نقد سينمائي

بلد البؤس والتناقضات والمُهمشين

 
محمد موسى 
كما حَدَثَ قبل عامين، عندما انتهزت قنوات تلفزيونية ومخرجين تسجيليين مناسبة تنظيم كأس العالم في البرازيل ليوجهّوا عدساتهم ويركزوها على البلد الأمريكي الجنوبي الأكبر في مساحته وعدد سكانه، يتكرر الأمر عينه مع الأُولمبياد المُتواصل اليوم في مدينة ريو جانيرو البرازيلية، فالعديد من القنوات التلفزيونية الأوروبية تبحث منذ أسابيع في تقاريرها التلفزيونية المتواصلة من هناك، عن صور البلد المُهملة والغائبة وقضاياه الملحة، وسط بهرجة وحُمّى الاحتفال بالأولمبياد، في حين ألهمت المناسبتين الرياضيتين العالميتين، مخرجي أفلام تسجيلية من جنسيات عدّة للتوجّه إلى هناك، وتسجيل وتحقيق في قصص برازيليين يعيشون على الهامش تماماً على أطراف المدن البرازيلية العملاقة.
 
والحال أن هذا الاهتمام الإعلامي العالمي بأحوال البرازيل، لا يحركه نوايا تتقصد المناكفة أو الإساءة لصورة البلد الجنوب الأمريكي، والذي قطع خطوات كبيرة في إصلاح بينته الاقتصادية والسياسية في العقدين الأخيرين. على العكس اختارت معظم الأفلام التسجيلية والتحقيقات التلفزيونية صف الموطن البرازيلي المُهمّش.
 
 كما شجّع قيام البرازيل باستضافة حدثين رياضيين مهمين مشاريع تسجيلية تبحث في تناقضات البلد الحادة، والأحمال التي مازال ينوء تحتها المجتمع البرازيلي، ووضعها إلى جانب نجاحات البلد وما وصل إليه على مشرحة التحليل والنقد.
ومن الأفلام التسجيلية الأخيرة التي تتقاطع في مواضيعها وتركيزها على عوالم المهمشين البرازيليين فيلمي: ”القتال من أجل السلام“ للمخرجين مغس غافان وجوست فان دير فالك، و ”في ظلّ التل“ باكورة المخرج الأسترالي الشاب دان جاكسون. صور الفيلمان في الأحياء غير الشرعية التي تحيط كحزام بالعاصمة البرازيلية ريو جانيرو، وربما تقاطعت دروب المخرجين في الواقع وهم يلاحقون شخصياتهم وهي تواجه التحديات الأصعب في حياتها. كما بدا أن الفيلمين مبهورين بحيوية أحياء الفقر تلك، وتمسُّك سكانها بالحياة، وبحثهم عن السعادة، رغم العنف المختبيء وراء كل ناصية هناك.
ماذا حدث لـ“أماريلدو دي سوزا“..؟
يعثر المُخرج الأسترالي الشاب على موضوع فيلمه التسجيلي الأول في قصة البرازيلي ”أماريلدو دي سوزا“، والذي اعتقلته الشرطة البرازيلية أثناء إحدى حملاتها في عام 2011. لم يعد ”دي سوزا“ إلى بيته، فيما زعمت الشرطة أنها أطلقت سراحه بعد ساعات من استجواب روتيني. سيتحول البرازيلي الذي كان يبلغ من العمر الاثنين والأربعين عاماً وقت اعتقاله إلى رمز لقسوة القوى الأمنية، وسيركز الإعلام على قصته، خاصة بعدما تكشف أن لا علاقه له بمافيات تجارة المخدرات، وهي التهمة التي ألصقتها به الشرطة البرازيلية.
 
يبدأ فيلم ”في ظلّ التل“ بمشاهد مُخيفة لدوريات من الأمن الحكومي وهي تتنقل بأسلحتها الخفيفة والثقيلة في وسط أحياء غير شرعية، وكجزء من حملات مازالت متواصلة لاسترجاعها من سلطة عصابات المخدرات. تمهد المشاهد تلك للفيلم الذي يصوب نقده باتجاه قسوة البوليس الرسمي بالدرجة الأساس. وقبل أن يصل المخرج إلى عائلة ”دي سوزا“، سيكون قد مرَّ بمشاهد متنوعة بشكلها الفنيّ وما تعرضه، على صور ويوميات الحياة في أحياء الفقراء غير الشرعية. تخرج كاميرا الفيلم أحياناً، وكحال الفيلم الآخر، خارج المساحات الجغرافية لأحياء العشوائيات وتصور شخصياتها في أحياء الطبقة الغنية، لتبرز التناقضات بين أنماط العيش في البلد. والتي تعكسها الفضاءات المفتوحة والمرتبة لأحياء الميسوريين، وانغلاق وضيق الشوارع الصغيرة العشوائية التي تقود لبيوت الفقراء. 
 
