نقد سينمائي

"باي الشعب".. نهاية الأمازيغي الذي ثار على ظلم بايات تونس

 

د. أحمد القاسمي

هل من مصير تراجيدي أكثر حزنا مما لقيه علي بن غذاهم؟ هذا الثائر في وجه الظلم والحيف الاجتماعي لم يُخذل من الباي الذي منحه عفوا في منشور رسمي ثم أخلف وعده فقط، ولا من حلفائه الذين تفرقوا من حوله وتركوه وحيدا يواجه قدره، أو من شيوخ الطريقة التيجانية الذين لجأ إليهم فحسب، وإنما خذله القائمون على الأمور والمؤرخون والمبدعون أيضا، فظل منسيا بقرار غير معلن.

وهنا يولي الإبداع وجهه نحوه إليه أخيرا، ليُخرج أمان الغربي وسماح الماجري حول سيرته فيلم "باي الشعب"، من سيناريو شاكر بوعجيلة، ومن إنتاج الجزيرة الوثائقية، ويدوم نحو الساعة والنصف.

يدور الفيلم حول الانتفاضة الشعبية التي شهدتها تونس سنة 1864 بسبب ظلم البايات حكام الإيالة التونسية وقتها، ومغالاتهم في فرض نظام جبائي أفقر السكان، ثم تحولت سريعا إلى ثورة عارمة كادت تهز العرش الحسيني الذي حكم تونس لأكثر من قرنين ونصف في الفترة الفاصلة بين (1705 و1957م).

 

"الإعانة".. جباية البذخ التي أشعلت الثورة

لما كانت الأحداث التي يدور عليها الفيلم تاريخية أساسا، جعل المخرجان مقاربة الجامعيين المختصين في الحضارة الحديثة أو التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية سندهم، وكان فتحي القاسمي وآمال محفوظ وعبد المجيد الجمل والهادي جلاب وليلى التميمي البليلي ويامن حافظ وزهير إسماعيل وحمادي الدالي مرجعهم في تشكيل صورة علي بن غذاهم.

أراد المخرجان لهؤلاء المتخصصين دورا مزدوجا، فكانوا يعرضون الخبر أولا، وينظرون فيه نظرة تحليل وتحقيق تحاول وضع هذه الثورة في سياقها التاريخي، وفهم مجرياتها وشرح نتائجها ومآلها لاحقا.

فقد تورطت الدولة في ديون كبيرة لضرورة تحديث الجيش، تماشيا مع التحولات المتسارعة على الضفة الشمالية للمتوسط، حيث تعيش أوروبا ثورتها الصناعية، أو ربما تماشيا مع حياة البذخ التي أرادها البايات، ولم يجد الباي محمد غير خلق جباية جديدة سميت بـ"الإعانة"، وكانت تُفرض على الرجال البالغين لمساعدة الدولة على سداد قروضها.

وكان التقدير أن تكون إجراء استثنائيا وظرفيا، لكن تفاقم الأزمة المالية جعل خلفه محمد الصادق يأمر سنة 1858 بمضاعفتها بدل إلغائها، وهذا ما أضر كثيرا بعامة الشعب الذي يعيش الخصاصة بطبعه، وأفضى إلى انهيار الحرف والصنائع، وافتقاد المواد الأساسية، وخلّف كسادا تجاريا، فدفع الأهالي إلى التمرد على أعوان الباي المكلفين بالجباية المعروفين باسم "المخازنية".

وسريعا ما توحدت القبائل رغم ما بينها من الصراع، وتحولت ردودها إلى عمل منظم يراقب المسالك التي يجوبها المخازنية ويلاحقهم ويعيق وصولهم إلى حاضرة تونس، لقطع الصلة بين المركز والأطراف واستهداف رموز السلطة، فطُرد القادة المحليون ورفع السلاح وتأجج الغضب حتى تحوّلت إلى ثورة عارمة تجتاح عامة البلاد.

 

إعادة التمثيل.. بدائل الأرشيف المفقود

لقد اختار صنّاع الفيلم سردا وثائقيا كلاسيكيا، فكان البناء يعرض المعلومة التاريخية خطيّا، بداية من أسباب الثورة إلى انتشارها إلى مآلها، فيحاكي درسا في التاريخ، وكان المؤرخون يسعفون المتفرّج بالمعلومة التاريخية الدقيقة، وينزّلون الحدث المحلي في سياقه الإقليمي والعالمي.

