكيا يمارس تزوير وتلفيق الأخبار، لكن ليس لغايات شريرة، بل ليفضح تهافت الفكر المتطرف المعادي للأجانب في الولايات المتحدة.

يُبيّن هذا الأمريكي أنه يصنع ميمات تتضمن أخبارا كاذبة عن أخطار العالم الإسلامي، ليسجل بعدها ردود أفعال عدد كبير من الأمريكيين على هذه الأخبار الملفقة، رغم أن بعضها يتجاوز كل حدود المنطق.

ويأمل هذا الأمريكي أن تحترس السلطات والمعنيين من الآراء المتطرفة للغاية التي تُعلق على ما ينشره من ميمات، فأصحاب بعض هذه الآراء هم مشاريع متطرفين خطرين للغاية.

ومن الميمات المُلفقة التي نشرها هذا الأمريكي، ميم عن قرار أمريكي رسمي يمنح مبلغا شهريا كبيرا لأي لاجئ من الدول الإسلامية يصل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وميم عن قرار آخر يتعلق بهيمنة المسلمين على هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) التي تمثل للكثير من المتشددين في الولايات المتحدة بوقا للترويج للأفكار اليسارية والمعادية للفكر الغربي.

اللافت أن التعليقات التي نشرت على هذين الخبرين، لم تكلف نفسها التحقق من صحتهما من مصادر أخرى، واكتفت بالتعليق باللغة العدائية ذاتها ضد الغرباء والمسلمين تحديدا.

يحقق الفيلم في اتجاهات عديدة، ويحاول من خلال الأمثلة التي يعرضها ويسلط الأضواء عليها أن يحدد مفهوم الميم

مستقبل لا حدود له

يحقق الفيلم في اتجاهات عديدة، ويحاول من خلال الأمثلة التي يعرضها ويسلط الأضواء عليها أن يحدد مفهوم الميم الذي لا يقتصر على الصور الكوميدية التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، فالكوميدي البريطاني الذي تم استضافته في الفيلم يستخدم في أفلامه القصيرة إشارات ورموزا من لغة الميم في قناته على موقع يوتيوب والتي تحقق نسبة مشاهدة مرتفعة، رغم أنه لا يعرف كيف يُمكن أن يُعيد نجاح بعض الفيديوهات التي قدمها وحصلت على نسبة مشاهدة مرتفعة للغاية.

ويؤكد الفيلم في كل فقرة منه أن فهم الميم لا يعني أننا أصبحنا قادرين على صناعة نماذج ناجحة منه، فمثل هذه النماذج الناجحة تبقى عملية معقدة جدا، وليس هناك ضمانات بالمرة أن فهم الميم يقود تلقائيا إلى ابتكار ميم يلقى شعبية كبيرة على شبكة الإنترنت.

ويتوقع الفيلم التسجيلي أن عدد مستخدمي الهواتف الذكية في العالم عام 2021 سيفوق عدد الذين يحصلون على مياه صالحة للشرب، وتساهم هذه الشعبية غير المسبوقة للإنترنت في تغيير مفاهيم التواصل وحتى اللغة بين البشر.

لا يجتهد الفيلم في شرح تاريخ الميم فقط وكيف أن هذا الوسيط يعود إلى عصور ما قبل التاريخ الحديث، بل يحاول أيضا أن يُبيّن أن سرعة الثورة التكنولوجية تقودنا إلى بداية جديدة للحضارة، حيث يكون الميم هو الوسيط المهم وربما الأهم للبشرية.