نقد سينمائي

"تمرد على خطوط المواجهة".. انتفاضة هونغ كونغ المُلهِمة

قيس قاسم

في شهر أبريل/نيسان من هذا العام 2019 خرجت في شوارع العاصمة هونغ كونغ مظاهرات سلمية تُطالب الحكومة بسحب مشروع قرار قدّمته للبرلمان يسمح بتسليم الأشخاص المطلوبين إلى السلطات الصينية لمحاكمتهم هناك. وبدلا من الاستماع إلى مطالبهم نزلت وحدات من شرطة مكافحة الشغب لتفريقهم بالقوة.

ردود فعل الجماهير على عنف الشرطة تحوّل إلى انتفاضة شعبية عارمة ارتفع سقف مُطالبيها إلى إسقاط الحكومة، وحماية الديمقراطية في البلاد، وإنهاء التدخل الصيني في الحياة السياسية، وكبح مساعيها لفرض نموذجها الشيوعي عليهم بالقوة.

طيلة أيام المظاهرات ووسط الصدمات الدموية العنيفة التي امتدت لأشهر، كانت الصحفية الأسترالية "صوفي ميكفل" تُصوّر مجرياتها وتُسجّل تطوراتها، وذلك لتضعها فيما بعد في إطار عمل وثائقي آني يحمل عنوان "تمرد على خطوط المواجهة.. صراع في هونغ كونغ".

المواكبة الآنية لمُجريات الانتفاضة الشعبية لوحدها غير كافية لصنع وثائقي يقترح تقديم جوانب من المشهد السياسي في هونغ كونغ، هذا ما أدركته صانعته وعملت على توسيع مساحته، ليأتي بصيغة التحليلي الآني من خلال إشراكها شخصيات أكاديمية فيه وأخرى لها علاقة مباشرة بالحراك وما يجري من تحولات سياسية في الجزيرة منذ تسليم بريطانيا لها إلى السيادة الصينية، وذلك وفق شروط من بينها الحفاظ على خصوصية هونغ كونغ، وتمتعتها بوضع قانوني خاص أشبه بالحكم الذاتي.

 

يوميات الحراك

تلك الشروط والاتفاقيات المُوقعة تُريد القيادة الصينية تسويفها من خلال تعيين حكومة تابعة لها في الجزيرة، حيث تأمرها بما ينبغي عليها فعله. هذا ما أدركه سُكّانها ووقفوا ضده، وكان مقترح الحكومة الأخير كالشعرة التي قصمت ظهرت البعير.

فقد أظهرت الانتفاضة الشعبية حجم الغضب من سياسة الصين التي تريد تجريدهم من حريتهم، ومن مكاسب اقتصادية واجتماعية لا يريدون التخلّي عنها حتى لو تطلّب ذلك دفع ثمنها غاليا.

يُخصص الوثائقي أكبر مساحة منه لرصد وتسجيل يوميات الحراك، فعبر ذلك يمكن فهم تطورات الانتفاضة وأساليب المنتفضين في إفشال محاولات الحكومة لإنهائها، وذلك عبر أدواتها القمعية؛ الشرطة وأجهزتها الأمنية.

أظهرت الانتفاضة الشعبية حجم الغضب من سياسة الصين التي تريد تجريدهم من حريتهم

 

"خطوط المواجهة"

ينطلق الوثائقي من شهر أغسطس/آب المنصرم، حيث يتجول في شوارع المدينة التي تبدو على غير ما كانت عليه خلال الأشهر الأربعة الماضية؛ هادئة وحركة السير فيها عادية، لكن فجأة تظهر من بين تفرعات بعض الشوارع الضيقة مجموعة من الشباب التي تشرع بسرعة برصف الحواجز على الطرقات.

تُحاول صوفي التعرف على هؤلال الشباب، ومن خلال مقابلاتها السريعة يتضح أنهم ينتمون إلى حركة "خطوط المواجهة"، فارتداء الملابس السوداء ووضع الأقنعة على الوجوه يُراد بها التستر على هوياتهم الشخصية، فأجهزة الشرطة تضع في كل زاوية من زوايا شوارع المدينة كاميرات مراقبة يمكن من خلالها تشخيص الأفراد، وبالتالي يسهل القبض عليهم وتوجيه تُهم لهم تتعلق بالإخلال بالنظام. وبعد لحظات، وما أن ظهرت وحدات من الشرطة؛ "تبخّر" كل هؤلاء.

في شارع آخر تجمّعت مجموعة ثانية منهم وقامت بالفعل نفسه، حيث أخبروا المخرجة أن هذا من ضمن تكتيكاتهم، فهم لا يبقون في مكان واحد أو في ساحة بعينها طيلة الوقت، لكنهم يوزعون أنفسهم على مجموعات متنقلة ليُصَعِّبوا على الشرطة محاولة حصرهم في دائرة ضيقة، وبالتالي الانقضاض عليهم بسهولة.

