نقد سينمائي

"تنغير – القدس: أصداء الملاح" فيلم بثنائيات متعددة

 ينص الفصل 25 من الدستور المغربي الجديد في فقرتين على أن: "حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الأدب والفن والبحث العلمي والتقني مضمونة" (صدر في الجريدة الرسمية بتاريخ 30 يوليوز 2011)
انطلقنا من الاستشهاد بهذا الفصل من الدستور المغربي لأن الضرورة تفرضه في النص التالي. فعادة ما تفرض الكتابة النقدية السينمائية بالدخول في صلب تركيبة الفيلم لدراسته وتحليله. لكن، أحيانا، تدفعك عناصر موازية للبقاء في البداية خارج الفيلم قبل ولوجه لاعتبارات وأسباب مختلفة تكون موجودة في الفيلم نفسه وأحيانا أخرى تخلقها بعض الأجواء المحيطة به أو بالظروف التي سيُعرض فيها. فيلم "تنغير – القدس: أصداء الملاح" أثار جدلا في المغرب بعد سنة من إنتاجه وعروضه.

1- من خارج الفيلم:
"تنغير – القدس: أصداء الملاح" هو فيلم وثائقي في أول تجربة لمخرجه الشاب كمال هشكار الذي يمتد على 86 دقيقة إلا أن هناك نسخة منه مختصرة في 52 دقيقة تعرضها بعض القنوات التلفزيونية. وقد سبق عرضه في إحدى القنوات العمومية المغربية منذ سنة تقريبا. وعُرض أيضا في عدد من المعاهد الثقافية الفرنسية المنتشرة في المغرب بشكل عادٍ. ومن المقرر أن يُعرض تجاريا في القاعات المغربية في غضون الشهور المقبلة حسب ما صرح لي به أحد الموزعين المغاربة الذي يناقش مع صاحب الفيلم برمجته في شبكة التوزيع. وقد عُرض الفيلم طبعا في كثير من المهرجانات المحلية المغربية من بينها المهتمة بحقوق الإنسان وكذا بالمهرجانات الدولية المعروفة والشهيرة حيث نال من بعضها جوائز أو تنويهات. وآخر جائزة حصل عليها كانت من المهرجان الوطني للسينما المغربية المنعقد في بداية الشهر الماضي (فبراير) بمدينة طنجة جائزة أول عمل. وحصل في السنة الماضية على الجائزة الكبرى من مهرجان السينما وحقوق الإنسان بالرباط وتحمل الجائزة اسم الراحل إدريس بنزكري الرئيس السابق للمجلس الاستشاري  لحقوق الإنسان. وسيتم عرضه في مدينة تنغير نفسها في شهر يونيو القادم.

تنغير – القدس: أصداء الملاح

كان الفيلم، إذن، يتجول بشكل عادٍ ويلتقي بالجمهور ويناقشه. فماذا حصل في الطريق مؤخرا لكي تعترضه حواجز تريد منعه من المرور عند الناس؟ وبأي حق سيتم منعه؟ وهل حقق المجتمع المغربي جميع مطالبه الضرورية والأساسية في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ولم يبق أمامه إلا فيلم ينبغي الإطاحة به لتحقيق الرفاهية؟ وهل الفيلم يستحق كل تلك التعبئة (ولو قليلة العدد) وكل ذلك المجهود العضلي في الصراخ والأعصاب؟ أم أن في الأمر "إنّ" لإثارة الأنظار إلى "الآنا" التي عجزت عن تقديم حلول للمشاكل الحقيقية على الأرض؟ ولماذا حواجز المنع قبل مشاهدته أصلا ليكون الحكم مبنيا على أسس ورؤية ووجهة نظر لتبيان نواقصه الفنية والفكرية ومحاورة صاحبه مباشرة لتصحيح أخطائه أليس من وَضَعَوا الحواجز هم الذين تعرضوا من قبل للمنع ومصادرة حق التعبير في زمن قريب جداً؟ أليس منع عمل فني ممارسة قروسطية وضد ميثاق حقوق الإنسان العالمية؟ لماذا لم نصل بعد إلى مستوى قبول الحوار والتحاور والإقناع والاقتناع؟
