نقد سينمائي

"الولايات المتحدة للمؤامرات".. تجارة الخوف التي يروجها الإعلام الأمريكي

 

محمد موسى

يقضي مذيع الراديو الأمريكي "أليكس جونز" أغلب أوقات عمله يصرخ وحيدا في الاستديو للمستمعين أو المشاهدين الذين يتابعون برامجه الإذاعية عبر شبكة الإنترنت، وعندما يتحدث هذا الإعلامي الأمريكي الذي يبلغ من العمر 46 عاما ينفعل كثيرا وتتضخم رقبته المكتنزة وتصعد الدماء إلى وجهه، وينخرط أحيانا في موجات بكاء يبدو واضحا أنها مفتعلة.

لا يتوقف "جونز" عن الكلام، ويُعيد غالبا الأفكار والجمل ذاتها التي تفوه بها قبل دقائق فقط، فلا أحد يحاسب المذيع على أدائه، سواء من المستمعين له أو حتى العاملين معه.

كان من الممكن أن يبقى "جونز" على هامش المشهد الإعلامي الأمريكي في حياته كلها، فيصرخ كل يوم في الراديو ويجمع ثلة من المستمعين الأوفياء، بيد أن تغير الحياة السياسية في الولايات المتحدة وصعود "دونالد ترامب" غير المسبوق منحا "جونز" شرعية لم يكن يحلم بها، ليوضع مع أفكاره الشاذة التي يحملها ويدعو لها في قلب المشهد السياسي والإعلامي في أمريكا، كي يزيد هذا من فوضى المشهد وغرابته وصعوبة قراءته والتكهن به.

يهتم الفيلم التسجيلي "الولايات المتحدة للمؤامرات" (United States of Conspiracy) -الذي عرض أخيرا في برنامج "الخط الأول" على قناة "بي بي إس" الأمريكية- بالصعود المقلق والغريب للإعلامي "جونز" وللظاهرة التي يمثلها، وكيف انتقلت نظرية المؤامرة التي يؤمن بها هذا المذيع الأمريكي ويروج لها إلى البيت الأبيض في عهد الرئيس "ترامب"، فقد حلَّ "ترامب" ضيفا على "جونز" في برنامجه الإذاعي، وكان فريقه السياسي قريبا من المذيع الأمريكي قبل وأثناء الانتخابات الأمريكية في عام 2016.

 

"لقد انتصرت".. وصول "جونز" إلى البيت الأبيض

يُحلل الفيلم التسجيلي -الذي أخرجه "مايكل كيرك"- سلوك "جونز"، ويعود إلى طفولته وشبابه، ويُقابل زوجته السابقة ومجموعة كبيرة من العاملين السابقين معه بعد أن تركوه لأسباب مختلفة.

كما يسعى البرنامج لفهم أسباب نجاح هذا المذيع الأمريكي في جمع ملايين الأتباع الأوفياء الذين لم يتخلوا عنه وتبعوه إلى محطات الراديو التي عمل بها إلى أن انتهى به الحال لبدء شركته الإعلامية الخاصة التي تحمل اسم (infowars) التي تبث اليوم عبر أثير الراديو الأمريكي وشبكة الإنترنت.

يبدأ الفيلم من ليلة الانتخابات الأمريكية الأخيرة، حيث بدا التعب واضحا على "جونز" الذي حشد لأشهر عديدة جهودا كبيرة للنيل من المرشحة الديمقراطية "هيلاري كلينتون"، إنها الليلة الفاصلة لتعب "جونز" وفريقه، حيث كان "روجر ستون" أحد مستشاري "ترامب" السياسيين السابقين مع "جونز"، وسيكشف الكثير عن تلك الليلة وعلاقته المتينة مع "جونز"، وتحالفهما لدعم "ترامب" في معركته الانتخابية.

لم يكن فوز "ترامب" في الانتخابات الانتصار الوحيد في جعبة "جونز"، فعدد مشاهدي قناته على الإنترنت في الأيام التي سبقت الانتخابات تعدى مشاهدي قنوات تلفزيونية أمريكية في ظاهرة غريبة على المشهد الإعلامي الأمريكي.

