نقد سينمائي

بانت سعاد.. رائدة المدح النبوي و"بردة" التوبة والإيمان

 

سنان ساتيك

بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ
متيّمٌ إثْرَها لم يُفدَ مكبولُ

وما سعاد غداة البين إذ رحلوا
إلا أغنُّ غضيضُ الطرف مكحولُ

هيفاءُ مقبلةً عجزاءُ مدبرةً
لا يُشتكى قِصرٌ منها ولا طولُ

تجلو عوارض ذي ظَلمٍ إذا ابتسمت
كأنه منهلٌ بالراح معلولُ[1]

بعد انتهاء صلاة الفجر يقترب رجل ملتف بعمامته من جموع المصلين في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، يخترق صفوفهم وجِلا، يرتجف خائفا بعدما ضاقت به السبل وسُدّت الآفاق، فقد ردّته قبيلته بعدما التجأ إليها طلبا للحماية من نبي الله محمد.

إنه كعب بن زهير؛ يجيء تائباً مُعلناً إسلامه مُستسمحاً الرسول كي يعفو عنه، فدمه مهدور وربما يقتله عقابا.

لما علا صوت المنتقدين والساخرين من هذا التفسير؛ رد زيدان بأن ذلك مُعتاد في المجاز الشعري

يوسف زيدان.. توابل الحب

يُلقي تلك القصيدة بين يديه فتصبح نموذجا يقتدي بها الشعراء عندما يريدون أن ينظِموا مدحا نبويا، فقد عارضها شعراء كثيرون (أي نظموا على الروي والقافية) كما استمدوا صورها.

يهتم بها النقاد والشرّاح لقيمتها الفنية وجمالياتها البلاغية، وكونها قصيدة قيلت أمام الرسول عليه الصلاة والسلام الذي أجازها ودعا الناس إلى الاستماع إليها في مجلسه.

أما اليوم فصار النقاد والشُرّاح يُسيئون فهم القصيدة ويجرّون المعاني إلى سياقات أخرى، ويلوونها بتفسيرات لا معنى ولا أساس لها. هذا ما فعله الروائي المصري يوسف زيدان بتفسيره مطلع القصيدة حين قال إن متبول معناها "محطوط في التوابل"، جاذباً الحقل الدلالي للكلمة إلى مناطق بعيدة لا منطق لها من حيث وقوعها في البيت لتؤدي المعنى المراد.

فالقصيدة مبنية على عمود الشعر الذي يستلزم المقدمة الغزلية، حيث يصف الشاعر فيها لوعته وحرقته وهيامه بالمحبوبة، فاستجلب لفظة "متبول" ليدل على أن الحب غلب عليه وهيّمه.

ولما علا صوت المنتقدين والساخرين من هذا التفسير؛ رد زيدان بأن ذلك مُعتاد في المجاز الشعري، فمثلاً في قصيدة الإمام البوصيري الشهيرة "البردة" يقول: مثل البهار على خدّيك والعَنَمِ (العنم ثمر أحمر لا يؤكل)، مهاجماً إياهم ورامياً إلى أن الأمر لا يستدعي هذا الصياح والسخرية، فاستمر الهجوم عليه متهمين إياه بالتردي والتخلف.

فحولة شعرية

كعب بن زهير شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، فكان من فحول الشعراء فيهما، وهو ابن زهير بن أبي سُلمى صاحب إحدى المعلقات، تلقّى الشعر من والده ورواه عنه، وبقي يتلقاه حتى انطبعت في نفسه طريقة نظم الشعر وصوغه، ثم امتحنه والده في تلك الأبيات، فطلب إليه أن يجيزها بنظم بيت على غرار البيت الذي ينشده في الوزن والقافية.[2]

يتفق الرواة على أن الشعر لم يتصل في ولد أحد من شعراء الجاهلية اتصاله في ولد زهير، فكعب وأبوه زهير وجده أبو سلمى وعمتاه سُلمى والخنساء، وخال أبيه بشامة بن الغدير، وابنا عمته تماضر (الشاعرة الخنساء المعروفة) وأخوها صخر، وابنا بنته سُلمى العوتبان وقريض، وأخوه بجير، وولده عقبة، وحفيده العوام بن عقبة.. كلهم شعراء.[3]

