نقد سينمائي

بين عُمران الأجداد والأحفاد.. أصالة تُدرّ ذهباً وجديد يُنتج خشباً

د. الحبيب ناصري

نجد ونحن نتأمل الدول المستقطبة للسيّاح عالميا، أن العديد من الدول العربية جعلت من قطاع السياحة موردا ماليا لجلب العملة الصعبة التي تحتاجها لشراء حاجياتها، لا سيما إذا علمنا أن معظم الدول العربية إن لم نقل كلها، هي خارج سؤال التصنيع التكنولوجي والعسكري والطبي، مما يجعل من السياحة موردا ماليا مهما لها، دون أن ننسى بطبيعة الحال أن هذا القطاع هو قطاع سياسي وثقافي أيضا، لأننا نقول للعالم أجمع إننا بلد آمن ولنا رصيد ثقافي وحضاري له قيمته ووزنه.

وفق ما سبق نتساءل: هل نعي في عالمنا العربي -لا سيما الدول التي تجعل من السياحة موردا رئيسيا لها مثل المغرب وتونس ومصر ولبنان وسوريا والأردن والعراق- أن هذه السياحة في جوهرها هي من مخلفات الأجداد، سواء تعلق الأمر بالبنايات التاريخية أو طبيعة الغناء أو الرقص أو الأطعمة أو الألبسة؟ من أسس وبنى هذه البنايات التاريخية التي يصطف السياح الأجانب لزيارتها؟ ومن صمم هذه الألبسة التقليدية التي يقتنيها السائح؟ ومن ابتكر هذه الأطعمة الصحية التقليدية اللذيذة التي تهز ذوق السائح وتجعله يدفع مما جمعه من مال لفائدة هذا المطعم المغربي أو التونسي أو المصري أو الأردني؟ ومن غنى وعزف هذا الغناء الشعبي القديم؟

عديدة هي الأسئلة التي تتداعى وتتزاحم راغبة في الخروج إلى العلن، لتقول لكل هذه الدول العربية من المحيط إلى الخليج، إن أجداد الأمس تركوا إرثا ماديا ومعنويا ما زال مصدرا خصبا لعيش العديد من الفئات العمرية لبلداننا العربية، إلى حد طرح سؤال محرج ومخلخل لنا جميعا كعرب من مياه المحيط إلى مياه الخليج وهو: ماذا بنينا وأضفنا وصنعنا نحن في زمننا الحالي لنتركه للأجيال القادمة لتجعل منه مصدرا من مصادر الحياة؟

لا داعي للنبش في جواب مضمر ومعروف ومسكوت عنه، يكفي هنا أن نجيب ونعمق الإجابة بكون الأجداد العرب القدامي الذين صنعوا المعمار والطرب الأصيل وآلاته العريقة وطعاما لذيذا وألبسة جميلة معبرة عن سمو ذوق، وصمموا حدائق وبنايات مازالت شامخة وجالبة لسياح هذا العالم، ليس في بلداننا العربية فحسب، بل حتى في بعض بقاع هذا العالم (مثل بلاد الأندلس). كل هذا، يجعلنا نُقر ونؤكد أن سياحتنا العربية اليوم هي في الأساس إرث تركه الأجداد.

صورة لقبور السعديين في مراكش

معمار الأجداد ومعمار الأحفاد

يكفي أن نتجول في كل البلدان العربية لمعرفة طبيعة الإرث المعماري العربي الذي تركه العرب الأجداد، كي نقف على حقيقة وطبيعة هذا المعمار المتميز بالعديد من الخصوصيات الشكلية والمضمونية، وأقل ما يمكن قوله عن هذا المعمار إنه منحوت من مواد طبيعية غير ضارة بل صحية تعيش مع الزمن، ودليلنا هنا كونها مازالت شامخة بهية مقبلة ومستقبلة لمن زارها معلنة شموخها، مما يجعلنا نستسلم لهذا الجمال.

