نقد سينمائي

ترامب.. الاضطراب الأكبر في تاريخ أمريكا

 

محمد موسى

عُرض فيلم "ترامب.. داخل أعظم اضطراب سياسي في التاريخ" (Trumped: Inside the Greatest Political Upset of All Time) في دورة مهرجان سندانس السينمائي الأمريكي في يناير/كانون الثاني 2017، وهو في الوقت نفسه الذي كان دونالد ترامب يستعد فيه لحفل تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة، ليسابق العمل التسجيلي الذي يستعيد الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة لطبع بصمته الخاصة على الأحداث التاريخية الشديدة الإشكالية.

يُظهر مشهد نهاية الفيلم المصافحة التي غلفها عدم الارتياح والتوتر بين الرئيس السابق أوباما الذي كان يرحب بالرئيس الجديد في البيت الأبيض، حيث فصل هذا المشهد ووصول الفيلم إلى العرض في المهرجان السينمائي الأمريكي المعروف أيام قليلة فقط.

سباق مع الزمن

تؤثر العجلة كثيرا على ما كان يُمكن أن يكون عملا تسجيليا فذا، لما يرتكز عليه الفيلم من مواد أرشيفية شديدة الإثارة وأحيانا الجمال والندرة حيث سجل وقتها البرنامج السياسي الحواري التلفزيوني "السيرك" (يعرض على قناة شوتايم الأمريكية) والذي يشكل المادة الأولية والأساسية للفيلم إلى جانب مشاهد أرشيفية من مصادر أخرى تُظهر بداية الطموح السياسي لـترامب ومنافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون.

وبينما تنتظر بعض الأعمال التسجيلية سنوات حتى تتشكل رؤاها الخاصة لمواضيعها، يستعيد مخرجو هذا الفيلم التسجيلي الحدث السياسي العاصف وهم مازالوا فعليا على مسافة صفر منه.

الفيلم من إخراج كل من تيد بورن وماري روبرتسون وبانكس تارفير، ومن إنتاج قناة "شوتايم" الأمريكية وعرض فور الانتهاء منه على شاشاتها الأمريكية، وهذا يفسر السرعة في تنفيذه، إذ إن هذا الفيلم هو أحد نتاجات مصنع التلفزيون الذي لا يتوقف، حيث تكون حسابات مثل التروي والانتظار ثانوية مقابل تسجيل سبق تلفزيوني، ويتجه الاهتمام دائما لعرض مواد نادرة قبل فوات مناسبتها.

يسجل الفيلم محطات من الانتخابات الأمريكية الأخيرة مُركزا على معسكر الحزب الجمهوري

ترامب يهزم الخصوم

تبلغ مدة الفيلم 110 دقائق، وتتميز مشاهده بأنها تعود إلى كواليس الانتخابات الأمريكية التي كانت غريبة ومفاجئة على كل المقاييس، سواء بتفاصيلها وتخليها عن الكياسة الاجتماعية أو بتطوراتها الدرامية ونتائجها التي لم تكن محسوبة، كل هذا يقف وراءه رجل واحد قلب مفاهيم السياسة الأمريكية على رأسا على عقب وهو دونالد ترامب.

يسجل الفيلم محطات من الانتخابات الأمريكية الأخيرة مُركزا على معسكر الحزب الجمهوري، فيعود إلى الزمن الذي كان الإعلام الأمريكي يناقش التكهنات عن دخول ترامب السياسة، ثم يرافقه وهو يهزم خصومه الجمهوريين الواحد تلو الآخر على فرصة الترشح عن الحزب الجمهوري في السباق الرئاسي للولايات المتحدة.

ويبقى الفيلم مع ترامب أثناء تنافسه مع هيلاري كلينتون في حملة كانت أبعد ما تكون عن التقليدية، ويرافقه حتى إعلان نتائج الانتخابات، مسجلا فرحه بالفوز وعائلته، وفي المقابل مشاهد موازية للدموع التي كان يسكبها مؤيدو الحزب الديمقراطي على خسارة مرشحتهم، ومنهم مقدمو برنامج "السيرك" نفسه الذين لم يخفوا توجهاتهم السياسية كما يُنتظر من مقدمي البرامج التلفزيونية، حيث يمتنعون عادة عن الإفصاح عن مواقفهم السياسية.