لكن الفيلم لم يغفل عن انتمائه السينمائي بالأساس الذي يملي عليه مخاطبة العقل أو الوجدان عبر العين، وكان لا بد له من موارد بصريّة تكفل له شرعيّة الانتماء إلى هذا الفنّ، ولعلّ المعضلة هنا أنّ هذه الموارد شحيحة، فلا نكاد نجد صورا لهذا الثائر أو رفاقه، ولا مراسلات أو آثارا أو سجلات لثورته يمكن أن تثري المشهد. فلم يكن متاحا أمام المخرجين غير لوحات فنية قليلة تعرض صور البايات (أحمد باي، الصادق باي..)، أو تعرض قصر باردو، أو قصر أحمد باي في المحمدية، فضلا عن بعض الصفحات التي تشرح تدريبات جيوش أحمد باي بالمدرسة الحربية بباردو.

وكان لا بدّ للمخرجين من بدائل بصرية تأخذ المتفرّج إلى الحياة الاجتماعية الحيّة في هذه المرحلة من التاريخ التونسي، ليتمثل هذه الثورة أكثر ويكون أقرب إلى روحها. ومن هنا كانا مضطرين إلى اللجوء لجعل الممثلين يتقمصون الشخصيات الرئيسية، وإلى محاكاة سياقها التاريخي (الأسواق، الاجتماعات، المعارك)، حتى كاد الفيلم يتحول إلى النمط الوثائقي التخييلي.

المؤرخ والإصلاحي أحمد بن أبي الضياف الذي كان من حاشية الباي وكان مؤرخا للثورة في الوقت نفسه

 

صناعة المشاهد.. ضجيج من يوميات الماضي

جاءت المشاهد المتخيلة قصيرة تُعيد تجسيد الأحداث مشهديّا، فتأخذ المتفرج افتراضيا إلى الحياة اليومية في الأسواق، لتصوّر الخصاصةَ التي أضحى عليها الأهالي بسبب الضغوطات الجبائيةِ التي أصبحت قادحة الثورة ومبرر العصيان، أو ربما تأخذه إلى الخيم التي كان يجتمع فيها الثوار، أو تزج به في مشاهد من المعارك التي كانت تخاض في جبال طرزّة أو مدينة مساكن، بينما كانت مشاهد أخرى تجسد الإرباك الذي أضحى الحكم المركزي يعيشه، فتعرض اجتماعات الباي مع حاشيته ووزرائه.

وقد منحت المشاهد الفيلمَ قدرة على استدراج المتفرّج إلى المادة التاريخية بعد أن هجرها قارئا في المتون الورقية، وجعلته امتدادا لنمط تكاد أفلام "الجزيرة الوثائقية" أن تختص به، بعد أن أسس له فيلم "اغتيال فرحات حشاد"، وفيلم "محمد المنصف باي: نهاية عرش" اللذين واجها شح المواد البصرية بحيل مبتكرة تركت صداها في أفلام الذاكرة التي أنتجت لاحقا.

كان المؤرخ والإصلاحي ابن أبي الضياف يمثل همزة الوصل بين الفضاءين، وذلك بديهي، فقد كان من حاشية الباي، وكان في الوقت نفسه كان مؤرخ هذه الثورة في أثره "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان".

صورة حقيقية ونادرة لعلي بن غذاهم

 

هشاشة التمثيل وعبثية الديكور.. تساهل إخراجي

يدعونا الإنصاف إلى أن نلاحظ أنّ الموارد البصرية استُخدمت بكثير من التساهل في فيلم "باي الشعب"، فاختيار الممثلين لم يكن موفقا كثيرا، ولم يكن قريبا من ملامح الشخصيات الحقيقية مثل محمد الصادق باي وابن أبي الضياف ومصطفى حزندار وعلي بن غذاهم، خاصة أنّ ملامحهم معروفة عند العارفين بالتاريخ، كما أن الفيلم يجعل صور أغلبهم في خلفية الشاشة عندما يذكر المؤرخون بعض أدوارهم.