إن الحجة الأساسية لدعاة منعه وسحبه من التداول هو أنه يدعو للتطبيع لكون المخرج صور في إسرائيل. لكن يتساءل المرء لماذا لم يحضر الفلسطينيون المقيمون في المغرب الوقفة الاحتجاجية المُنظمة ضد الفيلم منهم من كان يواكب المهرجان نفسه حيث فضلوا مشاهدة الفيلم عوض المشاركة في الاحتجاج. ولم يحضر ولو شخص واحد من السفارة الفلسطينية بالمغرب لدعم من يدعمهم من المغاربة ضد التطبيع. حضرت فقط فئة محدودة من المغاربة رفعت شعاراتها لمدة ساعة تتهم الفيلم بالصهيونية ثم أخْلَت المكان بعدما أخذت حقها من عدسات المصورين وتصريحات للصحافة التلفزيونية بالاعتراف جهرا بعدم مشاهدتهم للفيلم !!
وهذا الفيلم حصل على دعم من شخصيات عليا منها السيد أندري أزولاي مستشار الملك في الشؤون الاقتصادية وهو مغربي من الطائفة اليهودية وأيضا من الراحل سيمون ليفي مؤسس المتحف اليهودي المغربي بالدار البيضاء. كما حصل الفيلم على دعم مالي من مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج. وأيضا من شخصيات ثقافية مسؤولة في عدد من المؤسسات الرسمية. أسفر كل هذا على عرائض ضد الفيلم وأخرى تضامنية مع المخرج. 
بعد هذه الجولة الاضطرارية التي حامت حول الفيلم يمكننا الآن طرق بابه للدخول إليه متخلصين من هذه الشوائب.

2- عتبة الفيلم:
لنبدأ بالملصق الذي يحتوي على صورة فوتوغرافية لجانب من المدينة المغربية التي توجد على جنوب شرق جبل الأطلس الكبير في الطريق بين مدينتي ورزازات والراشيدية حيث الملصق ينقسم إلى ثنائية بوجود المدينة في أسفله وجزء من جبل الأطلس في النصف الأعلى منه. وهذا في حد ذاته يعطينا قراءة لكون تلك المدينة الصغيرة جدا والمنسية والغارقة على هامش الأطلس الكبير الضخم المرتفع إلى السماء حيث الوصول إليه صعب جدا لكنه يتيح لك مشاهدة بالعين المجردة جمالية الأمكنة تتغير بتغير تقدمك في الطريق من خلال إلتواءات الجبال وصعودها وهبوطها وفي الآن ذاته تلعب الشمس دورها في إضاءة الأمكنة أو الاختفاء عنها وانعكاس زرقة السماء أو لقاء اللونين الأحمر بالأزرق فتتشكل بالتالي ظلال الجبال على بعضها لوحات فنية حقيقية وكأن المسافر فيها يشاهد فيلما سينمائيا تحضر فيه لغتها في تشكيل إطار اللقطات (داخل/خارج) أو بالفرنسية Champ/Contre champ. وهذه الثنائية موجودة حتى في وضع العنوان على الملصق (نناقش هنا العنوان بالفرنسية وغير متوفر بالعربية) باعتبار أن واضعه وضع كلمة المدينة "تنغير" (بالفرنسية) واقفة بشكل عمودي على امتداد صومعة المسجد بينما كلمة "القدس" مكتوبة بشكل طبيعي ممدودة (أفقيا) في اتجاه اليمين وكأنها متوجهة نحو الشرق. وقد كُتبت بحجم أقل من الجزء الثاني للعنوان "أصداء الملاح" فهذا بحجم كبير وأخذ حيزا مهما في الملصق. وتعمد بدون شك الفنان الذي أنجز الملصق باعتماده على كسر حروف "الأصداء" وكأنها "أصوات" خارجة من المدينة بينما كلمة "الملاح" مكتوبة عادية.