شرح هذه المجموعات لأساليب العمل الميداني المُبتكرة وتوضيح أفكارهم وأهدافهم المرجوة من الانتفاضة؛ تُعطي الوثائقي قيمة مضاعفة

 

كُرّاس الثورة

شرح هذه المجموعات لأساليب العمل الميداني المُبتكرة وتوضيح أفكارهم وأهدافهم المرجوة من الانتفاضة؛ تُعطي الوثائقي قيمة مضاعفة، وتجعل منه "كُرّاسا" تعليميا بصريا في فن المقاومة والحفاظ على سلامة المُحتجين.

ويُعطي عامل التوتر وسرعة الحركة لتصريحاتهم مصداقية، فكلام المنتفضين ضد الحكومة ينطلق عفويا وسريعا دون تمهيد مسبق. ويُكرّر شبان متحمسون أمام المخرجة كلاما عن دوافعهم وغاياتهم، حيث يؤكدونه في مواقع وظروف مواجهة مختلفة، وذلك من خلال عبارات تُشدّد على سلمية حراكهم، واستعدادهم للتضحية في سبيل الحفاظ على الديمقراطية والحرية، وأنهم أبناء أرض هونغ كونغ وليسوا مواطنين تابعين للصين، كما سيواجهون كل محاولة صينية لـ"احتلال" أرضهم بكل ما أُوتوا من قوة وعزيمة.

يُرجع خبراء في الشأن الصيني أصل الحراك تاريخيا إلى سنوات تَلَت تسليم بريطانيا الجزيرة عام 1997 إلى الصين

 

صورة للحراك

يلجأ الوثائقي في بعض الأحيان إلى تقسيم الشاشة إلى أربعة أقسام، وذلك في محاولة منه لتقديم صورة شاملة عن سعة المظاهرات وتطورها من حركة بسيطة إلى حركة شعبية خرج في إحدى فعالياتها أكثر من مليوني شخص، وذلك احتجاجا على رفض الحكومة إلغاء القرار بشكل نهائي بعدما أقدمت على سحبه مؤقتا، وهو أمر دفع الناس لإعلان غضبهم على "ألاعيب" الحكومة ومحاولتها كسب الوقت لتمريره لاحقا.

يُعلّق سياسيون وخبراء في الشأن الصيني وصحفيون مُطلعون على ما يُعرض على الشاشات، ويُقدّمون مزيدا من التوضيح بشأنها، حيث يُرجع بعضهم أصل الحراك تاريخيا إلى سنوات تَلَت تسليم بريطانيا الجزيرة عام 1997 إلى الصين، حين حاولت حكومات تابعة لها ترسيخ الوجود الصيني وتغيير طبيعة النظام السياسي في الجزيرة.

واحدة منه فعاليات هذا الحراك كانت عام 2014، وذلك حين أقدمت الحكومة على إصدار قرارات تهدف فرض قيود على حق التظاهر. ولمواجهة معارضيها ألقت الشرطة القبض على بعض المتظاهرين ضدها وحكمت عليهم بالسجن مددا زمنية طويلة، لكن النتيجة رغم ذلك جاءت عكسية، فقد ارتفع وقتها مستوى المظاهرات، مما أجبر الحكومة على التراجع. وفي وقت متأخر شكلت مظاهرات "المظلات المطرية" علامة بارزة في مسيرة الحراك الاحتجاجي في البلاد.

الأمر المُشترَك بين الاحتجاجات كان دوما خوف الناس من ضياع المُكتسبات السياسية التي حصلوا عليها

 

خصوصية مُهدّدة وقمع وحشي

الأمر المُشترَك بين الاحتجاجات كان دوما خوف الناس من ضياع المُكتسبات السياسية التي حصلوا عليها، وأن النظام الديمقراطي الذي بنوه له خصوصية لا بدّ من احترامها. وفي الأحوال كافة لا يوجد له مثيل في الصين الشمولية، أما هذه الخصوصية فهي مهددة اليوم بالزوال.

والخوف على حريتهم يُفسّر سبب اتساع الحراك الأخير، إضافة إلى جانب آخر مُهم يتعلق بوحشية قمع المظاهرات. لقد أدى الإفراط في استخدام القوة ضد شباب مُسالم لا يرفع السلاح مُكتفيا بالشعارات المطلبية؛ إلى زيادة تأييد عامة الناس لهم، لقد قاموا بحمايتهم، فما إن تصل وحدة من قوات منع الشغب المدججة بالسلاح حتى يُسارع الناس إلى إبلاغ المتظاهرين عن وجودها، حيث يُقيمون حواجز بشرية بين الشرطة وبين المنتفضين، يشتمون أدوات القمع الحكومية ويهتفون بإسقاط حكم الرئيسة التنفيذية لمنطقة هونغ كونغ "كاري لام". لقد كشف رفضها إسقاط القرار خللا هيكليا في سياستها، مما يتطلب تغييرا جذريا له يُبعده عن التأثير الصيني المباشر.