معمار الأجداد معمار جميل بهي متين قوي شامخ، تمكن من البقاء والصمود أمام كل المتغيرات المناخية وأمام كل أشكال النهب والبطش الذي تعرض له من لدن الأحفاد، وعلى الرغم من كل هذا، فهو اليوم مصدر للحياة ومصدر نمرر من خلاله خطابا مفاده أن جدي كان عاشقا للجمال، واعيا بقيمته جامعا فيه بين دنياه وآخرته، مخلصا في بنائه ومطبقا لتعاليم دينه فيه.

لنقف أمام أي معمار قديم في أوطاننا العربية لنشعر بطبيعة ما قلنا، فالوقوف بجانب بناية تاريخية قديمة (صومعة، قصر، حديقة، رياض، سور)، يُصيبنا بنوع من الاهتزازات الوجدانية، إلى حد الشعور بأننا فعلا كنا أمة عظيمة، ومن هنا تبدأ الأسئلة في التناسل: ماذا وقع؟ ولماذا لم نعد كما كنا؟

جماليات شكلية ومضمونية وقيم عديدة، من الممكن استخلاصها ونحن نقف بجانب أي معمار قديم تركه الأجداد، ويزداد الإحساس بقيمة هذا المعمار حينما نجده مادة فيلمية وثائقية أو فيلمية روائية في عمل فني عربي أو أجنبي.

وقوفنا بجانب معمار الأجداد علاج نفسي لزمننا العربي الحاضر والمهزوم في كل مناحي الحياة، تأمل ما تركه الأجداد، إنه ملهم لنا جميعا، بل هو مصدر رزق لشعوبنا العربية، ومن خلاله يمرر الجميع رسالة مفادها عظمة وقيمة هذا المعمار الدال على كوننا أمة الجمال والبهاء وليس أمة العنف والإرهاب، كما يحاول العديد من بني جلدتنا وجلدة غيرنا أن يصورنا، فمَن بنى هذا الجمال وتفنن في زركشته مِن الصعب أن نخندقه في بقعة ظلام، بل إن الضوء المتسرب من نوافذ معماره هو حجة نوره وعلمه وعشقه للحياة.

أزقة ودروب ونوافذ وبنايات ومنازل وأسوار تاريخية مميزة ومبدعة للمدينة العربية التاريخية التي تصطف فيها أفواج عديدة من السياح، راغبة في الاستمتاع بزمنها العربي التاريخي وما أبدعته يد الحرفي من أشكال هندسية وألوان متناسقة ومؤثرة في النفوس.

بُنيت المدينة العربية القديمة بمثل هذه المكونات المعمارية، وهي اليوم شاهدة على زمنين عربيين متناقضين، زمن معماري عربي قديم خلق من رحم الفن والجمال، وزمن معماري عربي حال يرغب في التشبه بمعمار الغرب، فلا هو نقله كما هو عند الآخر على الرغم مما لهذا النقل من مساوئ عديدة، ولا هو طور ما ورثه من معمار عربي راق وجميل بشهادة الصديق والعدو، مما جعل معماره بين هذا وذاك، ومن هنا وقع ما وقع لمدننا العربية الجديدة.

نستخلص قيمة المعمار العربي في جعل السياحة العربية وجهة من وجهات العالم السياحي المفضلة، على الرغم مما لحق هذا المعمار من بطش وعنف بشكل مقصود أو بشكل غير مقصود، غيَّر العديد من ملامحه الحقيقية، مما جعلنا ندرك قيمة حمايته وترميمه والحفاظ عليه بواسطة العديد من المؤسسات المختصة في المجال، بل إن بعض جوانب هذا المعمار نستعين بمؤسسات دولية مختصة لجعله تراثا إنسانيا عالميا للحصول على موارد مالية قادرة على حمايته.