وعليه فإننا نفهم جيدا أن منطلق الفيلم هو مدينة "تنغير" نحو "القدس" بالبحث عن "أصداء" اليهود الذين قطنوا هذه المدينة في تاريخ سابق (الملاح هو الإسم الذي يُطلق على الأحياء التي كان يسكنها اليهود المغاربة حيث أغلب المدن العتيقة بالمغرب بها هذه الأحياء). و"الأصداء" في الجبال يكون لها إيقاع موسيقي خاص جدا حيث تتردد بمختلف السلالم الموسيقية وكأن الجبال تشكل كورال Chorale بحكم اختلاف تموجاتها وحجمها والفواصل الموجودة بينها التي تفرق بعضها والفترة الزمنية من اليوم لأن صدى  الأصوات يختلف إيقاعه بين الصباح والمساء والليل. هذا التعدد الطبيعي هو انعكاس للتعدد الثقافي والاجتماعي في المغرب.
ونقرأ في أسفل الملصق توقيع المخرج وحده متحملا مسؤوليته المطلقة وليس كما هو الشأن في الفيلم الروائي المتخيل حيث تكون المهام المتعددة.

3- داخل الفيلم:
وحتى حين ندخل إلى داخل الفيلم فهو يضعنا منذ لقطاته الأولى في الثنائية المُشار إليها سابقا سواء من خلال توظيف الكاميرا بتركيب مشاهد على مستويين، المستوى الأول (اللقطات الأمامية premier plan ) أو المستوى الثاني (لقطات العمق deuxième plan) وأيضا من خلال الشخصية الرئيسية في الفيلم – وهو المخرج نفسه – الذي يحكي لنا قصة حياته الشخصية بالقول/الكلام من خارج إطار اللقطات voix-off فهو لم يحكها لنا مباشرة على الإطار بالحديث إلينا نحن المشاهدين بل على هامشها رغم أنه يظهر في المشاهد التي يصبح فيها الحاكي هم الشخصيات التي إلتقى بها. فهناك حياته الخاصة التي نسمعها ولا نشاهدها والتي هي مجرد حجة ومرجع في الفيلم وحياة الآخرين المُجسدة أمامنا بشخصياتها وبأقوالها (تصريحاتها وحديثها) التي تشكل كنه الفيلم. كما أن المخرج لم يعتمد في سفره في اتجاه واحد بل ذهابا وإيابا بين "تنغير" و"القدس" (حيفا في لحظات معينة) على إيقاع أسفاره هو الشخصية بين فرنسا والمغرب طيلة 33 سنة من عمره.
يبدأ الفيلم إذن بالسفر، سفر حقيقي وواقعي مُجسد على الشاشة ومُعلن عنه بالواضح بالصوت الخارجي للمخرج من جهة ومن جهة أخرى سفر داخلي، في ذات المخرج وفي التاريخ، أو جزء من التاريخ، حتى نبقى دائما في الثنائية التي بنى المخرج فيلمه بها.
ففي الوقت الذي نشاهد على الشاشة جبال الأطلس الحمراء تتحرك أمامنا ثم يظهر لنا رجل شاب يسوق سيارة بصمت لكننا نسمع في نفس اللحظة صوتا خارجيا رجاليا يتحدث بالفرنسية يُعرّفنا بهويته وطفولته وعلاقته بمدينته "تنغير" ندرك باللغة السينمائية أنه السائق نفسه، هو صاحب الرحلة بكل تجلياتها. رحلة البحث كما أشرنا إلى ذلك من قبل.