قال كعب الشعر في سن مبكرة، لكن والده زهير نهاه مخافة أن يكون شعره لم يستحكم

دم مُهدَر

قال كعب الشعر في سن مبكرة، لكن والده زهير نهاه مخافة أن يكون شعره لم يستحكم[4]. نشأ ابن زهير في هذه البيئة الشعرية التي عمل والده على تقويتها إلى جانب أخيه الشاعر بُجير، وقد أدركا الإسلام فدخله بجير، لكن كعب لم يُقبل عليه، فهجا أخاه قائلاً:

ألا أبلغا عني بُجيراً رسالةً
فهل لك فيما قلت –ويحك- هل لكا

شربتَ مع المأمون كأساً روية
فأنْهَلَك المأمون منها وعلّكا

وخالفت أسباب الهدى وتبعته
على أي شيء –ويبَ غيرك- دلّكا

على خُلُق لم تُلفِ أماً ولا أباً
عليه ولم تدرك عليه أخاً لكا[5]

تعرض كعب لنساء المسلمين كثيرا، كما أنه فَحَشَ وشبّب بهن، لكنه في الأبيات السابقة بعدما هجا أخاه انتقل إلى هجاء الرسول عليه الصلاة والسلام، فلما بلغت هذه الأبيات النبي أهدر دمه وقال: من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله.[6]

كسا النبي كعبا بُردته إكراما لكعب على قصيدته التي صارت تسمى "البردة"

توبة العائذ بالرسول

لما فُتحت مكة كَتبَ إليه أخوه بُجير أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قتل كل من آذاه من شعراء المشركين إلا من أعلنوا إسلامهم، ودعاه أن يقدم عليه تائبا، فقدم كعب المدينة وبدأ بأبي بكر، فجاء به إلى الرسول بعدما سلّم من صلاة الصبح متلثما بعمامته، فقال: يا رسول الله، هذا رجل جاء يبايعك على الإسلام، فبسط النبي يده، فحسر كعب وجهه وقال: هذا مقام العائذ بك يا رسول الله، أنا كعب بن زهير، فتجهّمته الأنصار وغلّظت له لذكره قبل ذلك رسول الله، وأحبت المهاجرة أن يُسلم ويؤمّنه النبي فأمّنه، فأنشده مدحته الخالدة "بانت سعاد".

كسا النبي كعبا بُردته إكراما له على قصيدته التي صارت تسمى "البردة"، وحاول معاوية بن أبي سفيان لاحقاً أن يشتريها منه لكنه رفض بيعها، حتى اشتراها من أبناء كعب بعشرين ألف درهم، وكان يلبسها الخلفاء بعد معاوية في العيدين،[7] واستمر الخلفاء العباسيون في ذلك حتى ضاع أثرها مع اجتياح المغول بغداد وتدميرها.

نهج كثير من الشعراء في قصائد مدحية على نهج بردة كعب بن زهير مثل البوصيري وأحمد شوقي

رواية الأصفهاني

ورد في الأغاني لأبي فرج الأصفهاني[8] أنه عندما كاتب بُجيرٌ أخاه كعبا أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان مجلسه من أصحاب مجلس المائدة من القوم حلقة ثم حلقة ثم حلقة وهو في وسطهم، فيقبل على هؤلاء فيحدثهم، ثم على هؤلاء ثم على هؤلاء، فأقبل كعب حتى دخل المسجد فتخطّى حتى جلس إلى الرسول.
فقال: يا رسول الله الأمان.
قال: ومن أنت؟
قال: كعب بن زهير.
قال: أنت الذي يقول.. كيف قال يا أبا بكر؟ فأنشده حتى بلغ إلى قوله:

سقاك أبو بكر بكأس روية
وأنهلك المأمون منها وعلّكا[9]

فقال الرسول: مأمون والله،
ثم أنشده كعب: بانت سعاد. ولما وصل إلى قوله:

إن الرسول لسيف يستضاء به
مهند من سيوف الله مسلول

أشار الرسول إلى الحِلق أن يسمعوا شعره.

تتداول كتب التراث هذه القصيدة بكثرة، وتتبّع حكايتها كثيرون، وبثوها في الكتب القديمة باتفاق في مواضع واختلاف في أخرى، كالبداية والنهاية لابن كثير، وفي العمدة، وفي الشعر والشعراء، وغيرهم ممن روى تفاصيلها.

