نقد سينمائي

"حديث عن الأشجار".. أوجاع السينما السودانية وآلامها

 

عبد الكريم قادري

المسافة بين الفيلم الوثائقي والروائي بدأت تضيق وفي طريقها إلى زوال، وذلك بعد أن تغيّرت مفاهيم وأسس صناعة السينما بشكل عام، وبدأت الأصوات ترتفع عاليا لدمج هذين الجنسين في السينما تحت مسمى واحد هو "الفيلم"، بدون لصقه بكنية معينة أو الإشارة له كفيلم وثائقي أو روائي، أو على الأقل بدأ الفيلم الوثائقي ينهل من مقومات الروائي والعكس صحيح، وذلك في انسجام وتراص واضحين.

هذا ما يحدث في مدونة السينما بالعالم العربي، إذ بدأت مجموعة من الشباب في إخراج بعض الأفلام الوثائقية التي تلتزم بروح التوثيق/التسجيل، وفي الوقت نفسه تستفيد من شعرية الروائي وسرديته والعديد من خصائصه، كما يحافظون على التصنيف كوثائقي، وكأنهم لم يتعجلوا بعد في التخلص من مشكلة التصنيف، ولا يتخلون عن فكرة التلاقح الثقافي بينها.

وقد وقفت على هذه المؤشرات في الفيلم الوثائقي السوداني "حديث عن الأشجار" (2019) للمخرج صهيب قسم الباري، الذي فاز بجائزتي الجمهور وأفضل فيلم وثائقي في قسم بانورما في الدورة الـ69 لمهرجان برلين السينمائي، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان إسطنبول السينمائي، ونجمة الجونة الذهبية لأفضل فيلم وثائقي في الدورة الثالثة لمهرجان الجونة السينمائي (من 19 وحتى 27 سبتمبر/أيلول 2019).

أشجار ذبلت على أرض السودان

يتلاعب المخرج السوداني صهيب قسم الباري في فيلمه "حديث عن الأشجار" بالأزمنة والأمكنة، بالماضي والحاضر، بما كان وما سيكون، بالسياسة ومآلاتها، بالدين وتفاسيره الصحيحة والمضللة، بالشيوعي الصادق والمزيف، بالأنظمة الفاسدة والشعوب المقهورة، بعشاق السينما المسلوبين، بالتحجر الفكري والثقافي، بالفضاءات المغلقة والحقوق المصادرة.

يُقدم الباري كل هذه المتضادات في فيلمه دون أن يقع في خط الخطابية أو المباشراتية الفجة، لهذا نجد أبطاله يمرون على هذه المحطات بخفة بالغة ومرح عابر، بجدية غير متزمتة يتكلمون على الماضي ويعودون له برسم معانيه بحرارة السرد وتمثيل الوقائع، يتحسرون على تجاربهم التي ذرتها الرياح دون أن تستفيد منها خزانة السودان، حيث يعودون من جديد لإعادة إحياء الأحلام المقبورة، لكنهم يصطدمون بسلطة الرقيب وجبروته. استطاع صهيب أن يستخرج ما فيهم؛ الحب الذي كان يسكنهم، والأحلام التي سعوا إليها، الكوابيس التي تحاصرهم، والمستقبل وما يخبئه لهم.

حدث كل هذا الانسجام الكبير بين المخرج وأبطاله لأن المنطلق والمنبع والحلم الذي يجمعهم واحد، حيث يجمع المخرج صهيب قسم الباري بين أبطال فيلمه، والأبطال هم إبراهيم شداد أول من درس الإخراج السينمائي في الكلية الألمانية لفنون السينما والتلفزيون عام 1964، والمخرج منار الحلو، والمخرج سليمان إبراهيم رئيس جماعة الفيلم السوداني، والمخرج والسينارست الطيب المهدي الذي تخرج ودرس في المعهد العالي للسينما بمصر عام 1976.

كلهم منطوون تحت لواء جماعة الفيلم السوداني، وهو الفضاء الذي يلتقون فيه، لكنهم للأسف رغم التكوين الكبير الذي كان عليه الكثير منهم فإنها تجارب راحت أدراج الرياح، ولم تستفد منها السينما السودانية بالشكل المرجو، وذلك بعد أن حاصرتهم الأنظمة التي لا تؤمن بالثقافة ولا بالسينما، وهذا ما جعلهم ينخرطون في مؤسسة جماعة الفيلم السوداني التي تحتفظ بذاكرة وأرشيف السينما السودانية، وتعمل دون كلل أو ملل من أجل إحياء الفعل السينمائي الميت بعد سنوات العجاف مكثت فيها ولا تزال.

زرع صهيب الباري في فيلمه العديد من العناصر التي جعلت من المدة الزمنية للفيلم تمر دون أن يحسّ بها المشاهد

سكوت.. السينما السودانية تروي حكايتها

زرع صهيب الباري في فيلمه العديد من العناصر التي جعلت من المدة الزمنية للفيلم (93 دقيقة) تمر دون أن يحسّ بها المشاهد أو ينتبه لها أصلا، لأن هناك العديد من مشاهد السخرية والمواقف الكوميدية التي تمت صناعتها في الفيلم، وذلك من قبل شخصيات العمل الذين يملكون مقدرة كبيرة وطريقة سلسة في سرد القصص وصناعة الدراما وبث الرسائل العميقة عن طريق الكوميديا.

