نقد سينمائي

"جزيرة ليلى".. تخليدا لروح الراعية المغربية وأغنامها المقاومة

 

المصطفى الصوفي

في مشهد وجداني ومؤثر للغاية ترافق كل يوم سيدة مسنة أغنامها في جزيرة ليلى المطلة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، وتترك القطيع الصغير يسرح ويرتع في سكينة وهدوء، بينما هي تتبعه ببطء متكئة على عصاها التي تهش بها على القطيع، ولها فيها مآرب أخرى.

أمي رحمة -بزيها المزركش الجميل- إنسانة طيبة وحنونة لا تملك من الحياة غير تلك الأغنام التي تحبها كثيرا وترعاها وتحلبها كل مساء، وتعد بخيراتها وجبات محلية متنوعة كالحساء الشمالي و"التريد" الجبلي والجبن الريفي الذي تشتهر به المنطقة خاصة مدن شفشاون وتطوان و"باب برد".

وجزيرة ليلى المغربية عبارة عن صخرة ضخمة أسطورية تحكي الكثير من القصص لشعوب مرت على أرض السلاطين العظام وملاحم بطولية في البحر المتوسط الذي تمتد ضفافه الساحرة على شكل بساط أبيض له لون السحر والحليب والمحبة وحمام السلام.

يُعد المخرج السينمائي مصطفى الشعبي ابن هذه المنطقة واحدا من المخرجين المغاربة الذين آمنوا بأن الانتصار للقضايا الوطنية يعد نوعا من النضال بالكاميرا رغم الصعوبات والإشكاليات والجراح التي تندمل على شطآن تلك الجزيرة الساحرة.

 

تحدي المستعمر.. نخوة الأجداد في الدفاع عن الوطن

شكلت قضية اقتحام الجزيرة المغربية من قبل الجنود الإسبان سنة 2002، وقتل أغنام السيدة العجوز دافعا قويا للمخرج مصطفى الشعبي لإنجاز فيلم قصير يحكي بصورة شاعرية صامتة هذا التاريخ المؤلم لنسف حيوانات بريئة وإلحاق الضرر النفسي بصاحبة تلك البهائم، وهو ما تسبب في رحيلها المبكر.

قرر زوج رفيقة الغنم في تحدٍ بطولي كبير يحمل الكثير من المعاني الوطنية والقيم الإنسانية لحب الأرض؛ العودة من جديد والعيش في جزيرة ليلى دون خوف أو تردد، فيسرح هذا البطل الأغنام ويعيد سيرة رفيقة الدرب إلى واجهة النسيم العليل على تلك الضفاف الآسرة بطبيعتها الجذابة وأمواجها الهادئة وخضرتها الريفية الغناء.

بهذا التحدي المزهو بنخوة الأجداد في الدفاع عن الأرض وروح الوطن الذي تبرز قيمته الإنسانية في الفيلم يستكمل الشيخ مسيرة زوجته الطيبة وأحلامها مستمتعا بصوت البحر من كل الجهات، وصياح تلك البهائم وهمس النوارس والنسور في الأعالي، في صورة بطولية تفيض بشهامة الأبطال.

كواليس تصوير فيلم "جزيرة ليلى"، حيث يظهر فيه الممثل المقتدر حميد نجاح رفقة فريق التصوير

 

"جزيرة ليلى".. تتويج بجائزة "البوابة الذهبية"

قادت الصور الوجدانية المفعمة بكثير من روح الهوية والوطنية والملامح الإنسانية التي تمجد الأرض والانسان فيلم "جزيرة ليلى" إلى التتويج بالجائزة الكبرى "البوابة الذهبية" لمهرجان البوابة الرقمية للفيلم القصير الدولي بالجزائر دورة شهر يونيو/ حزيران 2020.

يلعب دور البطولة في هذا الفيلم -الذي كتبه المخرج مصطفى الشعبي- الممثل المقتدر حميد نجاح، إلى جانب الممثلة زهرة العماري ويسرى بنجدي وسلام الرحيلي، وقد صور بمدينة تطوان ومنطقة الجبهة وبنيونس ووادي لاو بضواحي مدينة الشاون المشهورة بجبالها الشامخة.