كمال هشكار

يقول بأنه ينتمي إلى مدينة تنغير التي غادرها صحبة أمه وهو مازال رضيعا لم يتجاوز 6 شهور من عمره لكي يلتحقا معا بوالده العامل المهاجر في فرنسا منذ سنة 1968. وأنه منذ ذلك الوقت لم يتوقف سفره بين فرنسا والمغرب (بالضبط إلى تنغير) عند حلول العطلة السنوية في فصل الصيف، متسائلا نفسه بأنه لم يكن يعرف هل هو من "هنا" أو من "هناك" (وهنا تظهر لنا صور الأرشيف لباخرة تعبر مضيق جبل طارق ومطبوع فيها تاريخ التصوير والساعة: وهي الساعة 12 و16 دقيقة بتاريخ 31/8/1994) وهذا التقابل (الثنائي) بين التساؤل عن مكان الانتماء ووجوده في الباخرة وسط البحر بمضيق جبل طارق وسط قارتين (الأوروبية والإفريقية) هو نوع من الضياع ليضيف مؤكدا (دائما بالصوت الخارجي) "إن الشيء الوحيد الذي أعرفه أني آت من اللامكان وبأنه يحمل هوية متعددة" قائلا: "إنني مغربي – فرنسي – أمازيغي – مسلم". ثم يخبرنا في نفس السياق بأن هذه الهوية المتعددة يعيشها بالأساس أطفال المهاجرين.
هذه البطاقة لهوية المخرج التي قدمها لنا في بداية الفيلم قد جاءت قبل ظهور الجنريك الأول وكأنها دعوة لنتعرف عليه أولاً لكي نفهم اختياره في ما بعد عندما أدخلنا إلى عمق فيلمه ولفهم دوافعه أيضا.
وفي مدينته، التي كان يزورها وهو طفل كل صيف مع أسرته، سيكتشف فيها منازل كثيرة مهجورة وبعضها آلية للسقوط وأخرى لم يبق منها إلا الرميم فيسأل عنها والده حين كبر فيجيبه بأنها كانت لليهود وعندئذ سيعلم بأنهم كانوا يقطنون المدينة وهجروها بينما كان دائما يعتقد بأن سكان المغرب يتكونون من المسلمين فقط. وبما أن المخرج هو في الأصل أستاذ التاريخ في باريس ويهتم كثيرا بموضوع الهجرة لذا أراد أن يخرج عن النمطية. فعوض أن يتناول بدوره هجرة سكان الجنوب إلى أقطار الشمال التي تمت معالجتها بمختلف الأشكال من طرف باحثين آخرين من قبله فهو ارتأى أن يتناول هجرة اليهود المغاربة من مدينة تنغير بالضبط (وليس من المغرب) إلى إسرائيل. علما أن المخرج – كما سبق أن ذكر عن ذاته – أنه مهاجر ابن مهاجر وهذا الأخير كان همه هو العودة إلى البلد.
وما شجعه على البحث في هذا الموضوع هو أنه كان يسمع في فرنسا أن التعايش بين المسلمين واليهود مستحيلا لذا "أردت – يقول المخرج في فيلمه ولا تنسوا أنه يتحدث دائما من خارج الإطار ب voix-off– أن أعرف كيف كان اليهود والمسلمين يعيشون مع بعضهم في البلاد والخوض في هذه الذاكرة المنسية".
وعندما دخل إلى مدينة تنغير وتعمق داخل أسواقها وأزقتها واحتك بسكانها بدأ الحوار معهم بالأمازيغية، لغة الناس اليومية في حياتهم وبين بعضهم والمخرج يتحدث بها أيضا. وهذا البناء الفيلمي جميل بحيث أننا كنا نسمعه في البداية يتحدث باللغة الفرنسية (هو القادم من فرنسا التي عاش فيها حياته كلها ومازال ودرس بتلك اللغة. إذن هي لغة الآخر من وراء الجبال والبحر ومن قارة أخرى والتي نسمعها ولا نرى من يتكلم بها) ليستعمل لغة الناس المحلية، وصورها طبعا، فهو سفر لغوي وازدواجية في حياة المخرج نفسه ضمن تركيبة الثنائية في الفيلم. وإلى جانب اللغة الفرنسية التي هي خارج إطار الصورة وظف حديثه عن اليهود بصيغة الماضي باعتبارهم كانوا هنا وبالتالي فهم خارج الإطار أيضا لأن سكان تنغير يتحدثون عنهم بضمير الغائب "هُمْ".