وقد جاء الأداء التمثيلي ضعيفا أيضا، فمن البديهي أن تعبّر المشاهد بواسطة الحركة أو ملامح الوجه، لكن الإيماءة جاءت عريضة تنزع إلى المبالغة على نحو مفتعل، ليذكرنا ببدايات السينما الصامتة، حين كانت تستقي فن توجيه الممثل بالتعويل على الموروث المسرحي، يُضاف إلى ذلك أن إخراج المشهد التمثيلي لم يسلم من بُعد فلكلوري جسدته ملابس الأهالي الأنيقة على بساطتها، والسلال الصغيرة الجديدة النظيفة التي تعرض البضاعة بشكل رائق ينافس طرق العرض في أحدث المحلات التجارية اليوم التي يتساكن فيها القديم والحديث لإغراء الزبائن، ويستفيد مصمّموها من تيار تشكيلي معاصر يعوّل على الفظ والخشن والوحشي في الرسومات، ليمنح حضوره قيمة مضاعفة للناعم.

ومنه إحضار حزم العلف المجفف (الشوفان أو القرط بالعامية التونسية) المرصف على نحو لا تستطيعه غير الآلات الحديثة. ولكن كيف لهذه الحزم أن تظهر في منتصف القرن التاسع عشر وعند السكان الفقراء، أنى لهم بها وآلات رصفها لم تصنع بعد في الغرب الأوروبي؟

زحف القبائل نحو مدينة تونس بقيادة على بن غذاهم

 

خريف الثورة وربيع الباي.. خيوط اللعبة السياسية

يعرّف الفيلم بشخصية فذّة وبثورة ظلت طيّ النسيان لأسباب كثيرة، وهذا ما يمنحه أهمية خاصّة، لكن أهميته المضاعفة تنشأ من فتنة السرد، فقد كان ينزّل الأحداث ضمن تحوّلات تمنحه مسارا سرديا، فيواجه علي بن غذاهم (الشّخصيّة الفيلميّة) أطراف الحكم والمكائد، ثم انفضاض الأنصار من حوله.

تعرض البداية وضعيات متباينة تفضي إلى التأزم، فالباي النهم للمال لا يعرف الشبع، والشعب المفقر ما عاد قادرا على تحمل المزيد من الضرائب. وتبدأ مرحلة الوسط بالعنصر القادح الذي يغير من نسق الأحداث ويدفع بها إلى التصاعد والمواجهة، فتتتالى المغامرات، ومنها تجميع القبائل وتنسيق جهودها في مواجهة "المخازنية"، لتنجح في إرباك العرش الحسيني، لكنها تفشل في الإمساك بخيوط اللعبة السياسية، فيربح علي بن غذاهم جولة حيلة القوة، لكنه يخسر في جولة قوة الحيلة، وينجح الباي في هزّ مكانته وتقديمه في صورة الانتهازي الذي يتخلى عن رفاقه بثمن بخس.

أما في النهاية فيتحول الربيع إلى خريف والحلم إلى كابوس، حيث يموت علي بن غذاهم الثائر في "كراكة حلق الوادي" أسيرا معذبا بينما كان الباي يستجمّ في هذه الضاحية الشاطئية. هكذا تضافرت عناصر القصّ، فمنح الفيلم بعدا حكائيا للتاريخ، ومنح أحداثه هوية سردية.

وتصل هذه المغامرة إلى المتلقي عبر صوت السارد الذي يرد من خارج الإطار، ويتقمص دور ابن أبي الضياف، فيملأ الفراغات التي تخلفها الشهادات، ويشرح بعضها أو يذكّر بسياقها بلغة أدبية متينة نحو: لم تزل المملكة في أيامه ينمو عمرانها ويكثر سكانها وتتقوى أعوانها وتظهر أعيانها، ويعظم شأنها إلى أن فجعت بموته فجأة ليلة الجمعة عيد الفطر من سنة 1813. فكانت مدة ولايته 33 سنة مرت كليالي السرور، وهي تمام سنّ الشباب في هذه الدولة.

وكثيرا ما يتحوّل الضيوف إلى رواة بشكل ما، فيتعاضدون في عرض مغامرة علي بن غذاهم الذي يتحدى الباي الظالم ويعمل على تقويض ملكه وتهديم عرشه، لكن بقدر ما كانت الحكاية شيقة كانت النهاية تراجيدية فاجعة.