واحدة من خصائص انتفاضة هونغ كونغ الأخيرة غياب قيادة مركزية لها

 

قيادة جماعية

واحدة من خصائص انتفاضة هونغ كونغ الأخيرة غياب قيادة مركزية لها، فالمتظاهرون والنشطاء يتواصلون مع بعضهم البعض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويحدّدون من خلالها مواعيد تحركاتهم، مع ترك مساحة من الحُريّة لكل مجموعة في اختيار نوع التحرك وزمانه، كما يُنظمون "غرف محادثة" عبر شبكات الإنترنت يُعبّرون فيها عن آرائهم ورؤيتهم لمستقبل بلادهم.

إقدامهم على احتلال مقرّ البرلمان يعتبره عدد من المُحللين السياسيين الخطوة الأكثر تعبيرا عن وعي سياسي مُتقدم، وقدرة على تحديد الأولويات.

لخّص المحتجون شعاراتهم داخل قبّة البرلمان بالتالي: استقالة حكومة "كاري لام"، وإلغاء قانون تسليم المطلوبين، وإطلاق سراح المتظاهرين المحتجزين في السجون. وكلها مطالب أخافت السلطات المحلية والقيادة الصينية التي بدأت بالتهديد والوعيد، والعمل سِرّا على إفشال حراكهم.

يكشف مسار الوثائقي عن عمليات اندساس مُنظَّمة رتبتها أجهزة المخابرات الصينية بين صفوف المتظاهرين

 

مُندسّون ومواجهات مُفتعلة

يكشف مسار الوثائقي عن عمليات اندساس مُنظَّمة رتبتها أجهزة المخابرات الصينية بين صفوف المتظاهرين، وحصوله على معلومات تُؤكد تشكيل وِحدة خاصة من الجيش لهذا الغرض، عدا توصيل تهديداتها بالتدخل العسكري المباشر من خلال نقل أخبار مُصوّرة عن تحرّك وحدات من جيشها نحو السواحل القريبة من هونغ كونغ.

لقد نجح بعض المُندسّين في افتعال مواجهات عنيفة مع أجهزة الشرطة، لتجد الأخيرة مُبرّرا لزيادة وحشيتها ضد المتظاهرين السلميين، كما نجحوا أحيانا في جرّهم إلى ممارسات تتعارض مع قيمهم الإنسانية.

يواكب الوثائقي محاولة المتظاهرين تعطيل حركة مطار هونغ كونغ، فقد أرادوا بخطوتهم تنبيه العالم لما يجري في بلدهم، لكن تعطيلهم الشريان الاقتصادي الحيوي لأيام أغضب الحكومة والسلطات الصينية، فبعثت الأخيرة بمزيد من المُندسّين لتشويه صورة الحراك وأهدافه.

أثناء الاشتباكات العنيفة مع الشرطة اكتشف المُحتجون بعض المُندسّين، فألقوا القبض عليهم وأشبعوهم ضربا، كما منعوا وصول المسعفين والأطباء إليهم، مما أثار غضب الناس عليهم. سيراجع المنتفضون سلوكهم في المطار وينتقدون مرتكبيه، فما كان يجب منع تقديم المساعدة للمصاب حتى لو كان عدواً. لم يستمر الأمر طويلا فسرعان ما عاد الناس يلتفّون حولهم ويُقدّرون شجاعتهم في نقد أخطائهم.

المراجعة النقدية وقوة العزيمة والإصرار على بلوغ الهدف وابتكار أساليب تعبير جديدة لمواجهة قمع أجهزة الشرطة والجيش، طرحت سؤالا عن احتمال تحويل الحراك المدني السلمي -وخاصة "جبهة حقوق الإنسان المدنية" وغيرها من المنظمات المدنية الناشطة- إلى أحزاب سياسية؟

وهو سؤال أبقاه الوثائقي مُعلّقا بانتظار ما ستؤول إليه الأمور، فيما كانت كاميراته ترصد حشودا من المواطنين كانوا يستعدون للانطلاق في تظاهرة جديدة، وذلك وسط أحد أكبر الشوارع التجارية في عاصمة البلاد الرافضة تسليم نفسها إلى نظام استبدادي لا يعترف بحريّتها ولا بخصوصية هويتها.