وهكذا تحدث "جونز" لكاميرا برنامجه قائلا: "لقد انتصرت"، وبعد أن تبيّن فوز "ترامب" بالانتخابات الأمريكية كانت الدموع تغطي وجه المذيع الأمريكي، وقد بدت تلك الدموع هذه المرة -على خلاف مناسبات أخرى– حقيقية.

لم يبالغ "جونز" عندما نسب فوز "ترامب" لنفسه، إذ إنّ أفكاره والسموم التي يبثها في الإعلام وبين الناس لتخويفهم وبث الذعر بينهم وصلت الآن إلى البيت الأبيض كما سيوضح الفيلم التسجيلي، حيث كان ترامب يُعيد حرفيا في خطبه وحواراته مع الإعلام الأمريكي بعض مقولات "جونز".

 

طفولة في تكساس.. تأييد مبكر لنظرية المؤامرة

يعود الفيلم التسجيلي إلى طفولة "جونز" في ولاية تكساس الأمريكية حيث أجمع مقربون منه أنه كان مثيرا للمتاعب منذ صباه، حيث هيمنت نظريات المؤامرة على حياة ذلك الصبي الأمريكي وتفكيره، وقد وجد في حوادث عادية وقعت في شبابه -منها مواجهة بين الشرطة وجماعة أمريكية كانت تزرع المخدرات- الذرائع القوية للتمسك بنظريات المؤامرة، كما زعم إعلامي بريطاني يتابع "جونز" منذ عشرين عاما أنه مصاب باضطراب الشخصية النرجسية.

عمل "جونز" في محطة تلفزيونية صغيرة مغمورة في مدينة أوستن في ولاية تكساس، ومُنح برنامجا في وقت متأخر من الليل، وقد بدأ في ذلك البرنامج بالإفصاح عن نظرياته الغريبة الشاذة التي تتلخص بإيجاد تفسير مغاير لكل الروايات الرسمية التي نسمع بها، ففي ذهن "جونز" أن الحكومة الأمريكية وراء كل الأحداث الكبيرة التي وقعت في البلد، وأن هذه الحكومة لها أجندة سريّة تتقصد الأمريكيين العاديين.

وعلى الرغم من أن كثيرين حينها لم يأخذوا برنامج "جونز" بجدية بل تحول غضبه ومبالغاته الشديدة إلى فقرة كوميدية للبعض، فإنه بدأ بجمع الأتباع الذين يؤمنون مثله بنظريات المؤامرة، وعندما انتقل إلى محطة راديو أخرى في تكساس زاد عدد أتباعه الذين تجاوزوا حدود ولاية تكساس الجغرافية، إذ فتح الإنترنت الميدان واسعا لجونز لنقل أفكاره إلى جمهور واسع في الولايات المتحدة وخارجها.

مذيع الراديو الأمريكي "أليكس جونز" في استوديو شركته الإعلامية الخاصة "إنفو وورز" التي تبث عبر أثير الراديو الأمريكي وشبكة الإنترنت

 

تفجير الـ11 من سبتمبر.. ضلوع الحكومة في الحادثة

كان الحادي عشر من سبتمبر/أيلول من عام 2001 نقطة مفصلية في مسيرة "جونز" المهنية، ذلك أن المذيع المتطرف هاجم -منذ اليوم الأول من تفجير مبنى التجارة العالمي- الحكومة الأمريكية، واتهمها بأنها وراء الانفجار، ولم يُعر أي اهتمام لمشاعر الأمريكيين الذين فقدوا أهلا وأصدقاء في الحادثة.

كانت آراء "جونز" المتطرفة عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول السبب الرئيسي الذي جعل محطة الراديو التي كان يعمل فيها تتخلى عنه، إذ تجاوز "جونز" بآرائه سقف الحريات المسموح بها في محطة الراديو اليمينية.

لكن هذه الخطوة لم تكن نكسة في مسيرة "جونز" المهنية كما قد يبدو الأمر، بل إنها حملته إلى ما هو أبعد من ذلك، فقد مهدت لولادة مؤسسة "جونز" الإعلامية الخاصة التي لن تكون مرتبطة بأي جهة إعلامية، بل ستدار بالكامل وفق أجندة هذا الإعلامي الشاذة.