يُواجه الفيلم التسجيلي صعوبات جمّة وهو يحاول أن يجد موقعا لمشاهد مقدمي برنامج السيرك ضمن سياقاته

من وراء الكواليس

لم ينفرد الفيلم التسجيلي بالكثير من المشاهد الخاصة لمناسبات عامة، ربما لأن هذه الانتخابات كانت على الأرجح الأكثر تغطية إعلامية في تاريخ الانتخابات الأمريكية، بيد أن الفيلم يختلف في معظم مشاهده عن معظم التغطيات التلفزيونية لجهة زاوية النظر وموقع الكاميرا، حيث التقطت كاميرات فريق البرنامج التلفزيوني "السيرك" أثناء تغطياتها للانتخابات الأمريكية مشاهد نادرة من اللقاءات الجماهيرية الضخمة لـترامب.

هذه المشاهد ميزت الفيلم التسجيلي، كالمشاهد التي كانت تصور ترامب وهو ينتظر قبل مقابلة الجمهور في ملعب رياضي، أو تلك التي تظهر أفراد عائلته يقفون جانبا في أحد التجمعات الكبيرة لوالدهم، لتراقبهم وهم يوزعون نظرات الإعجاب بين الجمهور الكثيف ووالدهم.

ومن بين المشاهد المهمة في الفيلم تلك التي صورت ترامب في طائرته الخاصة يتنقل بين مدينة أمريكية وأخرى ضمن حملته الانتخابية، إذ سمح فريق ترامب لأحد مقدمي برنامج "السيرك" بمرافقته، فصور بكاميرا هاتفه الطائرة الفخمة من الداخل، وهناك المشهد الطويل الآخر لترامب وهو يتكلم بطريقته الإمبريالية التي تقترب من الوقاحة عن هيلاي كلينتون، والذي صُور من أحد منازل ترامب الفخمة.

جمع الفيلم مجموعة ممتازة من المشاهد القصيرة التي تظهر ردود أفعال مؤيدي ترامب على خطبه في تجمعات عامة، مُظهرا همجيتها وعنفها أحيانا، كما كانت الشجارات بالأيدي بين مؤيدين ومعترضين على ترامب الجدليّ صنو تلك التجمعات.

حضور مقدمي البرنامج التلفزيوني ذاك -جون هايلرمان ومارك هالبرين ومارك ماكينون- في الفيلم له علاقة بالمادة الأرشيفية التي تأسست عن حضورهم وتغطياتهم للانتخابات الأمريكية وقتها، لكنها في المقابل تحول الفيلم أحيانا إلى ما يشبه تكملة للبرنامج التلفزيوني أو تصويرا لكواليسه العملية التلفزيونية وقتها، وتضم مشاهد وآراء وحوارات لم تصل وقتها إلى حلقات البرنامج لأسباب مختلفة.

يُواجه الفيلم التسجيلي صعوبات جمّة وهو يحاول أن يجد موقعا لمشاهد مقدمي برنامج السيرك ضمن سياقاته، فظهورهم المتقطع وتعليقاتهم تمنح الفيلم دينامية مُختلفة تسير أحيانا باتجاه مخالف للمشهد البانورامي الاستعادي الذي يقوم عليه بناء الفيلم.

يخلو الفيلم بشكل عام من تركيبة مُجددة، مما ضيع على الفيلم فرصة الاستفادة من الأرشيف الضخم الذي يستند إليه، رغم أنه في أوقات قصيرة من زمنه الطويل عندما يترك للصور وحدها أن تستعيد تلك الأيام دون تعليقات زائدة أو مشاهد لمقدميه، كان يصل إلى ذروات سردية متألقة تذكّر مثلا بأعمال المخرج البريطاني آصف كاباديا صاحب فيلمي سينا وإيمي، وأفلام تسجيلية من السنوات الأخيرة من التي قامت على مواد أرشيفية بالكامل وعرف مخرجوها كيف يستلون من مئات الساعات المصورة سرديات مثيرة عن شخصياتهم والزمن الذي عاشت فيه تلك الشخصيات، مع التركيز على دور الإعلام الذي أصبح خِزانة التاريخ الأهم.