وتعد هذه المسابقات الشهرية أول منصة تفاعلية افتراضية في الجزائر موجهة لصناع الأفلام القصيرة الروائية والوثائقية بهدف تكريم الأعمال السينمائية الجادة والتعريف بها، وتعزيز روح الحوار والتواصل السينمائي العربي والدولي، وجعل الفيلم القصير بوابة للمتعة البصرية والفرجة والانفتاح على التجارب السينمائية في العالم.

وقد ترأس لجنة تحكيم المسابقة المخرج المغربي المتخصص في الأفلام الوثائقية الدكتور بوشعيب المسعودي، وضمت عضويتها المخرج والمصور مروان الطرابلسي من تونس والجزائري نور الدين برابح مدير وهو مؤسس أيام كردادة للفيلم القصير والوثائقي بمدينة بوسعادة.

وعادت الجائزة الثانية وهي جائزة البوابة الفضية لفيلم "كورينا" لمخرجه التونسي أحمد عقربي، بينما آلت الثالثة وهي "جائزة البوابة البرونزية" لفيلم "عبلي" للمخرج التونسي طارق العبدي، أما الرابعة وهي "جائزة لجنة التحكيم الخاصة" فحصل عليها فيلم "أمينة في لوحة" للمخرج العراقي شيفان عمر كورامركي، مناصفة مع فيلم "اليتيم" للمخرج مزاري غاني من الجزائر.

وخصصت إدارة المهرجان جائزة خاصة بالجمهور من خلال التصويت بالإعجاب عبر موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، وقد ظفر بها المخرج الجزائري منير بوشارب عن فيلمه "قدري في أفعالي".

شارك في مسابقة دورة يونيو/حزيران 33 فيلما قصيرا يمثلون ثماني دول، وهي سوريا وموريتانيا وجمهورية الكونغو، ثم تونس والمغرب ومصر والعراق فضلا عن الجزائر البلد المُنظم.

مخرج فيلم "جزيرة ليلى" مصطفى الشعبي يتسلم جائزة شكر وتقدير من وزير الثقافة المغريب الأسبق محمد الاعرج

 

تكريم للفيلم المغاربي.. بوابة لسرد أحداث تاريخية مؤلمة

في تصريح خاص للمخرج مصطفى الشعبي أعرب بالمناسبة عن سعادته بتتويج الفيلم، واعتبره تتويجا للفيلم المغربي والمغاربي بشكل عام، خاصة أنه يطرح قضية أساسية تهم الإنسان والأرض والجغرافيا والطبيعة والحياة وروح الوطن في أسمى معانيها.

وأضاف الشعبي أن هذا الفيلم السينمائي القصير يختزل أحداثا مؤلمة وتاريخا لن ينسى أبدا، حينما وطئت أقدام الجيش الإسباني جزيرة ليلى، أو ما يطلق عليها أيضا اسم جزيرة البقدونس، وانتهكت حرمة سيدة اسمها رحمة وقتلت أغنامها، وهو ما شكل لها صدمة قوية.

وأبرز المخرج مصطفى الشعبي القيمة الاعتبارية للسيدة رحمة في الفيلم بالرغم من عودة زوجها (الممثل حميد نجاح) إلى اقتفاء أثرها الطبيعي والوجداني من خلال الرعي والاهتمام بقطيعها الصغير وعيش حياته الطبيعية بكل بساطة وشغف بعيدا عن صخب المدينة وكل المغريات.

وشدد على أن زوج السيدة رحمة -بعد مفارقتها الحياة متأثرة بما وقع لها بعد نفوق ماشيتها، وما رأته من هول بسبب الآلة العسكرية الإسبانية، واقترافهم لتلك الجريمة النكراء- سار على نهجها في الجزيرة بكل التحدي والصمود والجراح القديمة تكريما لروحها.

ورأى في إعادة إحياء طقوس وعادات السيدة رحمة اليومية في علاقتها بالأغنام والأرض والماء والبحر والأعشاب والطيور هو ارتباط وجداني وثيق بالأرض مهما كلفه ذلك، دون أن تعنيه الحسابات السياسية، ودون الخوف من المستقبل وما قد يتعرض له من أذى.