ضحايا حادثة إطلاق النار في مدرسة للأطفال عام 2012 والمعروفة بـ"ساندي هوك"

 

حادثة "ساندي هوك".. تعزية مقلوبة تخدش شعور ذوي الضحايا

يستعرض الفيلم التسجيلي أبرز المحطات المهنيّة المهمة في مسيرة "جونز"، وهي تتشابه في تطرفها في إيذاء الشعور الجمعي الأمريكي، فقد اختلق "جونز" مثلا روايته الخاصة عن حادثة إطلاق النار في مدرسة للأطفال في عام 2012 وهي التي تعرف بحادثة "ساندي هوك".

زعم "جونز" أن إطلاق النار الذي أدى إلى مقتل 27 شخصا من بينهم 20 طفلا من المدرسة هو قصة لفقتها جهات حكومية، وأن الآباء والأمهات الذين ظهروا في الإعلام وفي الجنازات هم في الحقيقة ممثلون وممثلات مدفوعو الأجر.

وقد دفع حقد "جونز" على المرشحة "هيلاري كلينتون" به لاتهامها بكل التهم التي يمكن أن يتخيلها عقل، ومنها خلق قصة عن متاجرة أحد أفراد حملتها الانتخابية بمواد إباحية للأطفال، وهي القضية التي تعرف باسم "فضيحة البيتزا"، إذ فسر "جونز" ورود كلمة "بيتزا" في رسائل إلكترونية تسربت من فريق "هيلاري" الانتخابي على أنها رمز سري لمواد إباحية.

أب أحد الأطفال الذين قتلوا في حادثة ساندي هوك لم يرغب بالإفصاح عن هويته كونه أحد ضحايا نظريات "جونز" الغريبة

 

اتساع رقعة المؤمنين بأفكار "جونز".. قنبلة تهدد السلم الاجتماعي

يفرد الفيلم مساحة لضحايا نظريات "جونز" الغريبة، ومنهم أب لأحد الأطفال الذين قتلوا في حادثة إطلاق النار في المدرسة في عام 2012. يعيش هذا الأب وزوجته في مكان سري حتى اليوم، وبعد أن لاحقتهم التهديدات من أمريكيين متأثرين بنظريات "جونز" شكى الأب -الذي لم يرغب أن يظهر وجهه في البرنامج- من الظلم الذي تعرض له، إذ كان على عائلته أن تتعامل مع المصاب الكبير بفقد ولدهم الصغير علاوة على التهديدات الجديّة التي تلقتها العائلة من أمريكيين.

تُبين بعض المشاهد -التي تظهر أمريكيين تورطوا بجرائم بسبب تأثرهم بنظريات "جونز" الغريبة- التأثيرات الخطيرة للغاية لهذه النظريات على البعض، إذ ينقل الفيلم شهادة مصورة لأمريكي وهو في طريقه لتفجير مكان شاع بأنه مكان لسجن الأطفال واستغلالهم جنسيا كما ورد في أحد برامج "جونز".

وهناك مكالمة هاتفية سجلتها الشرطة الأمريكي وبثها الفيلم لامرأة كانت تهدد عائلة من العائلات التي فقدت طفلا لها في حادثة إطلاق النار في 2012، حيث كانت الأمريكية في تلك المكالمة تطلق الشتائم والتهديدات بدون توقف عبر الهاتف للأمّ الثكلى.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان يقتبس الكثير من أفكار وكلام "أليكس جونز"

 

عبارات "جونز" على لسان "ترامب".. نجاح إعلامي وتجاري

يجمع الفيلم في مونتاج ذكي عبارات تفوه بها "ترامب" في السنوات الأخيرة مع المقولات نفسها مأخوذة بالكامل من برامج "جونز" الإذاعية، حتى أن "جونز" كان يفتخر بأن الرئيس الأمريكي كان يقتبس منه أفكاره وكلامه.

كان "ترامب" يعرف أن شعبية "جونز" كبيرة وسط بيئات أمريكية معينة، فركز على علاقته مع "جونز"، وطلب من مستشاريه السياسيين التقرب منه والظهور المكثف على برامجه.

لم تقتصر نجاحات "جونز" على الإعلام، إذ سرعان ما انتقل إلى التجارة، فهو يبيع منذ سنوات بضائع عبر موقع إلكتروني معظمها ينسجم مع طبيعة ما يقدمه، إذ إنه يبيع مثلا معدات لحماية الجسد من الطلق الناري المباشر، وحبوبا مثيرة للجدل تزيد من طاقة الإنسان وتحمله.

