نقد سينمائي

"جنازة رسمية".. يوم مات إله السوفيات ستالين

 

ندى الأزهري

لا قصة في الفيلم ولا أحداث، لا حبكة ولا حوار، بل مجرد مشاهد فيلمية من أرشيف تتابعه على مدى أكثر من ساعتين. صور متشابهة في كثير من الأحيان غرضُها واحد، أو هذا ما تبدو الأمور عليه في الظاهر. أفراد في حشود متراصّة أوصفوف متجاورة أو تجمعات مُتفرقة يخطُون ببطء أو يقفون بصمت، وجوههم حائرة ضائعة باكية أو جامدة، حيث جاءوا من أقاصي شرق أو أقاصي غرب أو شمال أو جنوب بلد كان اسمه "الاتحاد السوفياتي"؛ يجمعهم شعور واحد هو الصدمة، وهدف واحد هو إلقاء نظرة أخيرة على "الزعيم الخالد" جوزيف ستالين بعد أن غادر الحياة. فيما يبقى سؤال في العيون: هل حقاً غادر الحياة؟

يُعتبر فيلم "جنازة رسمية" للأوكراني سيرجي لوزنيتسا (الذي عُرض في مهرجان الجونة الأخير) أحد أغرب وأقوى الأفلام الوثائقية، فهو نتاج مُتوقع من هذا المخرج الذي سبق وحقق أكثر من 23 فيلما وثائقيا بين قصير وطويل، حيث كان أشهرها "المحاكمة" (2018) الذي عُرض في مهرجان البندقية، ويدور حول محاكمة مجموعة من كبار الاقتصاديين والمهندسين عام 1930 في موسكو، وذلك بعد توجيه اتهامات لهم بالتخطيط لانقلاب في الاتحاد السوفياتي. تهم مُلفّقة تستوجب في حال الإدانة الحكم بالإعدام.

حقق لوزنيتسا أيضا أربعة أفلام روائية من بينها "دونباس" الحائز على جائزة الإخراج في قسم "نظرة ما" في الدورة الـ71 لمهرجان كان 2018، وتجري أحداث هذا الفيلم في منطقة دونباس شرقي أوكرانيا، حيث تختلط الحياة بالموت، وتسود نزاعات مُسلحة مفتوحة وجرائم حرب ونهب ترتكبها جماعات انفصالية. إنها سلسلة من المغامرات المجنونة التي تختلط فيها كل البشاعات والمآسي الناتجة عن الحرب، كما هي قصة عن عالم ضائع في هويات مُزيفة، عالم تضيع فيه الحقائق وهي تذكر ما جرى في تلك المنطقة من حروب حتى اليوم.

أيام الوداع العظيم

في فيلمه الأخير "جنازة رسمية" (2019) لا يبتعد المؤلف السينمائي والمخرج الأوكراني لوزنيتسا عن مواضيعه الأثيرة، ويتابع عمله المتميز كمؤرخ للاتحاد السوفياتي، وهو هنا يركّز على الدور الذي تلعبه الدعاية الأيديولوجية في توجيه الشعوب والتأثير عليها، ويحاول في الوقت ذاته الكشف عن لغز "عِبادة الشخصية"، من خلال المشهد الكبير لجنازة الزعيم جوزيف ستالين (1878-1953)، وذلك باعتبارها تتويجا لهذه الظاهرة.

تُظهر اللقطات الفريدة من نوعها (لم تُرَ غالبا من قبل، ونُشرت في مارس 1953) -كما يُعلن ملخص الفيلم- جنازة جوزيف ستالين الذي كان خبر وفاته في 5 مارس/آذار صدمة كبيرة في الاتحاد السوفيتي بأكمله. حيث يَعرض الفيلم كل مرحلة من مراحل مشهد الجنازة، والمراسم التي دامت أربعة أيام، كما حضرها عشرات الآلاف من المُشيعين، ووصفتها حينها جريدة "برافدا" الروسية بأنها "وداع عظيم".

فيلم صامت لا تعليق فيه ولا توضيح، لكنه يوجّه نظرة ثاقبة لطبيعة النظام وإرثه، عبر هذا العرض لوفود رسمية وشعبية تجيء وتروح لتقديم واجب العزاء، ولتُلقي نظرة أخيرة على الفقيد "العظيم". ومن خلال عرض المشاهد نحصل على صورة لأثر هذا الحاكم في نفوس مواطنيه بشكل لم يسبق له مثيل، حيث تبدو قضية عِبادة شخصية ستالين كشكل من أشكال الوهم الناجم عن التخويف.

الفيلم يمزج على نحو رائع بين الأرشيف البصري وبين أصوات مختلفة تزيد من تأثير الصورة

 

تداخل أرشيف سمعي بصري

يمزج الفيلم على نحو رائع بين الأرشيف البصري وبين أصوات مختلفة تزيد من تأثير الصورة، بعض تلك الأصوات آتٍ من مُكبرات ثُبّتت في الساحات العامة، أو من إذاعات كرَّست كل برامجها لهذا الحدث الخطير، فكانت تندب فقدان الزعيم أو تُعدّد مناقبه الاستثنائية، أو تبثُّ موسيقى كلاسيكية.