علي بن غذاهم كان بسيطا يختلط بالعامة فيؤاكلهم ويجلس معهم على التراب

 

"اجتمعت القبائل على أن أكون عليها رئيسا".. رسالة إلى الباي

ينزل الفيلم شخصية على بن غذاهم ضمن سياق عام هو الثورة الشعبية التي شهدتها تونس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وذلك نتيجة لتفاعلات محلية وأخرى إقليمية ودولية. لذلك أسهب في تقديم هذا السياق، ثم أخذ يشكل صورة شخصيته الرئيسية منطلقا من انتمائه الاجتماعي، فهو ينتسب إلى قبيلة "ماجر" الأمازيغية المستقرة بالوسط الغربي التونسي، وينحدر من أسرة علم، ويتمتع بقدرة على الخطابة وعلى تجميع الأنصار وحشدهم، وعلى عقد الصلات بأعلام الطريقة الصوفية ذوي النفوذ في الحياة الدينية والاجتماعية.

بدأ صعود نجم ابن غذاهم إثر اجتماع 5 مايو/أيار 1864 في جبل طرزّة، ذلك اللقاء الذي وحّد كلمة القبائل المشتتة ضد الباي، وأعلن العصيان على الجباية المجحفة، والاستعداد للمواجهة العسكرية مع جيوش السلطات المركزية. وبظهوره وقدرته على تجميع الفرقاء استعرت نار الثورة، وانضم إليها الساحل بقيادة الدهماني البوجي الذي أُعدم لاحقا بعد وساطة من محمد السبوعي قائد قبيلة "جلاص"، فكان ناطقا باسم الحراك الشعبي.

ومن إيجابيات انتمائه إلى الوسط القبلي بساطته التي يسرت تواصله مع الأنصار، واكتسابه ثقة القبائل، فقد كان يؤاكل الناس ويجلس مع العامة على التراب. يقول في رسالته للباي: "اجتمعت القبائل على أن أكون عليها رئيسا"، وأمكنه أن يدفع بالثورة إلى ذروتها، حتى كان العرش الحسيني على مرمى قواته التي تلاحق قوات الباي المتقهقرة.

ومن المؤشرات على المكانة التي أضحى عليها بعد النجاحات العسكرية هو تواصل القناصل الأوروبيين معه، لاعتقادهم بأنه بات قريبا من انتزاع السلطة، فقد كان الفرنسيون يشجعونه على العصيان، بينما كان البريطانيون يثبطون عزائمه ويحذرونه من عواقب ما يقدم عليه.

ويعود هذا التضارب إلى التنافس البريطاني الفرنسي في الحوض المتوسطي، فبريطانيا تعمل على المحافظة على الوحدة الترابية للدولة العثمانية ضمن ما تسميه بـ"المحافظة على الوضع القائم" لتحرم منافستها فرنسا من مستعمرات جديدة في هذا الحوض، ومن موارد جديدة قد تخلّ بميزان القوى معها، أما فرنسا الراغبة في إضعاف الدولة العثمانية للاستيلاء على أراضيها فكانت ترى في هذه الثورة عاملا يخدم غاياتها البعيدة.

الباي بين مستشاريه في قصر باردو يخطط للإطاحة بعلي بن غذاهم

 

خديعة المفاوضات.. خذلان مأساوي لقائد الانتفاضة

يرد الفيلم فشل هذه الثورة إلى افتقار الثوار للخبرة والدهاء، فابن غذاهم اختار حرب المُناجزة، ولم تكن له ولرفاقه خطط بديلة غير الهجوم السريع والكاسح، بينما اختار الباي بتدبير من وزيره مصطفى خزندار حرب المطاولة التي تراهن على عامل الوقت، وذلك حتى يدبّ الملل في صفوف الخصوم، وتظهر الاختلافات الداخلية، وتتحول اللحمة بين القبائل إلى فرقة، فلم يرسل بجيشه للتصدي للمهاجمين، بل اكتفى بمراقبة الوضع.