لم يكن من أهداف الفيلم فك لغز اختفاء ”دي سوزا“ ، فهذه مهمة أكبر بكثير من إمكانات المخرج، الذي سنرى انعكاس لصورته على زجاج أحد المحلات عندما كان يصور وحيداُ بكاميراته الصغيرة وبدون فريق تقنيّ يرافقه.
بيد أن الفيلم سيجد خطه المؤثر والمهم في ربط محنة عائلة ”دي سوزا“، بمحيطها الواسع، مركزاً على بطش القوى الأمنية، التي تثير الفزع في تلك الأحياء بالقدر نفسه الذي تسببه عصابات المخدرات. في موازاة تتبع مسيرة عائلة ”دي سوزا“ وهي تحاول أن تحصل على أجوبة تخص ما حدث لوالدها (لم يعثر عليه لليوم)، يسجل الفيلم بمشاهد حيوية مُعبرة الحياة اليومية في حي ”روسينها“ غير الشرعي، كاشفاً في تلك المشاهد عن أزمات البرازيل العميقة، التي لا يُمكن تغطيتها خلف شعارات البلد البراقة، ونجاحاتها الاقتصادية في السنين الأخيرة، والاعترافات الدولية التي تم ترجمتها بمنحها فرصة تنظيم مناسبيتين رياضيتين كبيرتين.
وعلى الرغم من أن المخرج الشاب لم يكتشف قصة ”دي سوزا“ بنفسه، فالإعلام البرازيلي وحتى الدولي كان قد سبقه إليها، الا أنه في المقابل يوفر منصة تسجيلية مهمة لتلك القصة، ويمنحها الوقت والانتباه لكي تصل بكثير من مفرداتها وتفاصيلها وخلفياتها. هذا سيرفع الفيلم في النهاية لمرتبة أعلى من التغطيات التلفزيونية العابرة. يزداد عبر زمن الفيلم المساحة التي يمنحها المخرج لعائلة ”دي سوزا“ للحديث، وسيصل مع تلك العائلة إلى ذروات عاطفية كبيرة، بخاصة في مشاهد الاحتجاجات العامة التي شاركت فيها العائلة. وحتى عندما يصل الفيلم إلى خاتمته دون أن يوفر إجابات عن مصير ”دي سوزا“، كانت معالجة المخرج كافية لفهم أوسع لما يمكن أن يكون وقع فعلاً للشخصية الرئيسية.
 
لَكمة في وجه الفقر
لا يرتكز فيلم ”قتال من أجل السلام“ على حادثة شهيرة كحال الفيلم السابق، لكنه يجمع في المقابل قصصاً صغيرة من حي غير شرعي في مدينة ريو جانيرو ليشكل صورته البانورامية الواسعة والقاسية عن الحي وسكانه. ينطلق الفيلم من مدرسة لتعليم صبيان وشباب من الحي الملاكمة، على أمل أن تنقذهم هذه الرياضة من الفقر والانخراط في الجريمة المنظمة، ثم يرافق عائلتين لملاكمين من هذه المدرسة، واحدة منها تعاني من إدمان ابنتها الشابة على المخدرات، والأخرى ترزح تحت هموم الفقر والحاجة، ليغدو أملها الوحيد بالنجاة معلق بالإبن الذي التحق بمدرسة الملاكمة.
 
وبغياب خطوط سرديّة قوية، يتمسك الفيلم بقصة الفتاة المدمنة والتي سيحتل مصيرها أهمية تزداد مع تقدم الزمن في الفيلم. يذهب الفيلم إلى المكان الذي تبيت فيه الفتاة في الشارع، ويصور من هناك مشاهد قاسية للغاية من حياة المدمنين في مدينة ريو جانيرو. تبيع الفتاة جسدها يومياً من أجل الحصول على المال لشراء المخدرات. وعندما تنجح عائلتها بإقناعها بالتوجه إلى عيادة خاصة لمعالجة الإدمان على المخدرات، تبقى هناك بضعة أيام فقط قبل أن تهرب وتعود إلى الشارع الذي أتت منه، والذي لن تكون قادرة على الصمود فيه لأشهر طويلة حسب مختصين. خيبة العائلة في ابنتها يقابلها فخرها بنجاح الإبن في مدرسة الملاكمة، وفوزه ببعض النزالات.
 
يختار المخرجان لونا قريبا من الأحمر الفاتح كلون سائد لشكل فيلمهما. يعكس هذا اللون من جهة الجو الحار في البلد، ومن الجهة الأخرى لون الخطيئة والعقاب والدم. يتنقل الفيلم بين شخصياته الذين يجمعهم الماضي والمصير الواحد وربما المستقبل نفسه. كما يفرد الفيلم مساحة لصاحب فكرة مدرسة الملاكمة، الذي افتتح الفيلم زمنه بمشهد له وهو يمسك صورة فوتغرافية لأول مجموعة شباب التحقت بالمدرسة قبل أعوام. يَعُدّ المدرب أربعة شباب في الصورة قتلوا في عنف الشوارع في البرازيل، وهناك من كان في الصورة، من يقضي اليوم عقوبات في السجن. إذ أن المدرسة ورغم نجاحها في تغيير أقدار مجموعة كبيرة من الملتحقين بها، فشلت في إنقاذ جميع الذين مرّوا بها.