هذه المحطات تأتي لكسر الخطوط السردية الكبرى التي يدخل فيها الفيلم من حين لآخر، لكن وبما أن المخرج يملك حسّا سينمائيا عاليا؛ فإن هناك دائما البديل التشويقي الذي يتضمن جرعات زائدة من توابل الترقب والإثارة، مثل بثه لقصص غير منتهية تتماشى مع مفاصل الفيلم لتكون له كروافد رئيسية وثانوية، وذلك من قبيل رغبة جماعة الفيلم السوداني في ترميم قاعة السينما "الثورة" وإعادة إحياء عروض سينمائية فيها.

هذا خط أساسي في الفيلم، لكن الفروع هو انتظار ردّ الجهات الوصية وطلب ملفات معينة، وملء استمارات واختيار الفيلم وسبب الاختيار ولماذا ترميم هذه القاعة بالذات.. وفي المقابل يتم توزيع هذه الردود بين مفصل وآخر، مثل ترميم القاعة وغسل الكراسي وتوزيع استمارات كاستبيان على بعض الشباب لمعرفة السينما التي يريدون مشاهدتها.

ووسط كل هذا يقوم أفراد الجماعة بالوقوف على أطلال قاعة سينما الثورة واستنطاقها، وذلك من خلال آلة العرض والجدار التي تبث الشاشة فيها، حيث تتحول هذه الوسائل إلى مسببات ضرورية للرجوع إلى الماضي والوقوف فيها على المجد والخيارات السينمائية الصائبة من خلال النقاشات المثمرة التي تحدث بتلقائية لكنها عميقة جدا، والتي تتمحور حول النضال السياسي وتناقضات السودان والدين وعبثية الأنظمة.

الكاميرا هي معادل موضوعي للسينما، فوجودها يبرر التسمية والفنية

الكاميرا.. أحد أبطال الفيلم

الكاميرا هي معادل موضوعي للسينما، فوجودها يبرر التسمية والفنية، وبدونها يتحول الأمر إلى مسرحية أو فعل حكواتي في الشارع.

من هنا تنعكس الكاميرا في فيلم "حديث عن الأشجار" كرمزية أساسية حاضرة بقوة في جميع مفاصل الفيلم، سواء عن طريق الظهور المباشر أو التورية، وهذا أمرر مبرر، خاصة وأن "السينما السودانية" حاضرة كانعكاس للكاميرا، وتوجيه ضمني للمخرجين الذين كانوا أبطالا للفيلم، كرد اعتبار لهم بشكل آني، أو المساهمة في الإشارة لأعطاب السينما السودانية في ظل الأنظمة الشمولية التي تخافها وتخاف من انعكاس نورها على العقل والوجدان.

لذا لا عجب في أن نرى آلة عرض ذات بكرات، شريط السيلولويد والغبار التي يسكنها، كاميرات من مختلف الأنواع، سواء يتم إخراجها من قبو لأحد المخرجين أو من رفوف المقر، أو في صناعة مشهد تمثيلي كوميدي، حيث يقوم أحد أبطال الفيلم في لعب دور فتاة، وفي مشهد آخر يعود تمثيل لقطة أحد أبطال أفلام الغرب الأمريكي، وهي من المشاهد التي تملك دلالة واضحة عن السينما والكاميرا كمعادل موضوعي.

أما من بين أهم المشاهد التي تمت صناعتها في الفيلم فهي صناعة فيلم داخل الفيلم، وفي الوقت نفسه تقديمه عن طريق المقلب الدرامي، حيث يتعجب المشاهد عندما يقوم المخرج إبراهيم شدّاد في الفيلم بالجلوس في المرحاض، وفي وضعيات مختلفة وبفترات زمنية مقطعة؛ يقيس الزوايا، ويبحث عن أجملها، لكن في الأخير يظهر بأنه تخطيط مسبق كي يصور فيلما ما في هذا المرحاض، ويلعب دور المخرج فيه بجمالية كبيرة، حيث يصبح الأمر بهذا الشكل: المخرج صهيب الباري يُصوّر المخرج شداد، والأخير يصور مشهد فيلم آخر بطله أيضا مخرج آخر.

فاز المخرج صهيب الباري بجائزتي الجمهور وأفضل فيلم وثائقي في قسم بانورما في الدورة الـ69 لمهرجان برلين السينمائي

سرد ساحر ومهنية سينمائية

فيلم "حديث عن الأشجار" قال كل شيء بشكل فني ومدروس، ووضع يده على الجرح السوداني، وأظهر بأن المخرج صهيب قسم الباري يمتلك مقدرة كبيرة على خلق طريقة سرد ساحرة ومدير بارع للممثلين، فقد استطاع أن يستخرج أجمل ما فيهم بعفوية وتلقائية، وساعد في ذلك مهنيتهم وفهمهم الجيد للسينما، كما كان فيلمه إدانة واضحة لما يحدث في السودان في عهد عمر البشير الذي بث خطابه في التلفاز بعد فوزه بنسبة 94% في الانتخابات الرئاسية التي جرت سنة 2015، ليكون الفيلم نبوءة واضحة لما يحدث في السودان حاليا.

شارك في إنتاج فيلم "حديث عن الأشجار" كل من السودان وفرنسا وألمانيا وتشاد، وأخرجه وكتب له السيناريو وصوّره صهيب الباري الذي درس السينما في جامعة باريس، وسبق له أن عمل مصورا سينمائيا ومونتيرا، كما تعاون مع العديد من الصحفيين في إعداد تقارير مصورة لعدة قنوات تلفزيونية من بينها "القارة" و"فرنسا 24″، كما كتب وأخرج العديد من الأفلام الوثائقية، من بينها "أفلام السودان المنسية" (2017).