يتجول مع بعض شيوخ وعجائز المدينة وهو ينبش في التاريخ عبر الأمكنة التي تحيله شهادات هؤلاء الناس إلى زمن ماض. لقد حدد المخرج موضوع فيلمه منذ العنوان الذي تطرقنا إليه في البداية، موضوع واضح ومحدد ولم يخرج عليه إطلاقا بالبحث عن سبب هجرة اليهود. فمنهجيته أن يسائل التاريخ وما جرى فيه عن مواطنين مغاربة من ديانة يهودية كانوا يعيشون في وئام مع مواطنيهم المسلمين. ما هي الأسباب والعوامل والعناصر التي أنتجت تلك الهجرة بشكل منظم في بداية الستينات من القرن الماضي بعد أكثر من 14 سنة على تأسيس دولة إسرائيل.

وبما أن الأجوبة في تنغير كانت مُقتصرة على التأكيد بوجودهم في المدينة من خلال البيوت والأسواق والملاح والاحترام القائم بين الطائفتين باحترام لكل واحدة منهما لدين الآخر بينما لا يمكن التفريق بينهم باللباس المشترك هو نفسه لعامة المواطنين. والإشارة إلى محاولة الاستعمار الفرنسي التفريق بينهما دون جدوى. وذكر بعض الشيوخ بأن اليهود المغاربة الأمازيغ غادروا المدينة وهم يبكون، كل هذا لم يجد الجواب عن سبب هجرتهم المغرب نحو إسرائيل. ولكي يجده ذهب المخرج عندهم باحثا عنهم فيها.
سيتمكن من الوصول عند بعضهم حاملا معه السؤال الجوهري: "لماذا غادرتم أو هجرتم المغرب نحو إسرائيل؟" وكان المخرج ذكيا بربط المسافتين للمكانين بإعادة سفره كما بدأ فيلمه وكأنه لم يغادر المنطقة ليدخل مباشرة في الجزء الثاني من الفيلم بالإيجاز في الزمن (هنا ذكاء المونتاج طبعا) وهي إشارة ذكية لأن الشخصيات التي التقى بها في إسرائيل مازالت مرتبطة عاطفيا بالمغرب وتحمل نوعا من نوستالجا له خاصة وأنها مازالت تتحدث الأمازيغية والعربية واحتفظت ببعض العادات التي تُذكّر المخرج في أمه وجدته. كان الحديث مع اليهود المغاربة في إسرائيل يتم بثلاث لغات: الفرنسية والأمازيغية والعربية.
سنتعرف نحن المشاهدين على شخصيات يهودية من أصل مغربي وبالضبط من مدينة تنغير تقوم بالبحث عن جذورها المغربية من خلال الوثائق التي في حوزتها وتشكيل شجرة العائلة الممتدة إلى الأجداد بالمغرب وأن منهم من يعتبر نفسه مثلما قال لنا المخرج في بداية الفيلم بأنه منزوع من جذوره وليس له مكان أو متعدد الأمكنة والهوية. فأغلبهم لهم هذا الإحساس (ركز المخرج على المسنين وعلى الذين هجروا مع أسرهم وهم مازالوا أطفالا أو شبابا) وأحسن مثال هو المغني والموسيقي الذي اشتهر بأغنية يرددها الجميع حول قريته بجبال الأطلس التي غادرها وهو في سن الخامسة ولن يعود إليها إلا لما أصبح في 57 سنة.