يحقق الشق التجاري من مؤسسة "جونز" الكبيرة نجاحات كبيرة جدا جعلت صاحبها واحدا من أثرياء الإعلام الأمريكي.

جونز يشارك في التظاهرات التي أعقبت موت الأمريكي الأسود "جورج فلوید" ليس بدواعي الغضب من العنصرية، بل لتمرير أجندته المشوشة الخاصة

 

نكبة الحظر على مواقع التواصل

واجه صعود "جونز" الذي بدا أنه بلا نهاية في السنوات الأخيرة عثرات كبيرة، إذ قررت مواقع التواصل الاجتماعي العملاقة منعه من بث خطابه الشاذ عبر منصاتها، وقد كان لذلك أثر كبير على شعبية المذيع الأمريكي، فعبر منصات تلك المواقع كان يصل إلى جمهور واسع حتى تعدى عدد مشاهدي بعض أفلامه على موقع يوتيوب ملايين المشاهدات.

لم يبق لدى "جونز" غير موقعه الإلكتروني الخاص الذي يبث عبره، بالإضافة لبعض المواقع الإلكترونية الأخرى التي ينتمي بعضها لما يعرف بالإنترنت الخفي أي المواقع التي تدار بسريّة، ولا يمكن الوصول إليها إلا عبر مجموعة من الخطوات.

طفح الكيل.. انكسار أمام صخرة العدالة الأمريكية

أجبر "جونز" أخيرا على المثول أمام القضاء الأمريكي والاعتذار عما سببه من أضرار عبر الافتراءات التي يطلقها، ومن الذين اشتكوا منه العائلة التي فقدت ابنها الصغير في عام 2012، وقد بدا الانكسار واضحا على "جونز" في جلسة المحكمة، واعترف رغم تململه بخطئه في الاتهامات التي أطلقها حينها.

لم يخفت حماس "جونز" في السنوات الأخيرة بل ربما تضاعف حتى يبقى في قلب اهتمام الإعلام الأمريكي بعد منعه من مواقع التواصل الاجتماعي، إذ إنه يركب موجة المشككين بمرض كورونا، ويتهم الحكومة الأمريكية بتلفيق كل شيء.

كما شارك في التظاهرات التي أعقبت موت الأمريكي الأسود "جورج فلوید" ليس بدواعي الغضب من العنصرية بل لتمرير أجندته المشوشة الخاصة.

مجموعة من المثقفين الأمريكيين المختصين، منهم من كتب كتبا عن "جونز" وظاهرته ونظرية المؤامرة، وقد أضافوا جميعا قيمة كبيرة للفيلم

 

"الولايات المتحدة للمؤامرات".. تحليل متزن لظاهرة غريبة

جمع الفيلم مجموعة معتبرة من المثقفين الأمريكيين المختصين، ومنهم من كتب كتبا عن "جونز" وظاهرته ونظرية المؤامرة، وقد أضاف هؤلاء الأخصائيون قيمة كبيرة على الجهد البحثي للفيلم عبر تشريح ظاهرة جونز من الداخل والخارج.

فقد بينوا أسباب نجاحها رغم أنها تفتقر -بحسب الباحثة "نانسي روزنبلوم"- إلى مفهوم النظرية، ذلك أن "جونز" لم يعد يشرح لماذا يطلق الاتهامات بل يطلقها هكذا بدون أدلة، وغابت "النظرية" عن "المؤامرة" في معظم ادعاءاته في السنوات الأخيرة.

اكتفى الفيلم بمحاورة خبراء للحديث عن ظاهرة "جونز"، ولعله كان سينتفع لو خصص جزءا من وقته للتقرب من جمهور "جونز" نفسه، ومحاورتهم والتحقيق معهم في الأسباب التي تجعلهم يؤمنون بنظريات بعضها يتخطى كل حدود المنطق والعقل.

بيد أن هذا لا يقلل من قوة وتمكن فيلم "الولايات المتحدة للمؤامرات" من تحليل وتعرية النموذج الغريب الذي يمثله جونز وآثاره المتواصلة على الحياة السياسية والاجتماعية في الولايات المتحدة.

ذات صلة