نقد سينمائي

"الهتك".. كي لا تذوب قِيَم الخير والجمال في المجتمع

 

الفنان المصري هشام عبد الحميد

في إضافة جديدة ومميزة وناضجة لفنون المهجر استطاع فيلم "الهتك" أن يرى النور في المهجر، وهو الفيلم الذي اضطلع بتأليفه وإخراجه وإنتاجه المخرج الشاب محمد البحراوي. وهي تجربة تمتلك بلا شكّ الكثير من الطموح ونضوج الرؤية، مما يجعلها تقف على قدم وساق، ليس فقط بين الأعمال الفنية التي طُرحت في المهجر تركيا، وإنما تقف أيضا ثابتة بين الأعمال الفنية الاحترافية التي تطرح نفسها إقليميا ودوليا.

يُشكّل فيلم "الهتك" صدمة شعورية للمتفرج، خصوصا اسم الفيلم نفسه، فإذا تطرقنا إلى موضوع الفيلم الرئيسي نجده مُعادلا موضوعيا لفكرة "فاوست" (الشخصية الرئيسية في الفلكلور الألماني)؛ ذاك العالِم التوّاق للمعرفة والخلود، فيبيع روحه للشيطان مقابل الخلود، لكنه ينتهي نهاية بائسة تعيسة، ففي لحظة احتضاره تأتي الملائكة لتمزّقه إرَبا نتيجة فعلته البشعة.

 

"فاوست" البحراوي.. ملحمة تاريخية بثوب مصري

إن أول من قدّم "فاوست" هو الشاعر الألماني "يوهان غوته"، ثم قُدِّم في معالجات مختلفة، منها "فاوست" لـ"كريستوفر مارلو"، و"فاوست" لـ"بول فاليري"، وأخيرا "فاوست" لمحمد البحراوي. لكن "فاوست" البحراوي ينزع عن الملحمة ثوبها التاريخي ليُلبسها ثوبا مصريا عصريا يرتكز على أرضية سياسية واجتماعية، فالبحراوي ينكأ الجرح، ويبدأ بعرضه علينا بكل قبحه وقيحه، لكي يُحرّك الشعور ويدفعه للرفض والتوجه نحو التغيير.

معالجة البحراوي تُقدّم خلفية قوية عن التعامل الأمني مع الثوار والمواطنين الأبرياء الذي يتصف بالكثير من التجاوزات القاسية، فمثلا شخصية السوهاجي -وهو من النماذج الفاشلة مجتمعيا وعلى كافة الأصعدة- الذي يُسلط عليه الضوء حين قبوله بالعمل الجديد مع إحدى جهات الأمن، ويمثلها الضابط -الذي يلعب دوره ببراعة لا تُنسى معتز الخولي- الذي يُرضخ السوهاجي أسامه صلاح -هو أحد أعمدة الفيلم الرئيسية- لأوامره. يقبل السوهاجي بأن يُصبح أداة سحق وتعذيب في السجون مقابل تجميل ملفه المهني السيء السمعة.

في مشهد لا يُنسى نرى مقايضة الضابط للسوهاجي، حيث يُمسك الضابط بتفاحة تُذكرنا بغواية الشيطان لآدم التي كانت سببا لخروجه من الجنة، ويوافق السوهاجي الذي يستلم مهامه الجديدة، ويسوق الخبر إلى زوجته فاطمة التي تلعب دورها المذهلة هبة عثمان.

بوستر فيلم "الهَتك" للمخرج المصري محمد البحراوي

 

معاقبة الذات.. رغبة عارمة في الانتقام

على التوازي الدرامي يأتي الدكتور منور علاء الذي يلعب دوره عمرو ممدوح، وهو ناشط سياسي وزوجته فرح التي تلعب دورها الجميلة أوزنور. يُعتقل الدكتور علاء ويقوم السوهاجي بتعذيبه، ويخرج الدكتور علاء محطما مهزوزا غير مبال، ويحمل داخله رغبة عارمة في الانتقام من هذا المجتمع السلبي.

هذان المستويان -السوهاجي والدكتور علاء- يتطوران عبر دراما مُسيطَر عليها تماما من قبل البحراوي، لتصل الأحداث إلى نقطة الانقلاب، ويُستغنى عن خدمات السوهاجي لاحقا.

السوهاجي مُصاب بعدة أمراض نفسية مركبة بسبب شخصيته المهمشة أصلا، الأمر الذي يزيد من عُقده ضد زوجته. حيث ينعزل عن الجميع إلى أن تتدهور حالته عقليا ونفسيا، ويبدأ بمعاقبة ذاته كدفاع ميكانيزمي ويبدأ في تقطيع جسده بأسنانه، ويمثل صوت الحيوانات كالكلب، وذلك في مشهد من أكثر المشاهد تأثيرا وإحكاما في الفيلم. وفي مواجهة درامية صعبة يأتي جميع ضحاياه، وعلى رأسهم الدكتور علاء، حيث يكتمل التصاعد الدرامي في نهاية الفيلم.

ينتهي الفيلم ويخرج الجمهور بقدر كبير من المتعة، لكن أيضا بقدر كبير من الصدمة.

 

بذور "المخرج المدرب".. تمثيل مهني مُحترف

حقيقة نستطيع أن نُطلق على محمد البحراوي مصطلح "المخرج المدرب"، لأنه لم يكتف بإخراج فني بديع للفيلم فقط، فسيطرته مدهشة على إيقاع الفيلم، بل قدّم لنا أيضا مجموعة من الشابات والشبان الواعدين فنيا، وذلك من خلال تدريبهم وإعدادهم في ورشة إعداد ممثل، بمتابعة صارمة كانت ثمارها أن أسامة صلاح امتلك كاريزما وقدرة وسيطرة على أدواته كممثل نجم قادم بقوة.

أما هبة عثمان فهي مذهلة في أدائها وبكل تطورات شخصيتها، وتحديدا في مشهد انفجارها في وجه زوجها، والتعبير عن غضبها ثم انهيارها. أما أوزنور فهي زهرة برّية جميلة بأدائها المُعبّر الطبيعي، في حين أن معتز الخولي يتحكّم فى كل الانفعالات والإيماءات، ويمتاز بفهم غير عادي لشخصية الضابط.

ذكرني عمرو ممدوح بأداء أحمد محرز في فيلم "عودة الابن الضالّ" ليوسف شاهين، أما علي رزق الذي قام بدور الدكتور صادق فهو نموذج نادر لممثل قلّما يجود به الزمن، وأما عمرو سعد فبالرغم من أنه لم يظهر إلا في مشهد واحد في دور المُجنّد الصعيدي، فقد خطف الأضواء لتميّز أدائه. وبالطبع كان بقية الممثلين بحق على ناصية احتراف مهني مقنع ومؤثر.

إن فيلم الهتك ما هو إلا بداية ننتظر من صانعه ومجموعته الفريدة الكثير والكثير بعد هذه التجربة الطموحة التي أمتعتنا كثيرا، ودافعت عن قيم الحق والخير والجمال.

ذات صلة