الممثل حميد نجاح يصنع تمثالا من طين لروح السيدة رحمة على قمة الصخرة، تأكيدا على أهمية هذه السيدة

 

تمثال على قمة الصخرة.. إحياء روح رفيقة الدرب

يصاحب الممثل حميد نجاح في الفيلم -الذي صور بطريقة شاعرية صامتة من خلال جماليات المكان- الأغنام برقة في تلك الربوع، ويسامر دفء النار متحديا نباح الذئاب التي قد تهاجم القطيع في أي لحظة.

كما يصاحب صوت البحر ملتحفا بذكريات زوجته في المكان ومفاجآت الشاطئ وما يرميه من مخلفات، ونعيق النوارس التي تحلق هنا وهناك في إشارة دالة إلى قيمة الحرية في تلك الضفاف والأمل في المستقبل.

ولإحياء روح السيدة رحمة يصنع تمثالا لها من الطين يثبته على قمة الصخرة مبتهجا، ويحرسه بشكل دائم من غدر العدو، وهو بذلك يعتبر علامة فيلمية بارزة توضح بجلاء مدى الأهمية الكبيرة للسيدة رحمة في نفسه، وفي تلك الأماكن التي تعد جزءا من التاريخ والهوية والوطن.

وتشكل مختلف مشاهد الفيلم التي اعتمدت تقنية الفلاش باك نوعا من الاحتفاء الوجداني والتكريم المعنوي للسيدة رحمة التي ستبقى رمزا للتحدي والشموخ، وعنصرا أساسا في جماليات الجزيرة وذاكرتها كمكان أسطوري، إلى جانب النوارس والبقدونس وصوت العصافير، ونسيم الشجر وعطر الأعشاب وهمس الموج الهادر على جنبات تلك الصخرة الشامخة الأبية.

وبهذا فإن المخرج مصطفى الشعبي من خلال هذه التجربة السينمائية الفريدة -التي تعالج موضوعا ينتصر لروح المواطنة والتاريخ والمجتمع والأرض- ظل وفيا للقيم الوجدانية والمجتمعية السامية من خلال نضاله بثقافة الصورة وسلطة الفن النبيل الذي يحمل الكثير من الرسائل إلى من يهمهم الأمر.

 

"أصدقاء الجنرال فرانكو".. مركزية كرامة الإنسان

سبق للمخرج مصطفى الشعبي أن أنجز فيلما يتحدث عن القضية الفلسطينية والتذكير بأهميتها وعدم إغفالها بعنوان "القدس ابنادم" (2012)، إضافة إلى فيلم آخر بعنوان "زينب" (2010)، ويطرح فيه قضية حجاب القاصرات كحرية شخصية واختيار الزي المناسب لهن من غير ضغوط.

كما أنجز فيلما آخر مهما دفاعا عن كرامة الإنسان والمحاربين المغاربة خاصة أولئك الذين شاركوا في الحرب الأهلية الإسبانية في الثلاثينيات من القرن الماضي إلى جانب الجنرال فرانكو بعنوان "أصدقاء الجنرال فرانكو"، ويسلط الضوء فيه على معاناة أولئك الجنود الذين تعرضوا للتهميش والإقصاء والخذلان.

وأكد الشعبي أنه في طور إنهاء كتابة سيناريو فيلم روائي طويل يمزج بين الكوميديا والسياسة، رفقة الكاتب محمد أمزاوري بعنوان"الحفرة" بعد كتابة سيناريو فيلم "لامورا" للمخرج محمد إسماعيل الذي تطرق هو الآخر إلى موضوع الحرب الأهلية الإسبانية.

كما أماط اللثام عن مشروع سينمائي جديد بعنوان "ماسين"، وهو من إنتاج القناة الأمازيغية الثامنة المغربية، ويصور حاليا بضواحي مدينة طنجة شمال المغرب، وشدد الشعبي بالمناسبة على أن السينما تظل الفن الجميل القادر على معالجة الكثير من القضايا الشائكة، والمآسي السياسية والاجتماعية التي تحرك فضول الجمهور بشكل كبير.

كما أوضح أنه حاول من خلال تجربته السينمائية -التي أثمرت العديد من الأعمال سواء كمخرج أو ككاتب سيناريو- التطرق إلى قضايا شائكة، وكان له السبق في طرحها في قالب فني مغاير ورؤية فيلمية معاصرة ترقى بتطلعات المشاهد إلى المستوى وتحقق له ذلك الأفق الفرجوي الذي يطمح إليه شكلا ومضمونا.

ذات صلة