تتداخل أحيانا في المشاهد الفيلمية أصوات أخرى لنشيجٍ، لأجراس كنائس أو دقّات ساعة، لوقع خطوات أو احتكاك معاطف. إنه أرشيف سمعي يترافق مع البصري، وقد يترك المكان للحظات ليدع هذه الحشود المُصطفّة بهدوء تتابع سيرها في قاعة الأعمدة في مقر النقابات، وذلك ضمن ممرات مُحددة قريبة من جثمان الزعيم المُسجّى المغمور بأكاليل الزهور.

يرفع بعض العابرين القُبّعات، وبعضهم يحمل باقة من الزهر، أو يُلقي نظرة سريعة وجانبية فيها الكثير من المعاني، بعضها يحمل أسى وذهولا، وبعضها تساؤلا وشكّا، وبعضها عدم مبالاة، وكأن صاحبها أُجبر على القدوم. صفوف العابرين تلك تنتظم أمام جسد بلا حراك، حَوَت صغارا وكبارا، عمالا وجنودا وفلاحين، رسميين وأناسا عاديين، نحاتين يصنعون تماثيل للفقيد، ورسامين يُخلدون اللحظة ويرسمون وجوها متأثرة ومواقف عابرة.

المشهد الكبير لجنازة الزعيم جوزيف ستالين

 

وجوه حزينة وعبارات تُردد

هذا هو الفيلم، وهذه الصور هي ليست من موسكو فحسب، فالمونتاج يُقاطعها مع مشاهد أخرى آتية من أماكن بعيدة عن العاصمة، ليُريَنا الآلام في كل أنحاء الاتحاد السوفياتي من القرى المعزولة في منغوليا، والموانئ البحرية والمصانع والمزارع، مع كل هؤلاء الذين لم يستطيعوا القدوم، وبقوا في مناطقهم البعيدة يستمعون لأخبار العاصمة من الإذاعة الرسمية.

لقد خرج جميعهم في يوم الجنازة ليصطفوا في الساحات العامة، ليوجهوا التحية إلى صور الزعيم "الخالد"، وليرددوا مع الإذاعة عبارات عن موت من كانوا يظنون أن الموت يخشاه، وحين يموت "فبعدَه لا موت"، هذا الذي "تَشَارَكَ عبقريته ليس فقط مع بلده، بل مع دول الخارج"، وهذا الذي "أعطانا السعادة التي ستبقى حيّة معنا في قلوبنا"، و"هذا الذي حُبّه لكل واحد فينا سيبقى فينا".

سيظلون يحلفون بذكراه ويتذكرون كل كلمة قالها "رئيسهم المحبوب وزعيمهم بالرغم من الموت"، الرجل الذي "أحضر هدايا قيّمة لكل الشعب، وهو ما لم يحصل في تاريخ الإنسانية"، سيجري "في كل قطرة دم تجري في عروقنا، وفي كل نَفَس"، إن كل مكان أتاه "لمعَت فيه النجوم". وهو "أعزّ عضو في عائلتنا السوفيتية، وتحت قيادته عِشنا حياة سعيدة"، فـ"لا نهاية لأحزاننا وآلامنا"، لقد بات وجه الأرض رماديا، وهذا الفقد سيبقى في قلب كل عامل، ولكن إلى الأمام حتى الوصول إلى قمم الشيوعية".

كيف يمكن تفسير هذه الأمواج من الوجوه المصعوقة والحزينة؟ وهذه العبارات التي كان الشعب يرددها وكانت الإذاعة تكررها في مشاهد الفيلم؟

كثيرون كانوا يعتبرون ستالين "أبا مثاليا"، ويعتقدون بفضائله من حيث انتصاره على النازية وإنقاذ العالم منها

 

ديكتاتوري دموي أم أب مثالي؟

يقول المخرج لوزنيتسا إنه يعتبر الفيلم "دراسة بصرية لطبيعة عِبادة الشخصية"، إذ يُظهر وَهم الجماهير بموت شخص مرفوع إلى مرتبة الآلهة مع هذه الاحتفالات المذهلة بجنازته. كما يُظهر هذه التركيبة المعقدة لشخصية ستالين التي تُعدّ من أكثر الشخصيات جدلا في التاريخ، من خلال هذه المراسم الجنائزية.

لقد كان كثيرون يعتبرونه "أبا مثاليا"، ويعتقدون بفضائله من حيث انتصاره على النازية وإنقاذ العالم منها، كما أنه قام بتطوير بلاده من كل النواحي، فيما ينظر آخرون إليه بوصفه ديكتاتورا دمويا قتل الملايين (يُقال 27 مليونا)، كما قمع ونفى ورحّل ملايين للعمل في سيبيريا.

إنها أربعة أيام من الحداد بقيت خالدة بعد 66 عاما من موت ستالين في بيته بجلطة دماغية، يستعيدها فيلم "جنازة رسمية" بأسلوبه الخاص، حيث يجمع صورها ومشاهدها ليتساءل عن هذا "الرجل الحديدي" الذي حكم الاتحاد السوفياتي في البداية مع رفاقه، ثم فيما بعد أصبح الحاكم الأوحد، وذلك بعد أن صفّى وسجن رفاق النضال ومعارضيه.

لا بدّ لمن يرى هذه المَشاهد ويسمع تلك العبارات الواردة في المراسم الاحتفالية لفيلم "جنازة رسمية" أن يقف مذهولا هو أيضا. لقد سبق وسمع ما يشابهها، ورأى ما يُحيل إليها في بعض البلدان، حيث نشأت عليها أجيال ورددتها مُرغمة بعد أن حفظتها عن ظهر قلب.