سيجد المخرج أجوبة مختلفة على سؤاله. فإمرأة تقول له بأن ذلك مكتوبا في التوراة، يعني العودة إلى أرض الميعاد بينما يقول له آخر بأن هجرة اليهود المغاربة بدأت في الستينات مع انتشار القومية العربية بصعود جمال عبد الناصر وتأثير فكره على بعض السياسيين المغاربة فيما يقول باحث آخر بأن الأمر كان مدروسا مسبقا من طرف المؤسسة اليهودية للمساعدة على الهجرة التي كانت تعمل على استقطاب ووعدهم بحياة أفضل. التقى المخرج بمعلم القرية اليهودي الذي كان يقوم بهذا الدور بالإحصاء والتسجيل والإجراءات الأخرى لتسهيل تهجيرهم إلى حد أن هذا الشخص اتهم الحكومة المغربية بالتواطؤ وأن الولايات المتحدة الأمريكية بدورها ضغطت على المغرب. وتطرق البعض الآخر للظروف المزرية التي هجّروهم فيها ومعاناتهم عند وصولهم إلى إسرائيل وجدوا أنفسهم أنهم من الدرجة الثانية ولم يكونوا يملكون أوراقهم الرسمية التي تم تدميرها حتى لا يعودون من جديد.
وكان المخرج يركز في لقطات كبيرة – وأحيانا مكبرة – على وجوه شخصياته حين تتحدث عن تاريخها بالمغرب وحين تنطق بمعطيات هامة وكأنه يشدد عليها حتى نستمع جيدا لشهادات تاريخية في غاية الأهمية لأنها مجهولة عند العامة. وهنا يُدخلها في عمق الفيلم بعد أن كانت "غائبة" في الجزء الأول من الفيلم لأن الحديث عنها كان بصيغة الماضي وهم غير موجودين. ليعود من جديد إلى تنغير بنفس الذكاء للمونتاج موظفا آلة الغزل التي اشتراها أحد اليهود الذين زاروا المدينة لنكتشف أن "السفر" قائم بزيارات موسمية بين حين وآخر. وأن بعضا منهم لم يقطعوا أواصرهم مع مسقط رأسهم.
حين سأل المخرج كمال هشكار أحد اليهود من أصل مغربي اسمه إسحاق "هل أنت عربي أو أمازيغي أو إسرائيلي؟" فاجابه إسحاق "أنا أعيش هنا ولا أعرف هويتي.. ربما الذين وُلدوا هنا سيحسون بالانتماء الكلي لأنه ليس لديهم ما يحكوه عن المغرب أما أنا فلدي بلدان"
أكد بعضهم أنه لم تكن في المغرب ممارسات ضد السامية كما كان الحال في أوروبا خاصة في بولونيا وألمانيا. كانت بعض المناوشات بين المسلمين واليهود التي هي من يوميات الحياة العادية ليذكر آخر بأن النضال ضد الاستعمار الفرنسي جمع اليهود والمسلمين معا كمواطنين مغاربة.
كما توقف الفيلم أيضا عند نقطة مهمة متخذا بعض النساء نماذج له للحديث عن الحياة لليهود المغاربة الذين هجروا إلى إسرائيل إن وجدوا ما تم الوعد به عند تهجيرهم من المغرب لنطّلع على عنصرية إسرائيل تُجاه مواطنيها حيث تميز بين أصولهم في العمل والسكن وغير ذلك مما عبرت عنها المرأتان المسنتين بأغنية مباشرة في لغتها عن مآسي العنصرية. وقد تم أداء الأغنية بآلات شبيهة بالتي نجدها في المغرب.
إن الفيلم – يقول المخرج – يتطرق للهجرة وخاصة هجرة اليهود من مدينة تنغير الذين تم اقتلاعهم من أرضهم وبلدهم المغرب وليس حول فلسطين وإلا سيكون الموضوع مختلفا وشكل تناوله أيضا وبطبيعة الحال بإخراج مغاير.