معمارنا اليوم هاجسه التنافس على من يبني أكبر برج

معمار الأحفاد.. هاجس الربح

لن نبخس قيمة أحد، لكن ومن السطور الماضية ندرك، نحن أحفاد اليوم، أن معمارنا الحالي بُني على هاجس الربح (البناء بأقل كلفة والبيع بأعلى ثمن)، مواده نعرفها جميعا، مدة صلاحياته قد تجد أجوبتها في تلك الشقوق العديدة التي يصاب بها، وأحيانا قبل البدء في استغلاله.

معمارنا اليوم هاجسه التنافس على من يبني أكبر برج، لكن هل حياتنا في هذه العمارات الشاهقة الحابسة للأنفاس والكاشفة للأسرار نموذج يستحق أن يُزار من لدن سائح آت من بلاد هي بدورها تحتضن للعديد من الأبراج والعمارات، إلى درجة تسميتها بناطحات السحاب؟

معمارنا اليوم لا يجلب سائحا ولا يجذب عينا ولا يمارس سلطة الجمال على الناظر. يكفي أن نتساءل ما المعمار الأكثر انتشارا في شبكات التواصل الاجتماعي؟ هل سبق أن التقطت عزيزي القارئ صورة بجانب عمارة جديدة؟

يكفي اليوم أن تستسلم كاميرات هواتفنا الذكية وبسرعة من أجل التقاط صورة جميلة لسور تاريخي من التبن والتراب، أو لصومعة حسّان التاريخية بالرباط مثلا عوض التقاط صورة بجانب عمارة مكونة ولو من عشرات الطوابق. هل نسير بمعمارنا الحالي هذا نحو ترسيخ أزمة معمارية سكانية من الممكن أن تساهم في توليد العديد من الأزمات النفسية والاجتماعية والأخلاقية؟

من الصعب اليوم أن يأتي وفد سياحي ويقوده مرشد سياحي لزيارة عمارة شاهقة. سؤال المعمار الجديد اليوم، هو خارج سؤال اهتمام السياحة الداخلية أو الخارجية، مما يجعل فعلا من السياحة العربية اليوم، سياحة مبنية أساسا على معمار الأجداد.

إحدى أطباق الطعام المشهورة في المغرب العربي؛ الكسكسي

مكونات السياحة العربية

ما قيل عن المعمار العربي بين زمنين متناقضين، يمكن تعميمه على العديد من المكونات السياحية الأخرى التي تركها لنا الأجداد وما زالت دولنا العربية تجني منها العديد من أشكال الربح المادي والمعنوي. وفيما يلي نماذج قليلة منها، لأن لائحة ما بنيت عليه سياحتنا العربية المتصلة بالأجداد يصعب حصرها.

1-  اللباس العربي:

ما زال اللباس العربي المتعدد الأشكال من المحيط إلى الخليج، يشكل مصدر إعجاب واهتمام السائح الأجنبي، لما له من جمالية شكلية وقيمة مضمونية. فالمواد التي يتكون منها اللباس طبيعية وصحية وتعطي لمرتديه تلك الجاذبية الجميلة، وهنا نستحضر على سبيل المثال الجلباب المغربي التقليدي الخاص بالرجال والنساء، فهو اليوم مصدر دخل للعملة الأجنبية المساهمة في تحسين دخل المغرب المالي.

2-  الأطعمة العربية:

هل من الممكن أن يزورنا سائح أجنبي في بلد عربي ولا يتناول طعاما تقليديا لذيذا؟ هل يصمد ذوق الأجنبي ليستمر في تناول طعامه المألوف في فندق عربي دون أن يسأل عن طعام تقليدي عاش وصمد لمدة زمنية طويلة؟ هل يمكن لزائر الشام أو لبنان أو العراق أو تونس أو المغرب أن يمكث دون تناول طعام الكسكس مثلا؟

3-  الغناء التقليدي:

لن يصمد سائح أمام مشاهدة رقص عربي تقليدي في بلد من البلدان العربية. كل مكونات الغناء العربي الجماعي توحي بالفرح، بل حتى مضامين الألم تُقدم في سياقات الجمال، بل هي خطاب ثقافي خصب مصحوب بآلات موسيقية نُحت العديد منها من الطبيعة الموجودة في ذلك المكان الذي منه ولدت تلك الرقصة أو تلك الأغنية الشعبية.