وبالمقابل أرسل مفاوضيه وأعضاده من الطرق الصوفية، خاصّة مصطفى عزوز شيخ الطريقة الرحمانية بالجنوب، يعلمون بن غذاهم بمنحه الأمان، أو يوهمونه بذلك على الأقل، وأعلنوا تخلّي الباي عن قرار تضعيف الإعانة، السبب المباشر لاشتعال نار الثورة. فمثّل ذلك نصرا لدى فريق من أنصاره يوجب التراجع، ومثّل عند فريق ثان خديعة يجب التصدي لها.

ونتيجة لغياب التنظيم ولافتقار الحراك لأهداف دقيقة محدّدة سلفا ومتفق عليها، فقد تفرق شمل القبائل، فالجموع التي أعلنت عصيانها لا تعرف هل كان ما تفعله انتفاضة تستهدف بعض تنازلات، أم ثورة تريد السلطة؟

كما بدا علي بن غذاهم نفسه غير واع بأنه كان على مرمى حجر من السلطة. هكذا قبل التفاوض ثم وقع في مصيدة تحقيق المكاسب الشخصية، فطلب لنفسه ضيعة "الروحية"، وهي أرض قاحلة في الوسط الغربي حيث تستقر قبيلته، وطلب لشقيقه منصب قائد (حاكم قبلي محلي تابع للباي)، وبعض الوظائف لرفاقه، فوهن العزم من أنصاره وسقط رمزيا في أعينهم بعد أن تنكر لروح الثورة ولتضحيات أنصاره وقبل بالقليل ورفض الإصغاء إلى القائد فرج بن دحة الذي كان أكثر انتباها إلى خديعة الباي.

لم يبق من حلّ أمام بن غذاهم غير التقهقر والهروب إلى الجزائر، وهناك ضيّقت عليه السلطات الفرنسية المقام ليعود إلى الوطن منكسرا لا ينشد خلاصا جماعيا لقبائل نصّبته سيّدا عليها كما كتب في رسالته الأولى إلى الباي، وإنما يطلب حلولا فردية وصفحا من الباي بوساطة الطريقة التيجانية الصوفية. لكن قائدها الشيخ محمد العيد كان يسير في ركاب السلطة، فتخلّى عنه بإهمال لما وقع بين أيادي أعوان الباي، فاقتيد إلى باردو وعُذّب وعُرض في الساحات، ليتلقى الضرب من عامّة تظهر ولاءها للباي زلفة، ثم توفي في سجن حلق الوادي صيف 1867.

علي بن غذاهم عُرض على العامة في أغلاله، وذلك حتى يكون عبرة لكل من يفكر في التمرد على سلطة الباي

 

انتصار الأدب والسينما.. حرية الربيع العربي

إن قصة علي بن غذاهم التي عرضها الفيلم هي قصة مثيرة ومؤثرة في الوقت نفسه، فشخصيته تدعو إلى الإعجاب لشجاعتها، لكنها تُصيبك بالخيبة لتخليها عن أهدافها الكبرى بثمن بخس، أو تُصيبك بالأسى للنهاية التراجيدية التي انتهت إليها. لكن لماذا تجاهل التونسيون سيرة هذا الثائر لأكثر من قرن ونصف؟ وهل يعود إلى ذلك الدنس الذي عكّر صفاء بطولته وأفسد رمزيته؟ ولماذا هذه الهجمة على سيرته اليوم لتؤلَف حوله الأعمال الفنية المختلفة؟

لقد كتبت حول بن غذاهم روايتان بعد ثورة 2011، وهما "باي العربان" لجمال الجلاصي (دار زينب، 2015)، و"عام الفزوع" لحسنين بن عمّو (دار نقوش عربية، 2018). ثم أخرج محمد علي بالحارث مسلسلا إذاعيا حول سيرته في شهر رمضان 2020، كما نُشرت أخبار عن قناة تُعد حوله مسلسلا تلفزيونيا، وسعى المرحوم شوقي الماجري إلى اقتباس سيرته ضمن السينما الروائية.

هل كان علي بن غذاهم من المحظورات التي حرّرتها الثورة؟ وهل كانت سيرة الثائر تزعج السلطات، خاصة وأن قبيلته كانت من أنصار صالح بن يوسف خصم بورقيبة فجر الاستقلال؟ لا شك أن طرح هذه الأسئلة كان جديرا بجعل الفيلم أكثر عمقا وأكثر تفاعلا مع الراهن.

ذات صلة