جماليات البردة

في الأدب العربي عشرات القصائد التي تبدأ بـ"بانت سعاد"، لكن "بردة" كعب أشهرها وأدورها على الألسن، لأنها ذات إيقاع يتناغم مع إلقاء جمالي بوزن على البحر البسيط.

استهلّ ابن زهير القصيدة بالغزل على عادة شعراء ذاك العصر يشكو فيها بُعدَ حبيبته، ثم الدخول في الغرض الأساسي وهو المدح، إذ إن عمود الشعر يقتضي أن تبدأ القصيدة بمقدمة غزلية أو وقفة طللية ينتقل بها الشاعر رويداً رويداً إلى هدف القصيدة وغايتها.

تدلّ القصيدة على تأثير الإسلام في نفس كعب الذي يستشفّ معاني الإسلام الروحية، وأنه أسلم طوعا وليس نجاة بنفسه.

معانيها رقيقة وألفاظها عذبة توحي بأن من يسمعها يعتقد أن الإسلام متأصل في قلب صاحبها، قديم في قلب قائلها، ليس حديث العهد به.

تتدرج القصيدة بانسيابية لغوية وتحكي عن سعاد؛ عن صفاتها الجسمانية والنفسية، حتى يبدي أسفه وندمه على معارضته الإسلام بعدما عدّه الناس مقتولاً بسبب ما بدر منه بالتعريض بالرسول والمسلمين:

يسعى الوشاة بجنبيها وقولُهم
إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول

وقال كل خليل كنت آمله
لا ألفينّك إني عنك مشغول

فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم
فكل ما قدّر الرحمن مفعول

تدلّ القصيدة على تأثير الإسلام في نفس كعب الذي يستشفّ معاني الإسلام الروحية

عفو مأمول

يتكشف من الأبيات السابقة إيمانه بالقضاء والقدر، وأنه لا رادّ لهما بعدما تمكن الإسلام من قلبه، حتى تبرز الحكمة الإلهية في الموت المحتم لكل فرد:

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
يوماً على آلة حدباء محمول

تأتي القصيدة مليئة بالمشاعر، فبعد مشاعر الحب لسعاد تتناغم فيها انفعالات تُصوّر خوفه وقلقه مقترنة بتجربة شعرية ثرية لكعب، ومخزون شعري جاهلي رصين يعتمد على الألفاظ الجزلة استمده من بيئته ومن والده الشاعر زهير، حتى يبدي ندمه على ما بدر منه متأملا العفو، وراجيا من الرسول ألا يستمع إلى أقوال الوشاة، وأنهم أكثروا من التقوّل عليه:

أُنبئتُ أن رسول الله أوعدني
والعفو عند رسول الله مأمول

مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة الـ
قرآن فيها مواعيظٌ وتفصيل

لا تأخذنّي بأقوال الوشاة ولم
أذنب ولو كثرت عني الأقاويل

ستبقى "بانت سعاد" محل نقاش وتحليل وتفسير وشرح، لأنها قصيدة متفوقة فنياً متميزة جمالياً وتحظى باهتمام ديني، لكن تلك الشروح والتفسيرات والنقاشات تتغير بتغير الأدوات، وتتطور الآليات مع تطور الزمن واختلاف معاييره، شريطة أن يبقى هذا النقد مقترنا بأصوله، ومراعيا الأدوات الفنية السليمة.

————

[1] للاطلاع على القصيدة كاملة راجع الرابط: https://bit.ly/2m88syk ويروى البيت الأول في الأغاني: متيّم عندها لم يجزَ مكبول، وكذا في ديوان كعب بن زهير، تحقيق علي فاعور (بيروت: دار الكتب العلمية، 1997)، ص 60.
[2] شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي 1: العصر الجاهلي، ط 11 (القاهرة: دار المعارف، د.ت.)، ص 304.
[3] ديوان كعب بن زهير، تحقيق علي فاعور، ص 5.
[4] أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، تحقيق إحسان عباس وإبراهيم السعافين وبكر عباس، ج 17، ط 3 (بيروت: دار صادر، 2008)، ص 64.
[5] شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي 2: العصر الإسلامي، ط 7 (القاهرة: دار المعارف، د.ت.)، ص 84.
[6] الأصفهاني، ص 66.
[7] ضيف، العصر الإسلامي، ص 85.
[8] الأصفهاني، ص 66-67.
[9] تختلف رواية البيت، ويروى كما سبق.