4-  تقاليد وعادات عديدة

عديدة هي التقاليد والعادات التي تشكل اليوم مجالا غنيا تنتعش من خلاله السياحة العربية، لا سيما في تلك البلدان العربية التي بُني اقتصادها على السياحة، ومنها تستمد العملة الصعبة التي تلبي حاجاتها. فتقاليد الأعراس والولادات والمناسبات الدينية وطرق السقي الجماعي، كلها اليوم مجسدة في العديد من المتاحف المستقبلة للسياح الأجانب، فلمن تعود هذه التقاليد والعادات العديدة والمميزة للشعوب العربية في مساراتها التاريخية والاجتماعية؟

5-  مخطوطات من ذهب:

مخطوطات العرب العلمية والفقهية والأدبية والفنية عديدة ومتنوعة، ويحتفظ بها في صناديق زجاجية داخل متاحف عديدة. وعلى الرغم مما تعرضت له هذه المخطوطات من تهميش، فإن الكثير منها ما زال شامخا ومعبرا عما أبدعته يد الأجداد. ويدرك السائح ومنذ النظرة الأولى لهذه المخطوطات أنها قديمة وتاريخية ومثيرة وجذابة، مما يجعله يلتقط العديد من الصور الجميلة والمعبرة والمؤرخة لزيارته لهذا المخطوطات.

6-  زرابي وبازارات عربية جميلة:

ما قلناه عن المكونات السابقة يمكن قوله هنا عن الزرابي العربية (المنقوشات) المميزة بما نسجته الأيادي العربية، زرابي تميز الخريطة العربية بكل حمولاتها الهندسية الثقافية الشعبية المتعددة، والتي هي اليوم مصدر خصب ليس فقط لخزاناتنا المالية العربية، بل خصبت مخيال العديد من التشكيليين العرب والعجم. حلي ونقوش عربية قديمة مبثوثة هنا وهناك في "بازارات" المدينة القديمة، حيث نجدها بين الفينة والأخرى مكتظة بالسياح الراغبين في اقتناء ما أعجبهم منها، مما يؤكد فعلا أننا أمام إرث ثقافي عربي عريق تلاقح مع كل الحضارات التي مرت من بلاد العرب.

يمكننا القول إن الأجداد العرب القدامى ما زالوا يطعموننا مما تركوه من إرث ثقافي متعدد المكونات والأشكال والمحتويات، وهو إرث ساهم ويساهم في تزيين وتجميل سياحتنا العربية، وتحقيق عملة صعبة تُحوّل من أجل اقتناء حاجياتنا التقنية والطبية والعديد من المكونات الغذائية والعسكرية في زمن عقم عربي انشغل بالتطاحن الطائفي والمذهبي، ودون قدرة على تطوير عقله الذي جمده لأسباب تربوية وعلمية وسياسية وثقافية، ليس هنا مكان تفصيل القول فيها.

وعلى أمل أن يفتح باب البحث العلمي والمعرفة والنقد وثورة حقيقية على كل أشكال التخلف والقهر والظلم، وجعل الإنسان العربي مصدر كل تفكير، منه تنطلق المبادرات وإليه تعود لتقويمها وجعلها منطلقا حقيقيا نحو حقبة زمنية تنظره، وإلا فكم من الوقت ستبقى بنايات الأجداد وما حولها قادرة على أن تطعمنا نحن والأجيال الجديدة التي همها الوحيد الاستهلاك التكنولوجي الأعمى دون البدء في طرح الأسئلة الفلسفية الكبرى الدافعة نحو خلخلة التخلف الحالي وفتح أبواب نهضة عربية حقيقية من المحيط إلى الخليج.